كلما جاء رمضان سارع المسلمون إلى كتاب الله عز وجل يقرؤونه، ويتواصون على قراءته، حرصين على قراءة أكبر عدد ممكن من آياته، آملين أن يكون لهم الفوز الأكبر بالحسنات.
بقلم: محمد الطايع
باحث إسلامى
كلما جاء رمضان سارع المسلمون إلى كتاب الله عز وجل يقرؤونه، ويتواصون على قراءته، حرصين على قراءة أكبر عدد ممكن من آياته، آملين أن يكون لهم الفوز الأكبر بالحسنات.
لكن البعض –ولن أقول الأغلب- تتوقف قراءته للقرآن على عمل لسانه وفكيه فقط، بينما لا يصل هذا القرآن إلى قلبه، ولا يظهر له أثر في سلوكه أو تفكيره.
ومن أجل هذا المعنى ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم أنه قال: «إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ» ، قال النووي في شرحه للحديث: «مَعْنَاهُ أَنَّ قَوْمًا لَيْسَ حَظُّهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا مُرُورُهُ عَلَى اللِّسَانِ، فَلَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ لِيَصِلَ قُلُوبَهُمْ، وليْس ذلك هو المطْلُوب، بل المطلوب تعقله وَتَدَبُّرُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الْقَلْبِ» .
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه إنما أنزله ليدبر العباد آياته فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، قال القشيري في تفسير هذه الآية: «أنّ البركة في تدبّره والتفكّر في معانيه».
وقال ابن عطية: «ظاهر هذه الآية يعطي أن التدبر من أسباب إنزال القرآن».
وهذا التدبر هو أداة فهم إعجاز القرآن الكريم، والتأكد من ألوهية مصدره، كما في قوله تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً } [النساء:82].
ولهذا حرص الصحابة على الوصية بكيفية قراءة القرآن قراءة مفيدة مؤثرة، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْلِ، وَلا تَهُذُوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ ، وَلا يَكُنْ هَمَّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ».
وقال الحسن البصري: «إنّ مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل مِن ربّهم، فكانوا يتدبّرونها بالليل ويُنفذونها بالنهار».
فليس المراد من تلاوة القرآن الكريم هو عد الآيات، والتسابق لإنهاء المصحف قراءة عددية فقط، أو كما قال ابن عباس: «لئن أقرأ سورة أُرتّل فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله».
وإنما قال ابن عباس رضي الله عنه ذلك لأنه قد اطلع على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي صلى في إحدى الليالي يتهجد، وكان يردد آية واحدة من كتاب الله، وهو يصلي لم يجاوزها حتى أصبح وهي قوله تعالى: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
وقال محمد رشيد رضا: «واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه مع التدبر، بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه».
قال الحسن البصري: «والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآنُ في خلق ولا عمل».
لذا أقترح على كل قارئ في كتاب الله عز وجل، سواء قرأه في رمضان أو غيره، أن يجعل لكل ختمة من ختماته للقرآن مشروع تدبر وتعلم، كل مشروع عبارة عن أجندة، يكتب فيها ما خرج به في هذه الختمة في حدود محور فكري محدد.
مثلا: مشروع (هذا ربي): أن يضع القارئ أجندة يكتب فيها كل وصف أو اسم مذكور في المصحف عن الله عز وجل، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، الودود... مالك يوم الدين، خلق السموات والأرض، يغفر لمن يشاء.
أو مشروع: رسائل للمؤمنين: أن يكتب في الأجندة كل آية بدايتها (يا أيها الذين آمنوا)، ثم ينظر ماذا قال الله عز وجل في هذه الآيات للمؤمنين.
أو مشروع: أوامر ربي ونواهيه: بأن يدون في الأجندة كل أمر أو نهي جاء في كتاب الله عز وجل، ثم ينظر هل هو فعلا ينفذ هذه الأوامر، ويترك هذه النواهي.
وأعتقد أن القارئ لو فعل شيئا من هذه الأفكار، أو ما يستجد له هو من مشروعات تدبر، أنه سيجد نفسه خرج بقراءة مفيدة تنعكس على سلوكياته، وفهمه للدين والحياة.
تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي
يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل
اترك تعليق