صديقتي النملة؛ آتسمحين لي أن اقص عليكِ بعض القصص عني.. ربما لن تكون أحسنهم.. ولكني أعدكِ بأن لا تملي من متابعة القراءة.. فهي قصص ربما تُعطي الأمل.. أو ربما العبرة.. أو لا تُعطي شيئا سوي التسلية وتضييع الوقت لقارئيها..!!
ولتعتبريها شخبطة علي الورق.. تصرخ بأنين الشوق..
لا استطيع أن أقل بأني يائسة؛ ولكني (مُيئِّسة ).. كئيبة.. فلست ممن يري العالم وردياً.. والأشخاص رائعون.. ملائكيون، مثل الفراشات التي تُحلّق علي الأزهار تشتم رحيق العطر في صباحات اليوم، لتنشر عبيرها ونسائمها في الآفاق.. !
لم استطع يوماً أن أري أو ارسم صورة لهذا العالم، فالقبح يملأ الأركان، وسخافات البشر تغتصب كل جمال وتسطو عليه..!
قد أبدو بنظر البعض كئيبة متشائمة، أفضل الصمت... والسكون لغتي..
ربما أشكو برودة الأيام، فحين تبرد العواطف داخل النفس تنقص لذة الحياة..
عمري هو عمر تجربتي، لا عمري المدون في شهادة الميلاد..! فتاة.. أو سيدة التجارب، كما اعتاد أن يصفني كل من يقترب مني ومن عقلي.. فقد استنشقت عبير الحكايات الكثيرة.. واستمعت، وعشت مع كل حكاية.. قضيت عبير الشباب مع كل حكاية وكأنها لي.. وتجاوبت معها وكأنها أنا..!
لم أجد نفسي يوماً بطلة لهذه الروايات، فلم اتخيل أنني اقف يوماً علي مشارف الأحلام في انتظار فارسها.. الذي يقوم بتجهيز حصانه الذهبي ليأخذني ويحملني عليه.. ولم اتخيل نفسي يوماً سندريلا التي عثرت أخيراً علي فارسها..
لم اُخزن في العقل يوماً صورة خيالية من هذه الصور التي طالما حلمت بها باقي الفتيات في مثل عمري.. كل ما تمنيته في هذه الفترة هي أن تنقضي.. وفقط.. مجرد أن تنقضي وتمر بي إلي شواطئ الأمان..
لم أكن انتظر فارساً، أو بطلاً مغواراً .. كل ما تمنيته أن ألتمس الأمان، فكم لطمتني أمواج الحياة العاتية.. وخشيت أن أمد أقدامي فتلقفني أمواجها وتبتلعني...
كبرت.. كبرت كثيراً حتي صرت سيدة التجارب..
ثمة نداءات خفية يتردد صداها في عمق الروح: آيا حبيبة خذي نصيبك من الحب والدفء .. ولتُبعثي من جديد..
صخب الحياة العالي الضجيج لا يخمد... يهمس قائلاً: الحب لا آوان له ولا عمر.. لا زمان له ولا عُرف.. نفحة إلهية تستقر في القلب ناراً ونوراً.. يدفئ ويُنير..
كم وددت مزاحمة اللحظات السعيدة مثل النملتان حينما اشتركا الحلم في كوب واحد.. حينما تزاحمتا الضحكات، واقتسام الحلم والوصول إلي المتعة في تحقيقه أو علي الأقل في الاشتراك معا في حلم..
لم يكتفيا بالحلم والتمني من بعيد، لم يختلقا الأعذاء ويشاهدا من بعيد، بل عملا علي الوصول لفتافيت السكر.. تسابقتا إلي ما أرادا.. تسابقتا إلي قدريهما.. سارا معاً .. طال الطريق.. وتداني الهدف.. صعدتا معا.. لم يكن بتخيل النملة أن تحدث المعجزة وتُصبح حبيبات السكر من نصيبها.. فقد كان هذا أشبه بالمستحيل، مع ربة منزل حريصة نظيفة..
وعندما حدثت المعجزة وفُتح باب المطبخ وأُضيئ المصباح فُتح معه باب الأمل..
تُري هل يكون للإنسان صبراً مثل ما للنمل!!؟، قديما كانوا يحدثوننا بأن علينا أن نكن مثل النمل في حكمته، فالنمل دائم التفكير في المستقبل، يعمل طوال أيام الصيف، ويُخزنه للشتاء، دائم البحث عن حلول؛ إذا تم حجزه في مكان لا يستسلم، يُفكر كيف يتسلق الجدران، الأماكن، والحواجز كي يخرج من مأزقه.. فهو لا يستسلم أو ينسحب.. يعمل بجد وإصرار يفعل ما يريد بكل إتقان..
وعندما أراقبني، أجدني لم استطع أن اكمل طريقي وأصبح كالنملة، فقد كنت نملة في مراحل عمري الأولي.. والآن، وقد فقدت الشغف، وانا اعيش بلا موقف، بلا أدنب هدف.. بلا شغف.. من أي شئ.. وقد جفت حبات العرق من علي جبيني المتعب، واستسلمت إلي السكون.. وحدي بلا أمل.. بلا شغف.. بلا هدف.. بلا عمل.. فالملل يملأ الحواس ويثير في الجسد المتعب ألف عِلة..!!
هل النهاية السعيدة للنملتان أدت بنا إلي راحة البال واطمئنان الأنفس المعذبة..؟!
بأن كلتاهما قد وجدتا حبات السكر، وتذوقتها، فقد وصلتا إلي نهاية الطريق، وهدفهما المنشود.. وبهذه النهاية السعيدة قد استطاعت النملة أن تًثبت لصديقتها بأن العطاء سر السعادة، وفي الاتحاد قوة، وفي الإصرار النجاح، وفي العمل التمكين، وبالوفاء والإخلاص نصل إلي نهايات طيبة مُرضية للطريق الشاق.. ففي آخر النفق هناك ضوء..
ولكن هل بإمكاننا حقا أن نجد هذه النهايات السعيدة في حياتنا نحن الأشخاص.. الذين لم نكن يوما نملاً..!
تُري هل سننعم يوماً بصداقة تدوم، ونفس ترضي وتُسلم بأنها قد أخذت نصيبها وهي سعيدة بذلك، مثلما رددت النملة: "هذا نصيبي وأنا سعيدة به"..!
هل سنضحك علي أنغام ألحان المحبة والوفاء ونعتز بكل ما نُقدمه لبعضنا البعض، ونُظهر الامتنان والمودة لكل من يظهر بحياتنا يُقدم لنا حباً أو نصحاً أو مشورة...
كم وددت أن أجد من أتقاسم معه فتافيت السكر ونحن نتبادل الضحكات، فليست القمة بذات بال، ولكن الأهم هو الإصرار والصبر والمثابرة للوصول إليها، ليس المهم هو هدف الحياة، ولكن الأهم هو الحياة نفسها.
اترك تعليق