ـ التجلي المكاني:
للمكان أهمية كبيرة في حياة الإنسان بصفة عامة، وفي حياة الشاعر بصفة خاصة، فهو المانح للإنسان الكينونة، الهوية، الوجود، فلا وجود خارج المكان، والكون مكان مطلق تعجز عن حدوده المقاييس والأزمنة، فهو الركن الأساسي الذي يمارس فيه الإنسان تكوينه، وبعد أن تنفتح مداركه، يبدأ بتحديد أبعاده المكانية من خلال حياته العملية، إلى أن ينتهي به المطاف إلى مكان آخر، ومن هنا كان الإحساس بالمكان إحساسًا فطريًا ومتأصلًا في النفس البشرية ، ويشترك في هذا الإحساس جميع الناس ،" فالمكان أكثر التصاقًا بحياة الإنسان، وأن إدراك الإنسان للمكان إدراك حسي ومباشر، وهو يستمر مع الإنسان طوال سني عمره"، فالمكان يمثل المأوى الوحيد لمستودع الذكريات الراسخة في ذهن الإنسان الذي أمضي شطرًا كبيرًا من عمره بين أحضانه، فهو مهد الطفولة وذكرياتها، وهو مسرح الشباب وعنفوانه، ولذلك نجد شدة التصاق الإنسان في كل زمان بمكانه، كما نرى الانتماء الشديد الذي تظهره النفس الإنسانية وتكنه لذلك المكان الذي أصبح مرآة الإنسان وهاجسه الذي يراوده في كل لحظة ويشغل تفكيره بين حين وآخر؛ لذا نجد الشعراء قد تسابقوا، وتفننوا في وصف المكان، وتجلياته أيا كان ( )، ومنهم شاعرنا الذي يعرض جمالية المكان الصعيد بكل تجلياته المكانية والزمانية والثقافية يقول في برج ورد الحوراء
ماذا لو كل بنات آبينا آدم ، أطيب ما أسبغت على كونك من
نبض نورانى ... ، .. حورا كن إلهي... ، .. حورا يا رب
كما يهوى عبدك ، وابن صعيد أم بلادك هذا الأسمر ، منهبة
عبر المخيلة البصرية، ليجسد حالة من الحنين إلى هذا المكان وما يحمله من سعادة للشاعر يقول :
"يقولون ..
أو قيل قالوا :
تشرق الشمس في "إربد" من بين عيني
"هلا" ريمنا .. .. .. كانت ..،
تشرق الشمس ..!!
يعشب الكروم ..
لتمشي عليه"
يشكل الشاعر من خلال عشق المكان الذي تسكن فيه المحبوبة لوحة كونية طبيعية تجذب العين لرؤيتها، وتنصت الأذن لوشوشاتها عبر بناء تخييلي رائع كما في (تشرق الشمس في عيني – يعشب الكروم ..إلخ ) " كي يعلمنا الإصغاء الجمالي للعالم في ذاته ولذاته فتضيق المسافة بين الدال والمدلول إلى أقصى درجة ممكنة ، ليكون شغل الشعرية على ذاتها، لا على سبيل القطيعة بين الشعر والواقع والعالم لكن على سبيل إنتاج الواقع وتحويل الدال إلى شبكات نصية تخيلية تداخلية تحولية تملؤها الفجوات و الصغرات لتعيد النظر فيها مرة أخرى، فيتخلق بعيدًا عن مواريثه الجمالية والمعرفية السائدة، وإن احتقبها في أشكاله المستعصية علي التصنيف " . يقول أيضًا
"نقلى لغتي لزمان التراتيل...
للنهوض العييي الكليل...
لرفيق نعيق الهديل
لأفول الشمس الظليل
"لهامة "بوح القتيل "
لدم لم يزل بغه من مزاريب خيبر
حتى مصلى الخليل
نقلي لغتي ..من نواة ..لنخل ..لبيد
لمد تكدس في أي شط ببحر خلي"( ).
مازال المكان يمثل معينا خصبا للشاعر في ثراء نصه، فهو لا يقتصر على مكان بعينه، وإنما يبحر هنا وهناك ليكشف للقارئ أبعاد ودلالات جديدة تحيط بهذا المكان، ومن هنا يرتد الشاعر للخلف ؛ ليقيم حالة مفارقة بين طبيعة المكان قديمًا ، وحديثًا ،وما يرتبط به من سلوك وقيم ، فيحضر المكان الأول "خيبر" وهذا المكان له علاقة قديمة موروثة بيهود خيبر، والحرب التي دارت بينهم وبين المسلمين ، وما ترتب عليها من الخيانة والمكر، فالشاعر يلبس المكان مضامين معاصرة موجودة الآن، فلم يذكر المكان من أجل إعادة القصة مرة آخرى، وإنما ليبين للمتلقي أن هذا المكان مازال موجودا بكل حمولاته الاجتماعية والثقافية، ولكن وفق إطار جديد .
والمكان الثاني يحضر من خلال مصلي الخليل . الذي يبن تحول المكان وفقده للهوية المعروفة فبعد أن كان هذا المكان مصلى للمسلمين أصبح الآن مأسورًا يتحول من مصلى وإيواء إلى برك من الدم وتشتت ومنفى في الآن نفسه.
ـ التجلي الزماني:
يعد الزمن آلية فنية لها أبعاد وظيفية، وجمالية، يشكل بها الشاعر نصه ، فيجسد مشاعره، وأحاسيسه ، ومادته الأدبية ، والشعرية، فعلى الرغم من أن أي نص أدبي لا يقع خارج الزمان إلا أن هذه البنية، لم تأخذ حقها كبنية جمالية داخل النص الأدبي تضفي على النص جمالًا ممتدًا، وخاصة أنها ليست دخيلة على النص، بل هي عصب وجوده، فالوعي النقدي يتعامل مع البناء الزمني في الشعر على أنه مكون جمالي دخيل ليس من بنية الشعر، فلم يتطرق إلى الزمن وتشكلاته سوى من جهة الجماليات التي يضفيها على النص ؛ لذا يقول هانز ميرهوف " إن الامتداد الزمني الدائم عبر الحاضر يشتمل على عناصر من الذاكرة والتوقع ، وهذه العناصر في تذكرها وتوقعها تأتلف في تجربة الحاضر الخداع، وهذا الامتداد ينقل إلينا بعض المفاهيم المبهمة عن الما قبل والما بعد، ومن هنا يصبح الزمن منارة يستلهم منها الشاعر الأضواء لبناء النص ، عبر تقنية الاسترجاع للخلف؛ لينوع في النظام الزمني للحكاية للتشويق الذي يوالف فيه بين التجربة الحياتية والتجربة الفنية . يقول الشاعر مظهرا التجلي الزمني الذي أدى إلى نمو النص وتنوع مشاهده
الاسمان وطن
(إنه الزمن الألد .لا بد مما ليس منه بد .
سر إذا شئت .. أوقف أوو غافل الخطو واخط
أو طر كطير ، أو تسلق ، أو أزحف
أنت لن تفعل شيئا ،
طالما في حلمك المنهوك قيد ..)
هما :المروان "..ومروان "
وشتان ... وشتان .. وشتان ..!،
فرق لا شط له " بين المروان الاول بالزمن الاول
وأخينا مروان "الآن ..
صنوان ..ولا صنوان
ف...المروان الأول كان العدد .. وكان المدد .. وكان ، العدة ..
كان الكلمة كان الجملة ..
والفرسان
أبدع حلما ظل لوقت حلما أخاذا ،
ثم تأكد .. واشتد فحاد ..فماد ... ،
وما عاد ..!!
رحم الله التاريخ ...ورحم عروبته .. وتغمده برضاه ...،
..،وأبدا لا سامح من هدوا بيت "المروان " الأزهى ..،
وأباحوا للريح الشرهة طلله ..
وأضلوا رفده
فيتمثل الخطاب الزمني هنا في استحضار عصرين زمنيين؛ هما العصر الأموي، وما مثله من ازدها في حياة المروان التي أضفى عليها الشاعر كل صفات الزمن الجميل الذي يتناقض كلية مع الزمن الحاضر ، والعصر الثاني مروان الآني (المعاصر)، فالشاعر يستعمل الزمن باعتباره رمزًا
والعصر الثاني مروان الآني (المعاصر)، فالشاعر يستعمل الزمن باعتباره رمزًا يختزل الكثير من المشاهد السابقة واللاحقة، فالعرض الزمني هنا يكشف عن حالة من التناقض بين ما كان، وما هو كائن، وما سيكون ، فمروان الأول هو الحاكم العربي القديم الرافع سيفه في وجه الأعداء حتى لا يدنسوا تراب أرضه؛ لذا كان:
فالمروان الميت ليس ك مروان الآن..
فذاك كما يروي كان العربي الداخل والآخذ ...،
والحي كما يبدو هو صاحبا كما يبدو هو صاحبنا العربي المدخول المأخوذ
مات المروان ونتذكره نذكره ...،
ويعيش أخونا "مروان ونتشوف في أي سويعات
فالزمن يتداخل مع النص الشعري في كافة أبعاده ( اللغة، والإيقاع، والشكل)؛ ليحملها شحنات عديدة تستطيع الذات الشاعرة من خلالها أن ترجع إلى الوراء لتأتي بالماضي، وتتأمل المستقبل، ويكون الحاضر شاهدًا على ما قبل ، وما بعد ، وكاشفًا لما هو عليه، فيرصد الشاعر من خلال هذه الأبعاد المسافة الزمنية التي قطعت بين كل عصر وعصر وبين شخصية وشخصية. وفق صورة حركية تُشعر المتلقي بأنه أمام شريط فيديو يعرض له سير مروان السابق ومروان الحاضر يقول :
أما مروان الآن فلم يتطلل بعد
ولا يعني ذا أن أخانا مروان اللامتطلل بعد أشد
هو إحدى فقر الجسد المنتفخ المتقرح والممتد
هو شطر حصاة في أرض محصاة
وحصاها من غير عدد
وهو شموخ هذ (وبناء كالهدم .. وهدم كبنا
رجل طيب
يأكل كالناس ويشرب كالناس
ويعدو خلف الحافلة ليركب
ومؤدب
مرغوب ..محبوب .. لكن شتان .
والناس جميعا ..والأزمنة جميعا
كان الشمس ..وكان الليل
وكان يسير بكل فجاج الكون"
تُسبب أحداث المجتمع، وما فيه من أحداث سياسية، واقتصادية، واجتماعية وغيرها في خلق شخصية الحاكم في أي عصر ، فالزمن السابق هو الذي صنع مروان الفارس الحر الغيور على وطنه الحامي لشعبه ، وعلى النقيض في الزمن الحاضر، فمروان المعاصر أيضًا هيئته الظروف الاجتماعية، والسياسية الحالية، فهذه الظروف هي مجموعة من الأمراض التي التهمت جسد المروان المعاصر، وهو ما عبرت عنه الدلالات الآتية (المنتفخ - المتقرح- الممتد )، ومن هنا نرى أن الشاعر يبرع في رسم الصورة الممتدة التي تستمر إلى نهاية النص؛ لتكشف شخصية كل من مروان الأول والثاني وتفتح نافذتها على العالم ؛ لتمتد نحو الزمن الماضي الحاوي لشخصية المروان الأول ، بالإضافة إلى تقنية المونتاج السينمائي التي يعرض بها الشاعر نصه ليجسد آلية المفارقة بين مروان القديم، والمعاصر مستخدما كاميرته في رصد حالة وحياة كل منهما كما في(يأكل كالناس ويشرب كالناس- ويعدو خلف الحافلة ليركب ..إلخ ) ، فالشاعر هنا من خلال اعتماد تقنية" الفلاش باك" في العودة إلى الوراء يحطم الفروق والفواصل بين أبناء الوطن الواحد آملًا في عودة الوحدة، والتماسك الذي حل محله التفكك والتنازع، ومن هنا يخلق الشاعر من شخصية المروان الأول الهادمة لكل الفواصل والعابرة لكل الطرق شخصية أسطورية تخترق حدود الزمان والمكان.
الهوامش:
- على متعب جاسم - انظر المرجع السابق ص33 و فاعلية المكان في الصورة الشعرية ، سيفيات المتنبي أنموذجًا ، مجلة ديالي ، العدد الأربعون.
- أيمن تعيلب ، الحداثة وفلسفة الجمال ، موسوعة أعلام الشعراء ، دار مؤسسة رسلان ،ط2010
- تباريح أوراد الجوى الهيئة ، المصرية العامة للكتاب 1990 .
- الذي قتلته الصبابة والبلاد، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998.
اترك تعليق