في إطار تصعيد التوترات مع أوكرانيا، أظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أسلوب الردع الأساسي للغرب - التهديد بفرض عقوبات اقتصادية شديدة لم يكن كافياً لمنع حرب في أوروبا لأول مرة منذ عقود، أثبت بوتين قدرته على امتصاص ضربة قاصمة للاقتصاد الروسي من أجل تعزيز مصالحه الأمنية في أوروبا الشرقية، وبالتالي لم يتورع عن غزو أوكرانيا.
ووسط مواجهة أوكرانيا المتقلبة، برز اعتماد أوروبا على روسيا في تلبية احتياجات القارة العجوز من الغاز الطبيعي إلي الواجهة، وهو ما قد يقوض جهود الغرب لفرض عقوبات على موسكو.
ويقول موقع "ذا هندو إن" حلفاء الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ركزوا على اتخاذ طريق العقوبات الاقتصادية إذا أقدم بوتين علة غزو اوكرانيا، وهم يهددون موسكو بإمكانية وقف صادرات تكنولوجيا الفضاء والدفاع الأمريكية، وقطع روسيا عن النظام المالي العالمي SWIFT، وتقييد الوصول إلي الأسواق المالية الغربية، وحتي وضع قيود مباشرة على بوتين، من بين تدابير أخري.
ويراهن بوتين علي أن الدولة الروسية والنظام المالي، اللذان تعرضا لعقوبات عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية، قد أجريا التعديلات اللازمة لتحمل المزيد من العزلة.
.jpg)
ويشير تقرير على موقع "نيوزويك" إلي انه منذ ذلك الحين، خفضت البلاد ديونها الخارجية وزادت احتياطيها من العملات الأجنبية، الذي بلغ 631 مليار دولار في نهاية شهر يناير، كما عززت روسيا إنتاجها الزراعي المحلي وإنتاجها في قطاعات أخري لتقليل اعتمادها على السلع المستوردة.
قالت آنا ميكولسكا، زميلة الطاقة في معهد بيكر بجامعة رايس: "لقد تكيفت روسيا"، وقالت: ردًا على العقوبات التي فُرضت بعد ضم شبه جزيرة القرم، والتي لا يزال الكثير منها ساريًا، "لم نر بوتين يتأسف ويعلن الانسحاب!!
على العكس من ذلك، تشير المواجهة الحالية مع الغرب إلي أن الزعيم الروسي يشعر بمزيد من الجرأة حتي في مواجهة عقوبات أشد، لطالما قال بوتين إن أوكرانيا -التي كانت في قلب الجدل حول أمن ما بعد الحرب الباردة في أوروبا تقع في دائرة نفوذ روسيا.
قال أندرو فايس من مؤسسة كارنيجي، وعمل مستشارًا بارزًا لروسيا في مجلس الأمن القومي للرئيس السابق بيل كلينتون: "روسيا ظلت تعمل على تقوية اقتصادها لفترة طويلة"، لقد أظهر بوتين استعداده لخوض الحرب في أوكرانيا.
تأثير العقوبات
لم يوضح المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون تفاصيل العقوبات التي سيفرضونها على روسيا، قالوا إنها ستكون أوسع بكثير من تلك التي تم فرضها في عام 2014، واستهدف الأفراد الأثرياء المقربين من بوتين، وقطاعات محددة من الاقتصاد الروسي، مثل المالية والدفاع وتكنولوجيا النفط.
فعالا بالفعل
ويشير تقرير "ذا هندو" إلي أن الأهم من ذلك، أن العقوبات الرئيسية التي تتم مناقشتها ضد روسيا تتمثل في منع خط أنابيب الغاز الجديد تحت البحر الذي يبلغ طوله 1222 كيلو مترًا والمسمي نورد ستريم، والذي يمتد من روسيا إلي ألمانيا، وقد اكتمل تطويره في سبتمبر 2021 لكنه لا يزال ينتظر موافقة الجهات التنظيمية من ألمانيا على أن يصبح فعالا بالفعل.
.jpg)
سحب الدعم
لقد "وعد" بايدن بأنه "لن يكون هناك نورد ستريم 2" إذا غزت روسيا أوكرانيا، كما تضغط واشنطن من أجل خفض واردات أوروبا من الغاز الروسي، في حين أظهر حلفاء الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ألمانيا، دعمهم لطريق العقوبات، فقد يفقد هذا التضامن الزخم عندما يتعلق الأمر بإجراء واحد كبير، وهو سحب الدعم من نورد ستريم 2.
ويرجع ذلك إلي اعتماد أوروبا الكبير على روسيا لاحتياجاتها من الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، الذي يستخدم في القارة للأغراض الصناعية وتدفئة ملايين المنازل، يقول الخبراء إن تأثير العقوبات الاقتصادية الأخري قد يتقوض إذا استمرت موسكو في تلقي عائدات من تجارة الغاز مع الدول الأوروبية.
لن تسلم بقية العالم من الآثار السلبية للعقوبات، تعد روسيا مُصدرًا رئيسيًا للنفط والغاز الطبيعي، وكذلك المعادن مثل الألمنيوم والنيكل والمنتجات الزراعية مثل القمح والذرة، وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث النفط والسلع العالمية في جي بي مورجان، إن الحرب والعقوبات التي تضر بالاقتصاد الروسي سترفع أسعار السيارات والسلع الاستهلاكية الأخري والبنزين في الولايات المتحدة وأماكن أخري.
.jpg)
ارتفاعات هائلة في الأسعار
وقالت كانيفا: "التأثير علي أسواق السلع سيكون هائلا" إذا شلت العقوبات الاقتصاد الروسي، فإن أي اضطراب "يمكن أن يسبب" ارتفاعات هائلة في الأسعار في جميع المجالات."
لكن، إلي أي مدي تعتمد أوروبا على روسيا للغاز الطبيعي؟
تم وضع اعتماد أوروبا على روسيا في منظوره الصحيح في أواخر عام 2021، عندما خفضت روسيا إمداداتها من الغاز إلي أوروبا عقب تفاقم الأزمة الأوكرانية، لم يتم القيام بذلك بشكل علني..حيث كانت موسكو لا تزال تفي بالغاز التعاقدي.. لكنها توقفت عن بيع غاز طبيعي إضافي يتم شراؤه على أساس فوري، وأدي ذلك إلي قيام وكالة الطاقة الدولية التابعة للرقابة على الطاقة باتهام روسيا بتقويض أمن الطاقة في أوروبا.
فواتير غاز وكهرباء عالية
عندما تم تخفيض المبيعات الإضافية، ارتفعت أسعار الطاقة في القارة بنحو خمس مرات من 19 يورو لكل ميجاواط / ساعة إلي 95 يورو لكل ميجاواط / ساعة، هذا الارتفاع، مع ذلك، كان له علاقة أيضًا بمستويات تخزين الغاز المنخفضة في أوروبا وارتفاع أسعار الفحم، كما شعر المستهلك بتأثير تقليص العرض.. حيث حصل على فواتير غاز وكهرباء عالية، واضطرت الحكومات إلي تقديم إعفاءات ضريبية وإعانات.
تعتمد ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، على روسيا في 65% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بينما تحصل إيطاليا على 43% من احتياجاتها من الغاز من روسيا، وفرنسا، ما يزيد قليلاً عن 16%، ومع ذلك، فإن الدول الأصغر الأخري، مثل جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا تعتمد بشكل كامل تقريبًا على روسيا في متطلباتها من الغاز الطبيعي، بينما تحصل بولندا على 50% من غازها من الأخيرة.
عليى مدي العقدين الماضيين، عملت روسيا على بناء طرق إمداد إلي أوروبا تتحايل على أوكرانيا.. وهذا يعني أنه إذا قطعت الغاز عن أوكرانيا في حالة أزمة، فلن تتأثر الإمدادات الأوروبية سلبًا بسبب الخطوط الأخري المتاحة، قبل العقد الأول من القرن الحالي، كان خط الأنابيب الذي يمر عبر أوكرانيا ينقل 110 مليارات متر مكعب إلي أوروبا سنويًا، لكن خطوط الأنابيب الجديدة التي تمر عبر تركيا مثل يامال وتوركستريم وبلو ستريم جعلت من الممكن توصيل ما يقرب من 80 مليار متر مكعب سنويًا دون المرور عبر أوكرانيا.
يبذل بايدن جهودًا لتقليل نفوذ موسكو من خلال توفير وطلب المزيد من الموردين لإرسال الغاز الطبيعي أو الغاز الطبيعي المسال إلي أوروبا، الولايات المتحدة هي أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال في الاتحاد الأوروبي..حيث أرسلت الأولي 400 مليون متر مكعب منه يوميًا إلي المنطقة في الأشهر الأخيرة.
.jpg)
محطات التسييل
ومع ذلك، توجد قيود هنا أيضًا، بالنسبة لتسييل الغاز عند التحميل، هناك حاجة إلي محطات التسييل، ولكي يتم تحويل الغاز الطبيعي المسال مرة أخري إلي الشكل الغازي، تتطلب منافذ التفريغ محطات إعادة تحويل السائل إلي غاز، كلا النوعين من المصانع يكلفان مليارات الدولارات ويحتاجان إلي الكثير من الوقت للبناء.
في حالات النقص، تم تحويل سفن الغاز الطبيعي المسال -المتجهة لأماكن أخري -إلي أوروبا عندما عرض المشترون دفع أسعار أعلي، لكن هذا لن يكون ممكنًا دائمًا.
أوروبا أكبر مشتري من روسيا
وبينما تعتمد أوروبا علي روسيا في جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة، فهي أيضًا أكبر مشتري من روسيا..حيث تستهلك ما يقرب من ثلاثة أرباع الغاز الذي تنتجه، مما يعني وصول عائدات كبيرة إلي موسكو، تشتري أوروبا أيضًا النفط من روسيا، وتشكل صادرات النفط والغاز معًا جزءًا كبيرًا من الميزانية الفيدرالية لروسيا.
ولكن في السنوات الأخيرة، صاغت روسيا ميزانيتها بطريقة يمكنها من خلالها الاحتفاظ بـ 630 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي جانباً، مما يعني أنه إذا تضررت عائدات الغاز لفترة قصيرة، فستكون البلاد قادرة على تحملها.
ومع ذلك، فإن قطع التجارة على المدي الطويل مع أوروبا لن يكون مناسبًا..حيث ستبدأ أوروبا أيضًا في تكثيف جهودها للعثور على موردين ومصادر بديلة للغاز الطبيعي.
.jpg)
بوتين يؤمن الغاز
وقد استطاع بوتين أن يؤمن أسواقا أخري للغاز من خلال الصفقة العملاقة لإنشاء خط انابيب نقل الغاز من روسيا للصين الأسبوع خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلي بكين في افتتاح الأولمبياد الشتوية.
سيخدم الخط الصفقة الصينية الروسية التي أبرمتها شركة غازبروم الروسية وشركة النفط والغاز الوطنية الصينية بنحو 400 مليار دولار، ستتلقي الصين بموجبها 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً على مدار 30 عاماً.
أزمة عميقة
ويري الخبراء أن أهمية هذه الصفقة تكمن في أنها تأتي في توقيت تمر فيه العلاقات الروسية الغربية بأزمة عميقة، بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا والتهديدات بأن تطال هذه العقوبات على المدي البعيد عقود الطاقة، ويضاف لما سبق الاتفاق على توريد الفحم الحجري الروسي للصين.
ويمكن أن يكون الغاز الطبيعي المسال أغلي ثمناً من غاز خط الأنابيب في ظل الظروف العادية بسبب تكلفة التبريد الفائق للغاز لتسييله، ونقله في شكل سائل، ثم تحويله بأمان إلي غاز للتدفئة والطاقة، في حين أن الغاز الطبيعي المسال الأمريكي كان منافسًا للأسعار مع غازات أنابيب غازبروم، فإن الفرق في السعر بين الغاز الطبيعي المسال وغاز خطوط الأنابيب يمكن أن يزداد إذا طلبت مساحات كبيرة من أوروبا فجأة كميات هائلة منه، بينما من الناحية النظرية، يمكن للغاز الطبيعي المسال أن يملأ الفجوة التي خلفها انقطاع خط الأنابيب، فإن تمويل سد الفجوة سيمثل تحديًا للأسر والشركات والحكومات.
.jpg)
الولايات المتحدة تدعم حلفاءها
إن دور الولايات المتحدة في أسواق الغاز الطبيعي المسال العالمية مهم بشكل خاص، في السنوات العشر الماضية، برزت الولايات المتحدة كأكبر منتج للغاز في العالم ومصدر رئيسي للغاز الطبيعي المسال.
وكقوة رائدة في حلف شمال الأطلسي وقوة عظمي في مجال الطاقة، يمكن للولايات المتحدة أن تدعم حلفاءها الضعفاء في مجال الطاقة في أوروبا، لكن من غير المحتمل أن يكون هذا الدعم رسميًا، بل سيكون مدفوعًا بقوي السوق.
منتجو الغاز الأمريكيون كيانات تجارية - العديد منها شركات صغيرة ومستقلة، مشغلو محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية هم أيضًا كيانات خاصة منفصلة عن منتجي الغاز أنفسهم، لا يمكن لإدارة بايدن أن تملي شروط تصدير الغاز المسال أو أسعاره أو أحجامه على شركات الطاقة الأمريكية الخاصة أو التكتلات متعددة الجنسيات، وهذا يمثل تناقضًا صارخًا مع دول مثل روسيا..حيث تعمل شركة غازبروم تحت إشراف الكرملين، وهي تسعي ليس فقط لتحقيق أهداف تجارية بل سياسية أيضًا.
خطط الطوارئ
رغم أن صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية تخضع لقوي السوق، فإن واشنطن تتفاوض بالفعل مع أصحاب المصلحة الرئيسيين، في يناير، تحدث مسئولو وزارة الخارجية مع المفوضية الأوروبية والعديد من شركات الطاقة الدولية بشأن خطط الطوارئ الخاصة بهم لتزويد أوروبا في حالة انقطاع الإمدادات الروسية، أجريت هذه المحادثات أيضًا مع دول صديقة منتجة للغاز الطبيعي المسال.

وزير الطاقة القطري.. تعويض إمدادات الغاز
لكن وزير الطاقة القطري سعد الكعبي قال يوم الخميس الماضي إنه لا قطر ولا أي دولة أخري لديها القدرة على تعويض إمدادات الغاز الروسي إلي أوروبا بالغاز الطبيعي المسال في حالة تعطلها بسبب الصراع بين روسيا وأوكرانيا.
وأضاف سعد الكعبي أنه نظرًا لأن معظم الإنتاج القطري محجوز في عقود طويلة الأجل في الغالب للمشترين الآسيويين، فإن الكمية القابلة للتحويل والتي يمكن شحنها إلي أوروبا هي فقط 10-15%.
وجددت تصريحات الكعبي المخاوف بشأن أمن أوروبا لإمدادات الغاز خصوصًا بعد أن شنت موسكو الحرب على أوكرانيا.
وكانت الولايات المتحدة قد اتصلت مؤخرًا بقطر ودول أخري مثل اليابان لإعادة توجيه إمدادات الغاز إلي أوروبا في حالة تصاعد الصراع، وقالت مصادر لرويترز إن صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية تراجعت خلال الأيام القليلة الماضية لأسباب فنية، وهو عامل آخر قد يحد من الكمية الفائضة التي سيتم إرسالها إلي أوروبا.
قدرات قطر واليابان ستكون محدودة
قال روبرت سونجر، محلل الغاز الطبيعي المسال: "لم نر أي شيء ملموس يحدث للإمداد حتي الآن، وهذا قد يتغير، لكن من الواضح أن قدرات قطر واليابان ستكون محدودة في شحن كميات إضافية إذا فقدت أوروبا الوصول إلي الغاز الروسي".
وقالت ماري ساوت، المؤرخة بجامعة جونز هوبكنز وعضو مجلس العلاقات الخارجية: "لقد عاد بوتين فتح معارك التسعينيات حول هكيل ما بعد الحرب الباردة للأمن الأوروبي". الأزمة "ذكرت العالم بحقيقة أن روسيا أقوى من أن نتجاهلها".
اترك تعليق