وقائع الرحلة إلى جوهرة الصعيد الساخن، يوليو ٢٠١٩م لحضور مناقشة ماجستير الباحثة آلاء توفيق، وتفاصيل ساعات السفر.
( 6 ) قنا:
بعد تسع ساعات من القاهرة:
السابعة صباحاً، وهذه هي الجميلة (قنا)، جوهرة الصعيد الساخن، شوارعها النظيفة، وأرصفتها الموشّاةُ بالأحجار البرتقالية، وطرقاتها اللامعة - تحت الشمس المشتعلة - كالفضة، أو كمرايا القصور المهجورة، ولابد من استطلاع المدينة رغم الحرارة اللافحة والهواء الملتهب، وثمةَ إطلالات صُلبة لعمائرَ تقاوم الزمن.
(قنا)، و(آلاء) الباحثة العصامية، التي أدين لها بهذه الوشيجة التي وصلتني من خلالها برموز العلم وسدنة الفكر والنقد في (قنا) و (سوهاج)، ومشوارها المثابر مع الدراسات العليا منذ تخرجها في الجامعة بمرتبة الامتياز، وهذا الوقت القياسي (عام ونصف العام)، ذلك الذي أنجزَتْ خلاله رسالتها للماجستير حول قصائدي الأولى التي وُلدت من رحم (سوهاج) و (العسيرات).
الثامنة صباحاً، وأزحت الستائر عن نافذة غرفتي الخاصة في فندق (جراند مول)، المتاخم لميدان محطة قنا، وما كدت أرى أفق المدينة من ارتفاع خمسة طوابق حتى عاودني النشاط من جديد، ورأيتُني آخذ حمّاماً بارداً، وكأنني - رغم عدم النوم إلى الآن - ناهضٌ من الفِراش بعد ليلةٍ طويلة من النوم الدافيء اللذيذ، ووجدتُني خارجاً من غرفتي ثُمّ هابطاً في المصعد الكهربائيّ فخارجاً من باحة الفندق إلى الهواء الساخن الطلق، طالباً شوارع (قنا) وميادينها ووجوهَ أهليها في الطرقاتِ والأزقّة والحوانيت!
وعلى مقهىً هاديء من مقاهيها الأنيقة جلست أستروح إلى الظلّ من غلواء الشمس ولهيبها المستعر، وتناغَمَ النقيضان في خاطري تناغماً لا اضطراب فيه ولا تباعد: فهل أتلذذ بانفرادي في اكتشاف المدينة وخباياها؟ أم أتعجّل مقابلة الأحباب الذين لم أرهُم إلى الآن؟ ولم ترجح كِفة من الكِفتين في الميزان، فكأنما الأحباب هم المدينة، وكأنما المدينة هي الأحباب!
في السادسة مساءً، وكنت خارجاً من مطعم (فاميلي مول) بعد انفضاض مائدة الغداء التي دعاني إليها أبوالمعارف بك، والد الباحثة (آلاء)، تلقيت عبر الهاتف صوت الشاعر الكبير النوبي عبدالراضي ينتظرني بصحبة الأستاذ الدكتور محمد سعد عقل على كافيتريا النصر القريبة من المطعم، وكان لقاء.
لم أكن قد التقيت بأحدهما من قبل، وإني لأدهش حقاً لهذه الأريحية والكرم الأصيل الذي يتحلى به الرجلان، فقد انقضت ثلاث ساعات حميمة وأنا معهما لم أشعر بها، دار خلالها الحديث حول العائلات وتاريخ هبوطها إلى مصر، ومشاهير قنا في الأدبِ والفنِ والسياسيةِ والشعرِ وواقعِهِ ورموزهِ خاصةً في بلاد الجنوب، وكانت المفاجأة أن الرسالة المقدمة من الباحث الشاعر النوبي عبدالراضي لإحراز الدكتوراه ستناقش عقب مناقشة رسالة الباحثة (آلاء) مباشرةً، وفي نفس القاعة أيضاً، ومن خلال نفس الأساتذة المناقشين كذلك، وأن عنوانها (التقنية الفنية عند شعراء الصعيد الأعلى)، وأنّ بالرسالة باباً أو مبحثاً من مباحثها يدور حول قصائدي الأولى أيضاً على اعتبار كوني صعيديا، ويا لها من مفاجأة!
وامتد كرم شاعرنا النوبي عبد الراضي والدكتور محمد سعد عقل ليشمل تنفيذ تطلعاتي حين أفلتت مِني كلمة على غير قصد، تشي برغبتي في استطلاع المدينة وزيارة مسجد (سيدي عبدالرحيم القنائي)
وخلال الساعات الثلاث التالية، كانت سيارة معالي الدكتور محمد سعد عقل تجوب بنا أنحاء (قنا) إلى مسجدها الشهير فصلينا فيه فريضة العشاء ثم تنقّلنا بين جنبات المدينة إلى الأندية والاستراحات، حتى لحق بنا في تمام التاسعة كل من معالي الدكتور عاطف فكار، ومعالي الدكتور حازم كمال الدين لتمتد سهرتنا معا إلى ما بعد انتصاف الليل بنصف الساعة، وتشعب بنا الحديث إلى الشعر والنقد والتعليم الجامعي وقصيدة النثر، وكانت خفة الظل الملازمة لشخصية الدكتور عاطف فكار، والدماثة التي يتمتع بها الدكتور حازم كمال الدين، والحضور الإنساني الحميم للدكتور سعد عقل، والحضور النفسي الباذخ للشاعر النوبي عبدالراضي، كان لكل ذلك أثره في أن تنتصف الليلة دون أن نشعر بتقدمها مع الوقت ولو للحظة من اللحظات.
في السادسة من صباح اليوم التالي، السبت - وهو يوم مناقشة الماجستير في العاشرة صباحاً - كان بدني قد تشبّع تماماً بلهيب (جوهرة الصعيد الساخن) رغم آلة التكييف وهوائها المنعش في أركان الغرفة، ورأيت بدني في المِرآة أحمرَ نحاسياً، ولم أكن قد نمت طيلة هذه الليلة أيضاً مشغولاً بالردّ على مراسلات بعض الأصدقاء الذين يريدون الاطمئنان عليّ في سفري عبر تواصل الفيسبوك، وما وضعت رأسي على الوسادة قبيل الفجر حتى وجدتُني استيقظت في الثامنة على نزيف الدماء من أنفي فهرولت طالباً إدارة الفندق وتم نقلي إلى مستشفى الهلال الأحمر، وتم إسعافي على وجه السرعة، ونصحتني الطبيبة المناوبة بعدم التعرّض المباشر للشمس، وضرورة النوم بكفاية، ورفضَت الطبيبة اقتطاع تذكرة علاج الطواريء لأنني على حدّ قولها ضيف (قنا) كلها، وليس جامعة جنوب الوادي فحسب، حتى المستشفيات هناك، يأبى المسئولون فيها إلا التّمسّك بوجاهة الكرم العريق!
ووصل إلى الفندق الشاعر النوبي ومعه الدكتور محمد سعد عقل وألحّا على ضرورة عدم خروجي من الفندق إلى الجامعة وأن ألتمس الراحة طيلة هذا اليوم التزاماً بتعليمات الطبيبة، وانضم إليهما في الرأي الدكتور حازم كمال الدين، ولكنني رفضت بشدّة، وجاءني على الهاتف صوت الباحثة (آلاء) تدعم رأيهم في ضرورة التخلّي عن حضور جلسة المناقشة، ولكنني صمّمت على الحضور، وانطلقت بنا السيارة في طريقها إلى حرم الجامعة.
وبدأت جلسة الحكم والمناقشة في حضور عدد كبير من الباحثين والأدباء وأهالي الباحثة (آلاء)، وافتتح الجلسة معالي الدكتور عاطف فكار مُحييا رموز المنصة، ومنعطفاً إلى تحيتي باعتباري صاحب القصائد التي تدور حولها الرسالة، وباعتباري ضيفاً على (قنا)، وقد أخجلني هذا الترحيب الجمّ، وزاد من خجلي حقاً أن كل أستاذ من أساتذة المنصة لم يكن ليبدأ مناقشته إلا بتحيتي والترحيب بي بأعلى مستويات التحية والترحيب، وقد كرّروا هذا الأمر معي عند ارتقائهم المنصة مرة أخرى لمناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الصديق الباحث الشاعر النوبي عبدالراضي.
وقد أوعزْتُ هذه التحيةَ وذلك الترحيب البليغ، لا إلى القيمة العلمية لإبداعي الشعريّ بقدر ما أوعزْتُها إلى الوجاهة التي يتمتع بها أبناء (قنا) و (سوهاج) في السبق إلى إكرام الضيف على أفضل وجه من وجوه الضيافة والإكرام، على أنني لا أنكر أن هذا الترحيب الحارّ بي كان بمثابة البشارة بالفوز الساحق للباحثة (آلاء) في أطروحتها تلك، ومما عزّز هذه البِشارة وأكدها تأكيداً حاسماً، أنه حينما طُلب منها أن تبدأ بقراءة بيان الرسالة فإنها انطلقت تتلوه بأسلوبها العذب البليغ، فيما كان (النحو) و (الصرف) يجريان على لسانها سلسالين رقراقين دونما تعثّرٍ أو تحوير.
ولقد ناقشها أساتذتُها نقاشاً عنيفاً، فلم يترك الدكتور حازم كمال الدين صفحة من بين كل بضع صفحات - في رسالتها التي جاوزت خمسمائة صفحة - إلا وسألها فيها مستفسراً ومختبراً، وموجّها لها إلى النموذج والمثال، ولم يترك الدكتور عاطف فكار مسألةً نحوية أو صرفيةً أو دلاليةً في رسالتها إلا وسألها فيها، وهي في كل هذا وذاك تجيب بصوتها الواثق الهاديء جداً وابتسامتها الخفيفة التي لا تكاد تبين.
وكذلك فعل الدكتور فتوح أحمد رئيس لجنة المناقشة، الذي طلب من الحضور فيما بعد الوقوف بين يدي اللجنة استماعاً للنطق بالحكم، بعد نحو ثلاث ساعات من المناقشة والفحص والتمييز، وجاء الحكم على الصورة الآتية:
قررت لجنة الحكم والمناقشة منح رسالة الباحثة آلاء أبوالمعارف توفيق المقدمة لنيل الماجستير بعنوان (شعر فولاذ عبدالله الأنور دراسة نحوية وصرفية ودلالية) درجة الامتياز مع التوصية بطبع الرسالة. وهي أرفع درجة تمنح لباحثي الماجستير في جامعة جنوب الوادي.
واشتعلت القاعة بالتصفيق والزغاريد، وابتسمت الباحثة الجميلة (آلاء) ابتسامتها الخفيفة التي لا تكاد تبين، ولمعت في عينيها أطياف دموع تعكس فرحتها بالفوز المؤزر بعد رحلة عناء وسهر طويل مع الدواوين الثلاثة الأولى من بين دواويني العشرة التي صدرت حتى الآن:(رايات السلام، شارات المجد المنطفئة، عودة الأحلام الغائبة)
وبعد حوالي ثلث الساعة انعقدت نفس اللجنة أيضاً لمناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحث الشاعر الكبير النوبي عبدالراضي وقد ضجّت القاعة عن آخرها بمحبيه من شعراء الصعيد وباحثيه وأدبائه، وأصدرت اللجنة في ختام جلستها - التي امتدت نحو ثلاث ساعات أيضاً - حكمها بمنح رسالته المقدمة لنيل الدكتوراه بعنوان (التقنية الفنية عند شعراء الصعيد الأعلى) درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى. وهي أرفع درجة تمنح لباحثي الدكتوراه في جامعة جنوب الوادي.
واشتعلت القاعة مرةً أخرى بالتصفيق والزغاريد.
لقد عزَفت الباحثة (آلاء) على وتر حياتي الأولى بمهارة علمية، وأضفَت عليها من روحها المدقّقة ما زادها توهجاً ولمعاناً، فإن كانت قد توصلتْ إلى جمال ما في قصائدي - وهي تنقّب في دلالاتها وأغوارها السحيقة - فإنني قد توصلتُ في رسالتها إلى ما لا يقل جمالاً عن هذه القصائد في مراميها البعيدة وأهدافها الكبار.
نحن فخورون بها باحثةً سبقَت عُمرها، وناقدةً جاوزت تخومَ المتاح من المعرفة بوعيها المبكر لجغرافية الإنسان، ولبواعث الإلهام فيه والإبداع.
وانفضّ السامر الجميل.
انفض السامر الجميل، ومازالت عالقةً في النفس منه تلك الوجوهُ الجميلةُ الحميمةُ التي غمرتنا بالحب والكرم والأريحية والبهاء، وبقيّ أساتذة الجنوب الأعلى، وأدباؤه، وشعراؤه: أ.د.فتوح خليل، أد.حازم كمال الدين، أ.د.عاطف فكار، أ.د.بخيتة خيّر، أ.د. محمد سعد عقل، .د.حامد إبراهيم، د.النوبي عبدالراضي، وطبيبة مستشفى الهلال الأحمر، ومدير فندق جراند مول، وعروس جنوب الوادي الباحثة آلاء وأفراد عائلتها الكريمة ـ رمزا لكل وجهٍ نبيلٍ لفحته شمسُ الصعيد فأيقظت في ملامحه عنفوان العزة ومخايل الجمال والنبوغ.
اترك تعليق