الريف المصرى غنى بكل المقومات التى تؤهله لأن يقود جانبًا مهمًا من رحلة التنمية الشاملة؛ فهو يملك الأرض، والخبرات المتراكمة، والموارد، والأيدى العاملة، والطاقة البشرية القادرة على الإنتاج، لكنه يحتاج إلى التنظيم والتوجيه، وضخ الاستثمارات، وتحسين ظروف العمل، وربط الخبرات والتجارب بعضها ببعض، حتى تتحول القرية من مجرد وحدة سكنية إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطنى.
والتاريخ يؤكد أن الاهتمام بالريف كان دائمًا بوابة للتقدم والرخاء. فمصر، منذ القدم، ارتبط اقتصادها بالزراعة والإنتاج الزراعي، وظلت لقرون سلة غذاء مهمة للعالم، ومع دخول الصناعة واتساع المدن وتراجع الاستثمارات المنتجة فى القري، تراجع دور الريف تدريجيًا، رغم بقاء إمكاناته البشرية والمادية الهائلة.
النماذج الناجحة متوفرة بكثرة، وهى تحتاج إلى تعميم التجربة وبناء منظومة تستفيد منها، وتظل قرية البسايسة بالشرقية واحدة من أبرز النماذج التى تكشف ما يستطيع الريف المصرى أن يفعله حن تتوافر الرؤية والإرادة، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت تجربة الراحل الدكتور صلاح عرفة، أستاذ الفيزياء بالجامعة الأمريكية، بالتعاون مع أهالى القرية، من خلال استخدام الطاقة الشمسية، ثم تطورت إلى نموذج يعتمد على الطاقة الشمسية وإنتاج الغاز الحيوي، إلى جانب أنشطة إنتاجية وحرفية، بينها النجارة والخراطة ومشروعات ملابس للسيدات، ولم تتوقف التجربة عند البسايسة، بل امتدت إلى نماذج فى سيناء والوادى الجديد.
البسايسة ليست استثناءً، فهناك قرى مصرية أخرى نجحت فى تحويل ميزتها المحلية إلى نشاط اقتصادى قادر على المنافسة، فى قرية جراح بالدقهلية أصبحت صناعة الزجاج مصدرًا للتشغيل والتصدير، حتى امتدت الحاجة إلى عمالة من القرى المجاورة، وفى كتامة بالغربية تحولت صناعة الأثاث إلى نشاط واسع يخدم الأسواق المحلية والخارجية، أما تونس بالفيوم فقد قدمت نموذجًا لقرية استطاعت أن تجعل من الفخار والخزف البيئى صناعة وهوية ومقصدًا سياحًيا.
وفى ساقية أبو شعرة بالمنوفية ارتبط اسم القرية بالسجاد اليدوى والكليم الفاخر، بينما أصبحت شنراق بالغربية من أبرز مناطق إنتاج الزبيب فى مصر، أما شبرا بلولة بالغربية فتحولت إلى واحدة من أهم قلاع زراعة وصناعة الياسمن، وترتبط منتجاتها بسلاسل صناعة العطور العالمية، وفى العمار بالقليوبية ظلت زراعة المشمش وصناعته جزءًا أصيلًا من النشاط الاقتصادى للقرية ومصدرًا مهمًا لتغذية السوق المصرية.
هذه النماذج وغيرها تؤكد أن القرية المصرية ليست عبئًا على الاقتصاد، بل ثروة إنتاجية كامنة، وأن الفلاح والعامل والحرفى الريفى ليسوا مجرد أيدٍ عاملة، وإنما رأس مال بشرى يمكن أن يصنع منتجات تنافس فى الأسواق المحلية والعالمية إذا توافرت له المعرفة والتمويل والتكنولوجيا وقنوات التسويق.
ومن هنا تبدو قضية القرية المنتجة أكبر من مجرد مشروع لتنمية القري؛ إنها محاولة لإعادة اكتشاف ثروة مصر المنسية، وربط الزراعة بالصناعة، والإنتاج بالتصنيع، والقرية بالسوق، وتحويل المهارة المحلية إلى علامة تجارية وفرصة عمل ودخل وتصدير.
"بوابة الجمهورية" طرحت على الخبراء أسئلة عديدة تتعلق بواقع الريف المصرى والتحديات والمستهدفات وصولا للسؤال الرئيسى: كيف يمكن تحويل هذه النماذج الناجحة للقرى المنتجة إلى منظومة وطنية واسعة تعيد الريف إلى قلب الاقتصاد المصرى؟
قاطرة تنموية
يقول الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعى بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعى التابع لمركز البحوث الزراعية، إن تحويل القرى المصرية إلى قاطرة للتنمية المستدامة يتطلب أن تصبح هدفًا رئيسًيا فى أى برنامج تنموى قادم، بعد دراسة دقيقة لمقومات كل قرية وإمكاناتها الإنتاجية.
ويؤكد أن القرى المنتجة يمكن أن تؤدى دورًا محوريًا فى الاقتصاد الوطني، من خلال توفير مئات الآلاف من فرص العمل، وزيادة القيمة المضافة، وخفض البطالة، والحد من دوافع الهجرة الداخلية والخارجية، فضلًا عن دعم الصناعة والتجارة الخارجية وزيادة تدفقات النقد الأجنبي.
وتتجاوز أهمية هذه القرى نطاق الإنتاج المحلي؛ فبعضها يرتبط مباشرة بالأسواق العالمية، فشبرا بلولة توفر أكثر من 60 ٪ من الإنتاج العالمى لعجينة الياسمن المصدرة إلى فرنسا، بينما تصل منتجات ساقية أبو شعرة من السجاد اليدوى والكليم إلى الأسواق الخارجية، كما تحقق بعض القرى قدرًا من الاكتفاء الذاتى من خلال إنتاج الأثاث والملابس والمصنوعات الجلدية والفخار، بما يقلل الحاجة إلى المنتجات المستوردة المناظرة ويخفف الضغط على موارد الدولة من العملات الأجنبية.
الاستثمار الأمثل للموارد
يقول د. محمد حلمى نوار، الأستاذ المتفرغ فى علم الاجتماع الريفى ومؤسس مركز بحوث ودراسات التنمية الريفية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن الريف المصرى لم يُستغل حتى الآن بالشكل الأمثل فى التنمية الاقتصادية، رغم امتلاكه مقومات هائلة وثروات بشرية وإنتاجية ضخمة، مؤكدًا وجود فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة وما يتحقق فعلًيا.
وأوضح أن النجاحات المبهرة، مثل شبرا بلولة فى إنتاج الياسمن وكتامة فى صناعة الأثاث، مازالت محدودة جغرافًيا، بينما تعانى آلاف القرى ضعف الاستغلال الاقتصادى لمواردها، ومن أبرز أسباب ذلك بيع نسبة كبيرة من المحاصيل والمواد الخام، كالقطن والفواكه والنباتات العطرية، فى صورتها الأولية، دون تصنيع داخل القرية، بما يفقد الاقتصاد قيمة مضافة وأرباحًا كان يمكن تحقيقها من خلال صناعات التعبئة والتجفيف واستخلاص الزيوت وغيرها.
وأشار إلى أن نسبة كبيرة من ورش الحرف اليدوية والنسيج والأثاث تعمل فى القطاع غير الرسمي، وهو ما يحرم أصحابها من الاستفادة من القروض البنكية الميسرة، والتصدير المباشر، والمشاركة فى المناقصات الحكومية.
وأضاف أن تفتت الحيازات الزراعية بسبب المواريث إلى مساحات صغيرة يعوق استخدام الميكنة الحديثة ونظم الرى المتطورة، ويرفع تكاليف الإنتاج، فضلًا عن معاناة الفلاح والحرفى من ضعف قنوات التسويق المباشر، ما يترك المنتج تحت رحمة الوسطاء والاحتكارات، ويحصل المنتج الحقيقى فى النهاية على النصيب الأقل من العائد.
وأكد الدكتور نوار أن الدولة بدأت خلال السنوات الأخيرة فى تبنى آليات لتغيير هذا الواقع وتحويل الريف إلى مركز إنتاجى متكامل، من خلال مشروع "حياة كريمة" الذى لا يقتصر على تطوير البنية الأساسية، وإنما يشمل مجمعات للخدمات الزراعية والصناعية داخل القرى الأم، وتوفير الدعم الفنى والزراعى والبيطرى ومساحات للورش والمشروعات الصغيرة.
مجمعات تصنيعية صغيرة ومتكاملة
يقول الدكتور محمد حمزة الحسينى، الخبير الاقتصادى ورئيس الجمعية المصرية للتنمية الصناعية، إن الاقتصاد المصرى يمر بمرحلة تعافٍ، وإن الاستفادة من الريف المصرى فى دعم الصناعات الوطنية تمثل ركيزة استراتيجية بالغة الأهمية فى هذه المرحلة؛ فالريف هو المورد الأول للمواد الخام والطاقة البشرية والحرف التقليدية التى تعتمد عليها صناعات مصرية كبري، غير أن الاستفادة منه تشهد تحوًلا تدريجًيا من النمط التقليدى القائم على توفير المواد الخام إلى نمط أكثر حداثة يقوم على التصنيع وتوليد القيمة المضافة داخل الريف نفسه.
وأوضح أن هذا التوجه يشمل توطن صناعات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، اعتمادًا على القطن المصرى طويل التيلة والكتان المزروعن فى ريف الدلتا والصعيد، إلى جانب الصناعات الغذائية والتحويلية، مثل التعبئة والتغليف والتجفيف وصناعة المربات والمشروبات وغيرها من المنتجات الزراعية.
وأشار إلى أن مصانع تعليب الخضراوات وتجفيف الفاكهة، ومنها تجفيف العنب وتحويله إلى زبيب فى قرية شنراق، فضلًا عن صناعات التجميد، تعتمد بصورة أساسية على التوريد المباشر من الحقول، بما يؤكد أهمية التكامل بين الإنتاج الزراعى والتصنيع الريفي.
وأكد أن مشروع "100 مصنع" قابل للتحقيق، بل أإن هناك بالفعل آلاف المصانع والمنشآت الإنتاجية العاملة فى الريف، لكنه يحتاج إلى الاستمرارية والدعم، إلى جانب توطن الصناعة، وتطوير التسويق والدعاية والتدريب، وتشجيع الاستثمار، بمشاركة الدولة ورجال الأعمال وأهالى القري، وتمكن الشباب وتحفيزهم، وإزالة المعوقات التى تدفعهم إلى الهجرة.
حوافز وتيسيرات
يقول د. يحيى متولى، أستاذ الاقتصاد الزراعى بالمركز القومى للبحوث الزراعية، إن هناك العديد من التحديات التى قد تؤدى إلى تعثر المشروعات الريفية وفشلها إذا لم تتم دراستها وإدارتها بشكل جيد. فالريف ينجح فى الإنتاج، لكنه يعانى فى كثير من الأحيان من ضعف التسويق والاعتماد على التجار والوسطاء، وهو ما يستدعى التوسع فى منصات التسويق الرقمى والمشاركة فى معارض الدولة، مثل "ديارنا" و "تراثنا" للوصول مباشرة إلى الأسواق والمستهلكن.
ويضيف أن كثيرًا من الورش والمشروعات الريفية تدار بصورة عشوائية، دون دفاتر محاسبية واضحة أو فصل بن أموال الأسرة وأموال النشاط، وهو ما يضعف قدرتها على النمو. ويأتى الحل من خلال الاستفادة من الدورات التدريبية المجانية التى يقدمها جهاز تنمية المشروعات، وتشجيع المنتجن على تعلم أساليب الإدارة والمحاسبة السليمة.
ضرورة تشريعية
يقول د. عبد المنعم التهامى أستاذ التمويل والاستثمار بكلية التجارة جامعة حلوان يحتاج الريف المصرى إلى التمويل والاستثمار بشكل ملحّ وحيوى للانتقال من مرحلة الزراعة التقليدية المعيشية إلى مرحلة التصنيع الزراعى والقيمة المضافة فلم يعد هذا التمويل يعتمد على جهة واحدة، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتداخل فيها الدولة والقطاع الخاص والجهود الذاتية
"عبر البنوك" فى آن واحد.
حيث تدخل الدولة توفير البنية التحتية والتمويل الذكى فهى لا تتدخل كمستثمر مباشر فى المشروعات التجارية بل يتركز دورها على تهيئة التربة للاستثمار يتجلى ذلك فى مبادرة حياة كريمة التى ضخت استثمارات تجاوزت 350 مليار جنيه فى مرحلتها الأولى لتطوير مياه الشرب و الكهرباء و الاتصالات بالألياف الضوئية والغاز الطبيعى بالقرى بالإضافة إلى قيام أجهزة الدولة مثل صندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية بتقديم تمويلات ذكية متناهية الصغر وتدريب أهالى الريف على ريادة الأعمال ايضا بدأ القطاع الخاص يدخل الريف بقوة للاستثمار فى إنشاء محطات الطاقة الشمسية مجمعات الصناعات الغذائية الكبرى ومراكز فرز وتعبئة الحاصلات التصديرية وتستهدف الرؤية الاقتصادية للدولة دمج القطاع الخاص لإدارة المجمعات الصناعية بالقرى لتحقيق الكفاءة والتسويق الحديث.
واكد الدكتور ابراهيم على ان الريف حالياً أرضاً بكرًا ذات عائد استثمارى مرتفع جداً للمستثمر الصغير أو الشركات الكبرى لأسباب اقتصادية واضحة منها تكلفة الانتاج و توافر المواد الخام وتوافر القوى العاملة و الشرائية وايضا البنية التحتية التى تسهل عمليات النقل والتصدير ولكن نحن بحاجه الى تغيير التشريعات والقوانن المنظمة لعملية الاستثمار لتنمية الاستثمار فيه فالريف المصرى بحاجة ماسة إلى تطوير مستمر فى التشريعات والقوانن لتعزيز الاستثمار فرغم وجود حوافز قوية حالياً إلا أن الطبيعة الخاصة بالقرية تتطلب مرونة تشريعية تختلف عن المدن والمناطق الصناعية الكبرى وقد استجابت الدولة المصرية بالفعل لهذا الاحتياج عبر إدخال تعديلات تشريعية وقانونية جوهرية لتهيئة مناخ الاستثمار فى الريف، مع بقاء بعض الطموحات المستقبلية.
تحول استراتيجى
أكد خالد عبد العظيم المدير التنفيذى اتحاد الصناعات المصرية ان الاتحاد بالشراكة مع الحكومة يقود تحولاً استراتيجياً لتنمية الاستثمار فى الريف وذلك عبر تفعيل مبادرة قومية موسعة تُعرف باسم مبادرة القرية المنتجة وتهدف جهود الاتحاد إلى نقل الريف من مرحلة الاستهلاك والزراعة التقليدية إلى مرحلة التصنيع وتوطن سلاسل الإمداد.
وتتمثل أبرز الخطوات التنفيذية التى اتخذها الاتحاد لتنمية الاستثمار الريفى فى المحاور التالية: الشراكة فى إدارة وتشغيل المجمعات الصناعية بالقرى حيث اتفق اتحاد الصناعات مع وزارات التنمية المحلية و الزراعة، البيئة والصناعة على إتاحة المنشآت والأراضى غير المستغلة وكاملة الترفيق بالمحافظات التابعة للدولة ليتم تسليمها للقطاع الخاص يتولى الاتحاد من خلال شركاته وأعضائه إدارة وتشغيل هذه الوحدات وتحويلها إلى مصانع صغيرة للنسيج و الملابس والصناعات الغذائية بجوار التجمعات السكنية لتوظيف الشباب والنساء فى مناطقهم.
اترك تعليق