تمثل زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة ولقاءه بالرئيس السيسى محطة مفصلية لترجمة الشراكة الاستراتيجية بين مصر والصين إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وتركز المباحثات المرتقبة على كيفية الاستفادة من التجربة الصينية الرائدة عالمياً فى الصناعة والتصدير والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه الاستثمارات الصينية نحو القطاعات ذات الأولوية فى مصر، خاصة مع ما تتمتع به مصر من موقع متميز يربط بين الشرق والغرب، وما توفره المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من فرص لوجستية وصناعية فريدة.
أكدت د. إيمان إسماعيل أنور أستاذ الاقتصاد ووكيل كلية الحقوق بجامعة حلوان، أن التجربة الصينية استطاعت على مدار عقود أن تجذب الانتباه، حيث مضت الصين قدماً نحو التقدم الاقتصادى محققة أعلى معدلات النمو الاقتصادى على مستوى العالم، ومتفوقة على العديد من الدول المتقدمة.
وأوضحت أن الصين تحتل المركز الأول عالمياً فى بعض مؤشرات النمو الاقتصادي، بينما تأتى فى المركز الثانى ضمن أكبر الاقتصاديات تقدماً حول العالم فى مؤشرات أخري، وأشارت إلى أن الصين كنموذج اقتصادى يجب الاستفادة منه من خلال نقل تلك التجربة، وعلى وجه الخصوص فى المجالات التى تميز بها الاقتصاد الصينى وكانت سبباً رئيسياً فى تقدمه.
ولفتت د. إيمان إلى أهمية التعاون فى مجالات الإنتاج المختلفة، مشيرة إلى أن الصين لا تزال تنتج ما يفوق بكثير قدرتها على بيعه محلياً، وبالتالى تتجه إلى التسويق الخارجي. وأكدت أن قطاع التصنيع يظل دائماً محرك النمو فى الصين.
وأضافت أنه يمكن أيضاً التعاون فى مجالات عديدة، من بينها صناعة السيارات وإنتاج التكنولوجيا، ورغم أن الصين تبدو متأخرة فى إنتاج التكنولوجيا مقارنة ببعض الدول المتقدمة، إلا أنها تجربة يمكن الاستفادة منها من خلال نقل الخبرات التكنولوجية إلى الاقتصاد
المصري، ولا سيما فى مجال التكنولوجيا الخضراء.
وتابعت أن الصين نجحت فى خلق بيئة محفزة للإنتاج من خلال تخصيص مدن كاملة قائمة على قطاعات إنتاجية معينة، وهو ما يمكن نقل هذه التجربة إلى مصر.
وشددت د. إيمان على ضرورة الاستفادة من الطاقات البشرية فى كافة أوجه النشاط الاقتصادي، موضحة أن الاقتصاد المصرى
أصبح يعتمد على قطاعات هامشية وريعية لا تولد فرص عمل كافية.
وأكدت أن تجربة الصين تجاه الاستثمار الأجنبى تُعد تجربة يُحتذى بها، حيث تحتل الصين المرتبة الثانية عالمياً فى جذب الاستثمارات الأجنبية الوافدة.
وأشارت إلى أن الاستثمارات المملوكة للدولة الصينية أصبحت عابرة لحدودها الإقليمية، وأضحت ضمن كبرى الشركات العالمية، وهو ما يعزز تأثيرها فى الساحة الدولية نتيجة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية الخارجية.
أكبر عائد
أكد د. ياسر شحاتة، أستاذ إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة، ورئيس قسم إدارة الأعمال بكلية الاقتصاد والإدارة بجامعة 6 أكتوبر، أن زيارة الرئيس الصينى إلى مصر تمثل فرصة مهمة لإعادة صياغة التعاون بين البلدين، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي، بصورة تحقق عائداً أكبر للاقتصاد المصري.
وقال د. شحاتة، إن المطلوب ألا يقتصر التعاون على جذب استثمارات أو تنفيذ مشروعات فقط، وإنما يجب أن يمتد إلى بناء قاعدة إنتاجية مصرية مستفيدة من الخبرة والتكنولوجيا الصينية.
وأضاف أن من أهم المجالات التى يمكن التركيز عليها خلال الزيارة، نقل التجربة الصينية فى دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عن إنشاء شراكات بين الشركات المصرية والصينية تساعد على تطوير الإنتاج وتنميته، وبالتالى تحسين الجودة، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
وأشار إلى إمكانية استهداف الاستثمارات الصينية فى الصناعات التكنولوجية والهندسية، والطاقة الجديدة والمتجددة، والإلكترونيات، ومكونات السيارات، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التى توفر فرص عمل، وتنقل المعرفة والتكنولوجيا، وتزيد نسبة المكون المحلى.
ولفت د. شحاتة إلى أن مصر تتمتع بمزايا يصعب تكرارها، بدءاً من الموقع الجغرافى الذى يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وصولاً إلى قناة السويس والمنطقة الاقتصادية التابعة لها، ومن ثم يمكن تحويلها إلى منصة صينية للإنتاج والتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية
والأوروبية.
وشدد على الأهمية القصوى لوضع آلية واضحة لمتابعة ما يتم الاتفاق عليه، وقياس نتائجه من حيث الاستثمار والإنتاج والتصدير وفرص العمل، لضمان تحول الاتفاقات إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
واختتم قائلاً: "الزيارة فرصة لتعميق الشراكة بين البلدين، وتحويل التعاون إلى نتائج ملموسة فى مجالات التعاون المشترك، بما يعز الاقتصاد المصرى ويدعم التنمية المستدامة.
الشراكة الاقتصادية
قال د. محمد سعد الفقى أستاذ الاقتصاد المساعد بأكاديمية الشروق، إن العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين شهدت تطوراً لافتا، خاصة بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة فى عام 2014.
وأوضح أن حجم التبادل التجارى بين البلدين ارتفع ليصل إلى نحو 20.7 مليار دولار فى عام ، 2025 ، مقابل 17.4 مليار دولار فى عام 2024 محققاً نمواً بنسبة 19.6 بالمئة، ومع ذلك أشار إلى أن الميزان التجارى لا يزال يشهد فجوة لصالح الصين، حيث بلغت الصادرات المصرية، نحو 526.6 مليون دولار فقط فى عام 2025 فى حين تجاوزت الواردات 19.5 مليار دولار.
وأضاف أن قرار الإعفاء الجمركى الصينى للمنتجات المصرية يُعد فرصة واعدة لتعزيز الصادرات المصرية، ولا سيما فى القطاع الزراعي.
وفيما يتعلق بالاستثمارات، أكد د. الفقى أن الاستثمارات الصينية فى مصر تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 14 مليار دولار. ولفت إلى أن منطقة "تيدا" بالسويس للتجارة والاستثمار تُعد نموذجاً رائداً فى هذا الإطار، حيث ضمت 185 شركة وجذبت استثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار.
وتابع أن عام 2025 شهد توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة، من بينها مجمع "أتوم" للطاقة الشمسية باستثمارات قدرها 220 مليون دولار، ومشروعات صناعية غرب القنطرة بقيمة 75 مليون دولار، وهو ما يُسهم فى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.
وأشار د. الفقى إلى أن النهضة الاقتصادية الصينية تستند إلى ركائز متينة، تضمنت تحولاً صناعياً عميقاً مدعوماً بالتكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، واعتماد سياسات اقتصادية مرنة، وانعكس ذلك على المؤشرات الكلية للاقتصاد الصيني، حيث حقق معدلات نمو مرتفعة فى الناتج المحلى الإجمالي، وتوسعت صادراته، وارتفع دخل الفرد، مع انخفاض ملحوظ فى نسبتى البطالة والتضخم مقارنة بعام 1990.
واقترح د. الفقى عدة محاور تستطيع مصر من خلالها الاستفادة من التجربة الصينية.
أولاً: تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال إنشاء مجمعات صناعية متخصصة، على غرار مجمع "كاترز" الذى يدعم سلاسل توريد الأجهزة المنزلية.
ثانياً: تحديث القطاع الزراعى باستخدام التكنولوجيا الذكية، مثل نظم الرى والاستشعار عن بُعد، بهدف زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل الموجهة للتصدير.
ثالثاً: تعميق التصنيع المحلى وجذب استثمارات فى الصناعات عالية التكنولوجيا، مثل صناعة السيارات الكهربائية والإلكترونيات والطاقة المتجددة، مع اشتراط نقل المعرفة وتدريب الكوادر المحلية.
وأخيراً: تنويع الهيكل التصديرى بما يتجاوز المواد الخام، والاستفادة من الموقع الجغرافى لمصر ومن اتفاقياتها التجارية لتصبح مركزاً إقليمياً للصناعة وإعادة التصدير.
محاور رئيسية
قالت د. إيمان جمعة الخبيرة الاقتصادية إن زيارة الرئيس الصينى إلى القاهرة تهدف إلى بحث تطوير سبل التعاون بين البلدين وخاصة فى المجال الاقتصادى والاستثمارى والتجارى.
وأضافت أن تحقيق أقصى استفادة اقتصادية من هذه الزيارة لصالح الاقتصاد المصري، وبخاصة فى المجالات التى تتفوق بها الصين عالمياً، يتطلب التركيز على عدة محاور رئيسية.
وأوضحت أن أول هذه المحاور هو توطين صناعة المشروعات الصغيرة من خلال التركيز على العناقيد الصناعية، حيث تُعد العناقيد الصناعية وحاضنات الأعمال أداتين أساسيتين لدعم الاقتصاد وتعزيز نمو المشروعات الصغيرة ومتوسطة الحجم، ودعت إلى الاستفادة من النموذج الصينى فى "العناقيد الصناعية" للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربطها بسلاسل التوريد الكبرى لتوليد فرص عمل وتعميق التصنيع المحلي.
وتابعت أن المحور الثانى يتمثل فى تعظيم دور منطقة قناة السويس من خلال تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز لوجستى وصناعى عالمى لإعادة التصدير، مستغلين موقع مصر كبوابة رئيسية للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية عبر اتفاقيات التجارة الحرة المشتركة مثل "الكوميسا".
وأشارت إلى أهمية جذب استثمارات التكنولوجيا الخضراء عبر استقطاب الشركات الصينية الرائدة فى صناعات المستقبل مثل السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتكنولوجيا الهيدروجين الأخضر.
ولفتت إلى ضرورة تطوير البنية التحتية الرقمية من خلال التعاون فى مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات العملاقة لنقل المعرفة التقنية.
كما اقترحت تخفيف ضغط النقد الأجنبى عن طريق تفعيل خطوط مبادلة العملات المحلية "الجنيه واليوان" فى المعاملات التجارية لتقليل الاعتماد على الدولار.
وأكدت على أهمية شراكات التعليم الفنى باعتباره نقطة انطلاق الصناعة، مشددة على ضرورة تأسيس مراكز تدريب تقنى صينية داخل مصر لتأهيل العمالة المصرية وفقاً لأحدث نظم الإنتاج العالمية.
واختتمت د. إيمان جمعة بالتأكيد على أن مصر تمتلك كل المقومات الجغرافية والسياسية لتكون الشريك الاستراتيجى الأول والمنصة الأهم للصين فى المنطقة.
أكدت د. رشا النجار، مدرس المحاسبة بكلية التجارة جامعة المنصورة، أن زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى القاهرة تمثل محطة مهمة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين، خاصة فى ملف الاقتصاد والطاقة النظيفة والاستثمار.
وقالت د. رشا، إن الصين نجحت خلال السنوات الماضية فى بناء مكانة عالمية رائدة فى الصناعات الخضراء، من خلال الإنتاج الضخم للسيارات الكهربائية والبطاريات، والتوسع الكبير فى مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مما جعلها لاعباً رئيسياً فى التحول العالمى نحو الطاقة النظيفة.
وأضافت أن التجربة الصينية تستحق الدراسة والاستفادة منها فى مصر، مشيرة إلى أن التعاون القائم بين البلدين شهد بالفعل مشروعات بارزة، رصدتها وكالة أنباء شينخوا الصينية، بدءاً من المنطقة الاقتصادية المصرية الصينية "تيدا" بالعين السخنة، مروراً بمنطقة الأعمال المركزية فى العاصمة الجديدة، وقطار العاصمة، وصولاً إلى مشروعات محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأوضحت د. رشا أن مباحثات الرئيسين السيسى وشى جين بينج من المتوقع أن تتناول دفع التعاون الاقتصادى والاستثمارى والتكنولوجى إلى آفاق أوسع، إلى جانب مناقشة عدد من الملفات الإقليمية والدولية، فى مقدمتها تطورات الشرق الأوسط، والحرب فى غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، وأمن البحر الأحمر ومضيق هرمز.
وتابعت: "من المقرر أن تُعقد مباحثات موسعة بين مسؤولى البلدين، يعقبها توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم فى مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والنقل والطاقة، وهو ما يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات الصينية فى السوق المصري".
واستشهدت د. رشا بتقرير "مجلة الطاقة والكهرباء" العالمى الصادر فى 2025، والذى أشار إلى أن الصين أضافت أكثر من 340 جيجاوات من الطاقة الشمسية خلال عام 2024 وحده، كما أضافت نحو 80 جيجاوات من طاقة الرياح خلال العام نفسه، وهو رقم مرتفع جداً على المستوى العالمي.
واختتمت د. رشا النجار بالتأكيد على أن مصر تمتلك مقومات كبيرة لجذب الاستثمارات الصينية فى مجال الصناعات الخضراء، خاصة مع موقعها الجغرافى المتميز وما توفره المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من فرص لوجستية وصناعية، بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويوفر فرص عمل جديدة.
ومن جانبه أكد الخبير الاقتصادي د. أشرف غراب، أن زيارة الرئيس "شي جين بينج" إلي القاهرة والبيان المشترك الصادر عن الجانبين يمثلان نقطة تحول استراتيجية في العلاقات المصرية الصينية، خاصة مع تزامنها مع الذكري السبعين لبداية العلاقات الدبلوماسية، مشيراً إلي أن الاتفاق على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة يضع مصر في قلب خريطة الاستثمار والتصنيع العالمية.
ورصد غراب، أبرز المكاسب الاقتصادية المباشرة موضحا أنها تكمن في الاتفاق على مواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة "الحزام والطريق" بما يسهم في تحويل مصر إلي مركز، إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، مضيفا أن تركيز البيان على توطين صناعات السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة وتحلية المياه سيوفر آلاف فرص العمل ويرفع نسبة المكون المحلي.
وأشار غراب، إلي أن تجديد اتفاقية تبادل العملات المحلية وزيادة قيمتها، إلي جانب إصدار سندات الباندا الصينية، سيقلل الضغط على العملة الأجنبية ويدعم الاستقرار المالي، كما أن تشجيع تسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية سيعزز حركة التبادل التجاري ويحقق توازناً أكبر في الميزان التجاري لصالح المنتجات المصرية في السوق الصينية.
ولفت غراب، إلي أن الإشادة الصينية بمبادرة "حياة كريمة" وتأكيد دعم الصين لأمن مصر المائي والغذائي يعكس بعداً تنموياً مهماً للشراكة، كما أن التعاون المرتقب في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات وأشباه الموصات والأمن السيبراني سينقل الاقتصاد المصري إلي مرحلة اقتصاد المعرفة ويرفع تنافسيته.
وأضاف غراب، أن استمرار التعاون في المشروعات الكبري بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والبنية التحتية والنقل والفضاء، يعزز من جاذبية مصر للاستثمارات الصينية الكبري، كما أن دعم السياحة وزيادة أعداد السائحين الصينيين وتطوير الفنادق والمنتجعات سيوفر مصدراً مهماً للعملة الصعبة ويدعم قطاع الخدمات.
وأكد غراب، أن الشراكة المصرية الصينية لم تعد قاصرة على التجارة التقليدية، بل امتدت إلي شراكة في التصنيع والتكنولوجيا والحوكمة العالمية، موضحا أن هذه الشراكة تمثل نموذجاً ناجحاً لتعاون دول الجنوب العالمي قائم على المنفعة المتبادلة، وهي رافعة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز صوت مصر اقتصادياً وسياسياً في المحافل الدولية.
اترك تعليق