تبدأ القصيدة حكايتها مع رحلة الأتوبيس المعتادة، من أطراف المدينة إلى قلبها، يدور موضوعها حول بطلا يعشق الحياة، لا يهاب الموت، يتعامل مع البشر و شبه البشر، الأشياء و أشباه الأشياء، يتبادل البطل الأدوار مع صديقه الكمساري دون أن يدفع ثمنا، فلا حاجة لمن يبيع التذاكر الى شراء تذكرة، فهو يستمتع كثيرا بتقمص دور الكمساري أثناء ذهابه لعمله في وسط المدينة، يضم رزمة التذاكر في راحة يده اليسرى بالاستك الملفوف على ظهر يده، يبلل الإبهام و السبابة بقطعة الإسفنجة المبللة المدفونة في الغطاء المثبت بجوار التذاكر بحرفنة لصقل دور الكمساري المخضرم، لم يشك فيه مفتش التذاكر، بطل القصيدة مفرط الذوق و الإحساس، يداعب الركاب و يغني كلماته ، لا تسمع هذه الاغاني الا حصريا و منه فقط، لدرجة انه يغني لكل المواقف، حتى انه يغني بفكاهة منبها المزوغين من شراء تذاكر، أنه كمساري خبرة يعرف جيدا التعامل مع أنواع البشر من خلال خبرته، يلقي نكات للعابسين تزيل الهم و تشجع الرجال على المشاركة فى النكات والقفشات، يقهقه الذكور،، تحمر الإناث خجلا لكتمهم القهقهات و الاكتفاء بوضع الاهتزاز، تفقذهم المطبات لأنها تخفي انفعالاتهم و خضخضة نهودهن، تضعن كفوفهن خجلا على وجوههن، تنفرج أسارير الجمال، تفوح رائحة الأمل..
تورق روح المرح، يصعد الركاب مرتدين قناع العبوس، ينزلون كأنهم فراشات تحلق في الكون، كمن مسهم روح الشغف، كأنهم يولدون حقا من جديد، بينما يغض صديقه الكمساري الحقيقي في نوم عميق، فقد تعب محاولا ايجاد فرصة عمل اضافي للمساعدة في احتياجات اطفاله الاربعة و زوجته بعد الاستغناء عنه من المصنع الذي قضي فيه ربع عمره في نوبة عمل كخفير.
بعد نهاية يوم شاق للبطل في محل الورد التحق بأخر رحلة للاتوبيس، القى اعضائه كتلة واحدة على كرسي منصة قطع التذاكر بجوار صديقه متخذا وضع نوم الطالب الكسول على التختة. يوقظه صديقه قبل وصوله محطته بقليل يودعه سائق الأتوبيس بكوبليه من اغانيه.
فى كل أبريل يحظى أحد الشعراء بلقب " القلم الصادق "، فيدعى لحفل التكريم واستلام الجائزة، و فى هذا العام فاز الشاعر العجوز باللقب على أحد قصائده ، لكن أيا منها؟ لا يهم فالقصائد كلها له، كاد أن يجن عندما علم أن قصيدة " حكاية قصيدة" هي التي فازت، فكان مستبعدا إياها تماما، لكن إن كانت هذه وجهة نظر المقيمين فلا بأس، فالاهم أنه فاز بصاحب لقب " القلم الصادق " لهذا العام، استقل وسيلة مواصلات عامة لحضور التكريم بمقر المؤسسة المانحة للجائزة و لأنه يعاني فوبيا قيادة السيارات و-السيارات نفسها- ، فمنذ فترة بعيدة جدا تعرض لحادث سيارة، حيث سقطت سيارته من أعلى كوبري نتيجة قيادته السيئة ، و لولا وجود شاب مخلص يعمل في محل ورد اسفل الكوبري لكان الشاعر في خبر كان، داوم الشاب الزيارات له في المستشفى و المقابلات، توطدت العلاقة بينهما فرفض بائع الورد عرض الشاعر لأي مبالغ من المال، لكن مع إصرار الشاعر بطلب خدمة منه عرفانا بالجميل، فطلب أن ينشر الشاعر قصيدة له باسمه في ديوانه القادم، فوعده بكل امتنان، و بمرور الوقت يمر كل شيء، بالتدريج ضعفت العلاقات ثم قلت المقابلات ثم ندرت الاتصالات ثم تباعدت المعايدات إلى ان صارا غريبين كما كانا قبل الحادث، حافظ الشاعر على جزء من وعده هو أن ينشر قصيدة بائع الورد في ديوانه لكنه لم يتقبل فكرة ان يكتب اسم آخر غيره، فلا مجال للمقابلة و لا العتاب بينهما، حيث تاهت ارقام تليفوناتهم، و تبدلت اشكال الشوارع، و تغير البشر، لدرجة أنه رآه صدفة في آخر عيد للحب و لم يتعرف عليه بائع الورد، حيث اشترى منه وردة وضعها على يسار الجاكت،
. في طريق العودة، الامر دائما مختلف، ذبل شعور الانتشاء بالفوز عندما دقق في ملامحه من زجاج النافذة، رأي كهلا ضعيفا وحيدا، ثم القي بعينيه متجاوزا الزجاج، محاولا ان لا يفسد فرحة حلم بها لمدة خمس و ستون عاما، فراح يتابع البشر، و خطوط الاسفلت البيضاء، و كلما أقترب الاتوبيس من الكوبرى، تضائل شعوره بلذة الفوزحتي اختفي تماما و سيطر عليه التفكير عندما كان بين الحياة و الموت، شعور لا يوصف بالكتابة و لا بالكلام، فاسفل هذا الكوبري ادرك الموت، فبدأ يتحسس لا اراديا اعضائه كأنه يريد ان يتأكد من شيء، ينظر إلى نفسه في الزجاج، يشهق ثم يزفر ببطء و هو يسند ظهره للخلف، قطع شريط الذكريات المؤلمة صوت غناء بائع ورد و تصفيق الركاب له حين قفز كالسهم في الاتوبيس، صوته يستحق التقدير أكثر من مئات المطربين على الساحة، كلماته منمقة يغار منه اغلب الشعراء الحقيقيين، يتعامل مع الجميع بأدب جم ينافس أمراء انجلترا، ظل الشاعر لا يجد كلمات مناسبة لما يشعر.
نهاية محتملة
لا شعوريا، نهش جزء من الورقة التي بيده، وأخذ قلمه وكتب عنوانه و رقم تليفونه و لفها باكبر فئة عملة ورقية معه:
- لو سمحت عاوز بوكية ورد تاني على ذوقك......العنوان عندك.
اترك تعليق