من حصن عسكري وكلية حربية في عهد محمد علي إلي صرح إسلامي ومزار سياحي.. "مسجد بدر" يزين عروس الجنوب
مئذنتان شامختان وقبة مهيبة و24 عمودًا بزخارف إسلامية.. وإطلالة بانورامية تخطف أنظار الزائرين
كتب- عادل عوض:
في قلب مدينة أسوان. وعلي ربوة مرتفعة تطل علي النيل الخالد. يقف مسجد الطابية شامخًا كواحد من أبرز المعالم الدينية والتاريخية التي تجمع بين عبق الماضي وروعة العمارة الإسلامية وجمال الطبيعة الأسوانية. فمن أعلي التلة. يبدو المسجد وكأنه لوحة معمارية تتوسطها القبة الضخمة وتحيط بها المئذنتان. بينما تمتد أمام الزائر مشاهد بانورامية للنيل ومدينة أسوان. في مشهد يجعل من المكان مقصدًا للزائرين والسائحين ومحبي التاريخ والتراث.
ولا تكمن أهمية مسجد الطابية في جمال عمارته فقط. وإنما في التاريخ الطويل الذي ارتبط بالمكان» إذ تعود جذور الموقع إلي عام 1811م. عندما أنشأ محمد علي باشا حصنًا عسكريًا ومدرسة حربية في أسوان. ضمن خطته لتأمين الحدود الجنوبية وبناء جيش قوي قادر علي حماية الدولة والتوسع في مناطق الجنوب.
ومع مرور السنوات اندثرت معظم معالم الحصن القديم. إلا أن المكان احتفظ بمكانته التاريخية. قبل أن يتحول في عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلي موقع لإقامة مسجد. ثم افتُتح المسجد رسميًا في عهد الرئيس أنور السادات خلال سبعينيات القرن الماضي. وحمل اسم "مسجد بدر". تخليدًا لذكري غزوة بدر.
من حصن عسكري إلي صرح ديني
ويكشف تاريخ المكان عن جانب مهم من مشروع محمد علي باشا لبناء الدولة الحديثة. حيث شهدت منطقة الطابية واحدة من المحاولات المبكرة لإنشاء مؤسسة عسكرية حديثة لتعليم فنون الحرب وإعداد الجنود. خاصة مع اهتمام محمد علي بتعزيز نفوذ مصر في الجنوب والاستعانة بأعداد كبيرة من الجنود من السودان ومناطق أفريقيا.
ويقول الشيخ محمد عبد العزيز. وكيل وزارة الأوقاف الأسبق. إن مسجد الطابية يتميز بطابع معماري مستوحي من العمارة المملوكية. وهو ما يظهر بوضوح في القبة والزخارف والعقود والمشكاوات. لافتًا إلي أن المسجد أصبح مع مرور الوقت أحد المعالم المميزة لمدينة أسوان. لما يجمعه من قيمة دينية وتاريخية وجمالية.
وتتجلي روعة المسجد في تفاصيله المعمارية» حيث تبلغ مساحته نحو 700 متر مربع. بخلاف الحدائق والمساحات الخضراء المحيطة به. وله مدخلان رئيسيان من الجهتين الجنوبية والغربية. وأمام كل مدخل مظلة ترتكز علي أعمدة دائرية تعلوها عقود مدببة ذات طابع إسلامي مميز.
ومن الداخل. تتوزع 24 عمودًا في تناغم هندسي ومعماري يحمل فوقه القبة الرئيسية الضخمة التي تتوسط صالة الصلاة. بينما تتدلي من السقف مشكاوات زجاجية تحمل كتابات قرآنية بالخط الكوفي. لتضفي علي المكان أجواء روحانية وفنية فريدة.
كما يضم المسجد محرابًا في جدار القبلة مصنوعًا من الرخام المعشق بألوان متناسقة. إلي جواره منبر خشبي ذو قبة مزينة بالزخارف الهندسية. في تصميم يستلهم جماليات المنابر الإسلامية القديمة.
وتعلو المسجد مئذنتان شامختان تضيفان إلي المكان هيبة وجلالًا. وتمنحانه ملامح مميزة يمكن رؤيتها من مناطق مختلفة بمدينة أسوان.
ويؤكد الدكتور حسن جبر. الباحث في شئون الآثار الإسلامية. أن مسجد بدر بالطابية يمثل قيمة تاريخية ومعمارية وسياحية مهمة. مشيرًا إلي أن تسمية المسجد بـ "بدر" جاءت تيمّنًا بذكري غزوة بدر.
وأوضح أن الموقع الذي أقيم عليه المسجد ارتبط تاريخيًا بمشروع محمد علي باشا لإنشاء مؤسسة عسكرية حديثة. مشيرًا إلي أن فكرة إنشاء مدرسة لتعليم فنون الحرب كانت جزءًا من مشروع بناء الجيش المصري الحديث. إلا أن التجربة لم تستمر بالصورة التي كان يستهدفها مؤسس مصر الحديثة.
وأضاف أن القيمة السياحية للمسجد ترتبط بصورة كبيرة بموقعه المرتفع» حيث يستطيع الزائر من أعلي منطقة الطابية مشاهدة مساحات واسعة من مدينة أسوان والنيل. وهو ما يمنح المكان ميزة سياحية إضافية تجمع بين العمارة والمشهد الطبيعي.
ولم يعد المسجد مجرد مكان لأداء الصلوات والشعائر الدينية. وإنما أصبح جزءًا من المشهد السياحي والثقافي لمدينة أسوان. ويقصده الزائرون من داخل مصر وخارجها للتعرف علي تاريخه ومشاهدة تفاصيله المعمارية والاستمتاع بإطلالته المميزة.
كما ارتبط المسجد بمراسم وفعاليات دينية مهمة. ومن بينها الاستفادة من موقعه المرتفع في استطلاع هلال شهر رمضان. إلي جانب استضافته عددًا من المناسبات والاحتفالات الدينية. التي يشارك فيها كبار المسؤولين والمواطنون.
ويقول الشيخ محمد الأحسن. مدير إدارة بالأزهر. إن المسجد يمثل أحد الأماكن المميزة خلال شهر رمضان. لما يتمتع به من أجواء روحانية ومكانة خاصة لدي أهالي أسوان. فضلًا عن استخدامه في المحافل والمناسبات الدينية. بما يعزز دوره الديني والثقافي داخل المجتمع.
وشهدت منطقة المسجد خلال الفترة الأخيرة أعمال تطوير وإحلال هدفت إلي الارتقاء بالموقع بما يتناسب مع قيمته التاريخية والسياحية. وشملت أعمال التطوير الاهتمام بالمظهر العام. والإضاءة. وتنسيق المساحات الخضراء المحيطة. بما يعزز الصورة البصرية للمكان.
وجاءت أعمال التطوير لتمنح منطقة الطابية مظهرًا أكثر تنظيمًا. مع الحفاظ علي طابعها التاريخي. لتصبح واجهة حضارية جديدة في قلب مدينة أسوان. وتضيف نقطة جذب أخري إلي خريطة السياحة الثقافية والدينية بالمحافظة.
وهكذا تظل الطابية واحدة من المناطق التي تختصر جانبًا مهمًا من تاريخ أسوان» فمن حصن عسكري ومدرسة لتعليم فنون الحرب في بدايات بناء الدولة المصرية الحديثة. إلي مسجد مهيب يعلو ربوة تطل علي النيل. ثم إلي مزار ديني وسياحي يجذب الأنظار.
وبين القبة الضخمة والمئذنتين الشامختين. و24 عمودًا. والمشكاوات الزجاجية. والزخارف الإسلامية. وإطلالة النيل الساحرة. يظل مسجد الطابية شاهدًا علي قدرة العمارة علي الاحتفاظ بذاكرة المكان. وتحويل التاريخ إلي مشهد حي يراه الزائرون ويتعرفون من خلاله علي صفحات من تاريخ مصر.
الطابية ليست مجرد مسجد يؤدي فيه المصلون شعائرهم. وإنما حكاية تاريخية ومعمارية وسياحية فوق ربوة أسوان. تجمع في مشهد واحد بين روحانية المسجد. وعظمة التاريخ. وسحر النيل.
اترك تعليق