في أقل من عقد، انتقلت السياسة النقدية المصرية من الدفاع عن سعر الصرف إلى إعادة توزيع المخاطر داخل الاحتياطي نفسه، ما بدأ كاستجابة لأزمات متلاحقة من تعويم 2016 إلى ضغوط الدولار بعد 2022 تحول تدريجيًا إلى محاولة لتقليل الاعتماد الأحادي على العملة الأمريكية عبر تنويع مكونات الاحتياطي، وتوسيع أدوات الاقتراض، وتجريب تسويات تجارية بعملات محلية.
يعكس هذا التحول تغيرًا أوسع في البيئة النقدية العالمية، فالعقوبات المالية، وتقلبات الفائدة الأمريكية، والاضطرابات التجارية، دفعت العديد من الاقتصادات الناشئة إلى البحث عن هامش حركة أكبر خارج المركزية الدولارية، وإن بقي الدولار في قلب النظام المالي العالمي.
في الحالة المصرية، تبدو الحركة مزدوجة: توسع تدريجي في استخدام اليوان والين والذهب وأدوات الدين غير المقومة بالدولار، مقابل استمرار اعتماد التجارة الخارجية والدين السيادي على العملة الأمريكية.
وبين المسارين، تتشكل معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد "التحرر من الدولار"، وأقرب إلى إعادة توزيع محسوبة للمخاطر داخل نظام لا يزال الدولار مركزه الرئيسي.
يقول أشرف منصور، أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة العاصمة، إن النظام النقدي العالمي يتحرك تدريجيًا نحو قدر أكبر من التعددية النقدية، مع تراجع نسبي في حصة الدولار داخل الاحتياطيات الدولية مقارنة بما كانت عليه قبل عقد، حتى وإن بقيت العملة المهيمنة على التجارة العالمية وأسواق التمويل.
وأضاف أن تراجع حصة الدولار داخل الاحتياطيات الدولية لا يعني نهايته، بقدر ما يعكس اتجاهًا عالميًا نحو توزيع أكبر للمخاطر النقدية، فالدولار ما يزال العملة الرئيسية للتجارة والتمويل، لكن الاقتصادات الناشئة أصبحت أكثر حساسية لتحركات الفائدة الأمريكية وتقلبات العملة الأمريكية.
ويشير إلى أن مصر تحركت في الاتجاه نفسه عبر توسيع مكونات احتياطياتها الأجنبية، وزيادة الاعتماد النسبي على الذهب واليورو واليوان، بالتوازي مع إصدار أدوات دين بعملات غير الدولار، مثل "سندات الباندا" المقومة باليوان و"الساموراي" بالين الياباني.
ويضيف أن ارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى نحو 53 مليار دولار في 2026 منح القاهرة هامش سيولة أكبر مقارنة بفترة أزمة العملة في 2022، حتى مع استمرار غياب الإفصاح الرسمي عن التوزيع التفصيلي للاحتياطي، ويشير إلى أن تقديرات السوق تشير إلى أن ما يقرب من ثلثها أصبح موزعًا بين الذهب واليورو واليوان وعملات أخرى، مع احتفاظ الدولار بالحصة الأكبر بوضوح.
ويشير منصور إلى أن تنامي الاستثمارات الخليجية، خاصة القادمة من السعودية والإمارات، منح الريال السعودي والدرهم الإماراتي وزنًا أكبر داخل العلاقات الاقتصادية المصرية الخليجية، سواء في التمويل أو التجارة أو التدفقات الاستثمارية المباشرة، ومع اتساع هذا الارتباط، أصبحت إدارة الاحتياطيات أكثر ارتباطًا بتوزيع جغرافي متنوع للتدفقات النقدية، لا فقط بتوزيع العملات نفسها.
يرى أن ارتفاع أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة وفر دعمًا إضافيًا لقيمة الاحتياطيات الأجنبية، وساعد على تخفيف جزء من تقلبات أسعار العملات الرئيسية، مشيرًا إلى أن الجمع بين الذهب والعملات الرئيسية داخل سلة الاحتياطي يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في التعامل مع الصدمات الخارجية مقارنة بفترات الاعتماد الأعلى على الدولار وحده.
أشار إلى أن أهمية التنويع لا ترتبط بإزاحة الدولار، بل بتقليل حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية، فكلما ارتفعت الفائدة الأمريكية أو تعزز الدولار، ارتفعت كلفة خدمة الدين وتمويل الواردات على الاقتصادات الناشئة، ما يدفع البنوك المركزية إلى البحث عن مرونة أكبر في إدارة السيولة والاحتياطيات.
تقول د. هدى الملاح، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، إن تراجع حصة الدولار عالميًا إلى نحو 56.3% يعكس تحركًا تدريجيًا نحو تنويع الاحتياطيات، لكنه لا يبدل البنية الأساسية للنظام النقدي العالمي.
وترى أن قراءة هيكل الاحتياطي المصري يمكن استنتاجها بصورة غير مباشرة من طبيعة التجارة الخارجية وهيكل الدين وأدوات الاقتراض الدولية، وهي مؤشرات توحي باستمرار الدولار، يليه اليورو ثم اليوان بأوزان أقل.
وتشير إلى أن إصدارات اليوان والين منحت مصر منفذًا إلى أسواق تمويل جديدة ووسعت قاعدة المستثمرين، لكنها لا تلغي القيود المرتبطة بالسيولة العالمية وهيمنة الدولار على حركة التجارة والتسعير.
وفي ما يتعلق بالتسويات التجارية، ترى أن الاتجاه نحو استخدام العملات المحلية واليوان مرشح للتوسع التدريجي، لكن ضمن حدود تفرضها بنية التجارة العالمية وعمق الأسواق المالية، كما أن ضعف سيولة الروبل والعقوبات الغربية المرتبطة به يقللان من كفاءة الاعتماد عليه في تسويات واسعة النطاق.
وتوضح الملاح أن تركّز الاحتياطيات والديون في عملة واحدة يجعل الاقتصادات الناشئة أكثر عرضة لانتقال آثار التشديد النقدي الأمريكي بصورة مباشرة، سواء عبر ارتفاع تكلفة الاقتراض أو زيادة الضغوط على سعر الصرف، لذلك تنظر العديد من البنوك المركزية إلى التنويع باعتباره وسيلة لتخفيف حساسية الاقتصاد تجاه دورات الدولار العالمية.
ترى أن وجود جزء من الاحتياطيات بعملات بديلة لا يستهدف تحقيق مكاسب سعرية بقدر ما يوفر مرونة أعلى في إدارة السيولة الخارجية خلال فترات التقلبات، لكن هذه المرونة تبقى محدودة بواقع أن التجارة العالمية وأسواق الطاقة والتمويل ما تزال تعتمد بصورة أساسية على الدولار.
وتختتم بأن ما يحدث عالميًا أقرب إلى "إعادة توزيع للمخاطر" داخل النظام النقدي القائم، لا إعادة بناء كاملة للنظام المالي الدولي.
يشير شريف سليمان، أستاذ الاقتصاد بكلية تجارة جامعة عين شمس، إلى أن استمرار الثقل النسبى للدولار على الاحتياطيات المصرية يرتبط بطبيعة الاقتصاد الخارجى أيضا، مشيرا إلى أن الواردات الاستراتيجية من الطاقة ما تزال تسعر بالدولار، وكذلك الجزء الأكبر من الدين الخارجى ما زال مقوما بالدولار ما يجعل الحفاظ على وجوده ضمن سلة العملات ضرورة، ويرى أن تراجع حصة الدولار عالميًا إلى نحو 56.3% لا يعني بالضرورة إبعاده بل أقرب إلى تقليل الاعتماد الأحادي على الدولار منه إلى بناء نظام نقدي بديل بالكامل.
أوضح أن التوسع في أدوات مثل "الباندا" و"الساموراي" ساعد القاهرة على تنويع مصادر التمويل وفتح أسواق دين جديدة، لكنه لم يغيّر الهيكل الأساسي للالتزامات الخارجية.
ويضيف أن أدوات التمويل المقومة بعملات آسيوية تمنح مصر مساحة أوسع للوصول إلى مستثمرين جدد، لكنها تبقى مرتبطة بقدرة الاقتصاد على إدارة فروق العملات والسيولة الخارجية، لذلك فإن نجاح التنويع يعتمد في النهاية على تحقيق توازن بين هيكل الاحتياطيات وهيكل الالتزامات الفعلية للاقتصاد.
وفي ملف التسويات بالعملات المحلية، يلفت إلى أن كفاءة المقاصة الثنائية ترتبط بتوازن التجارة بين الطرفين، فالعجز التجاري الكبير مع روسيا يحد من قابلية الروبل للعمل كأداة تسوية واسعة، لأن الطلب المصري على العملة الروسية يفوق الطلب المقابل على الجنيه.
في المقابل، يتمتع اليوان الصيني بمرونة أعلى نسبيًا بفضل اتساع استخدامه التجاري ووجوده ضمن سلة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي، ما يمنحه قابلية استخدام أوسع من العملات المرتبطة باقتصادات أقل انفتاحًا.
ويعتبر سليمان أن المسار الأكثر واقعية لمصر يتمثل في "تنويع وظيفي" للاحتياطيات: سيولة دولارية لتغطية الالتزامات الأساسية، وعملات آسيوية لدعم جزء من التجارة، مع استمرار الذهب كأداة تحوط وحفظ للقيمة.
يقول د. محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، إن تنويع العملات لا يحقق أثرًا اقتصاديًا تلقائيًا بمجرد تغيير هيكل الاقتراض أو الاحتياطي، بل تزداد فعاليته عندما يرتبط بتتدفقات تصدير واستيراد حقيقية بالعملة نفسها.
ويرى أن إصدارات "الساموراي" و"الباندا" حققت لمصر هدفين متوازيين: توسيع قاعدة التمويل خارج أسواق الدولار، وفتح قنوات استثمارية جديدة داخل آسيا.
لكنه يلفت إلى أن نجاح التسويات بالعملات المحلية يظل مرتبطًا بوجود بنية مصرفية وتجارية قادرة على تدوير السيولة بصورة مستدامة، سواء عبر بنوك مراسلة نشطة أو حجم تجارة متوازن بين الأطراف.
ويشير فؤاد إلى أن القروض المقومة بالروبل، مثل التمويلات المرتبطة بمشروع الضبعة، قد تخفف الضغط على الطلب المباشر للدولار على المدى القصير، لكنها لا تلغي الحاجة إلى وجود قنوات تسوية مستقرة وقابلة للاستمرار، خاصة مع محدودية الصادرات المصرية المقومة بالروبل.
أوضح أن أحجام التجارة مع الصين وروسيا والهند تختلف بصورة كبيرة، وهو ما يجعل نماذج التسوية الثنائية متفاوتة الكفاءة، فكلما ارتفع التبادل التجاري والاستثماري المتوازن بين الطرفين، زادت فرص نجاح التسويات بالعملات المحلية وتراجع الاعتماد على العملات الوسيطة.
وفي هذا السياق، يفرق بين النموذج الروسي والنموذج الهندي، فالأول يرتبط بمشروعات وتمويلات سيادية محددة، بينما يبدو الثاني أكثر قابلية للتوسع تجاريًا بفضل اتساع السوق الهندية ومرونة استخدامها للروبية في التجارة الثنائية.
ويرجح فؤاد أن تكون "المقاصة المحدودة" أكثر قابلية للتطبيق من الاتفاقات المفتوحة، بحيث تُربط التسويات بسلع أو سقوف محددة تقلل مخاطر تراكم أرصدة بعملات منخفضة السيولة.
ويشير إلى أن الدولار ما يزال يمثل النسبة الأكبر من الدين الخارجي المصري، ما يعني أن جانب الالتزامات يبقى أكثر انكشافًا للعملة الأمريكية من جانب الاحتياطيات نفسها.
يرى حسن هيكل، الخبير الاقتصادى، أن مصر اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة تدريجية في حيازات اليوان عبر اتفاقيات مبادلة العملات الثنائية، لكن من دون تحول جذري في البنية العامة للاحتياطيات، التي ما تزال مدعومة بأصول مقومة بالدولار واليورو والذهب.
ويشير إلى أن تكلفة الاعتماد المفرط على عملة واحدة أصبحت أعلى بالنسبة للاقتصادات الناشئة، خصوصًا مع تصاعد التقلبات الجيوسياسية ودورات التشديد النقدي الأمريكية، ما يدفع نحو توزيع أوسع للمخاطر النقدية.
لكن هيكل يلفت في الوقت نفسه إلى أن قدرة التسويات الثنائية تظل محدودة بعوامل التجارة والسيولة، فالعجز التجاري الكبير مع روسيا يقلل من كفاءة استخدام الروبل، بينما يظل حجم التجارة مع الصين والهند أكبر من قدرة آليات المقاصة الثنائية الحالية على تغطيته بالكامل.
ويضيف أن العملات الناشئة تواجه تحديات تشغيلية مرتبطة بعمق الأسواق وفروق التسعير وقيود حركة رأس المال، وهو ما يحد من قدرتها على منافسة الدولار كوسيط تسوية عالمي.
ويلفت هيكل إلى أن أحجام التجارة المصرية مع الصين وروسيا والهند تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، وما تزال أكبر من قدرة آليات المقاصة الثنائية الحالية على تغطيتها بالكامل، وهو ما يفسر استمرار الحاجة إلى الدولار كعملة تسوية مرجعية في جزء كبير من المعاملات التجارية.
كما يشير إلى أن فروق التسعير وقيود حركة رأس المال في بعض العملات الناشئة ترفع التكاليف التشغيلية للتحويلات والتسويات، خصوصًا عندما تمر المعاملات عبر طبقات تسعير غير مباشرة، لذلك فإن التحول نحو سلة عملات متعددة يبقى عملية تدريجية تتطلب عمقًا ماليًا وتجاريًا أكبر حتى تتحول إلى بديل واسع النطاق.
وفي المقابل، يرى أن النموذج الهندي يبدو أكثر مرونة بفضل قدرته على إعادة تدوير الاستثمارات والسيولة داخل مشروعات طويلة الأجل، خاصة في قطاعات مثل الهيدروجين الأخضر والصناعات الكيماوية.
ويختتم بأن التحول نحو تعددية نقدية سيبقى تدريجيًا، لأن قوة الدولار لا تستند فقط إلى النظام المالي الأمريكي، بل أيضًا إلى دوره المركزي في تسعير السلع الإستراتيجية والتجارة الدولية.
قال السفير الهندي لدى القاهرة، سوريش ك. ريدي، إن المفاوضات الفنية بين البنكين المركزيين في مصر والهند وصلت إلى مراحل متقدمة تمهيدًا لتفعيل آلية التسوية بالعملات المحلية خلال الفترة المقبلة.
أوضح أن النظام المقترح يعتمد على "حسابات فوسترو الروبية"، التي تسمح للبنوك الهندية بفتح حسابات بالروبية لصالح بنوك أجنبية، بما يتيح تنفيذ جزء من التجارة الثنائية مباشرة بين الجنيه والروبية دون المرور بالدولار.
أشار إلى أن الهدف يتمثل في تسهيل جزء من المبادلات التجارية بين البلدين وتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية في التسويات الثنائية، ضمن اتجاه أوسع تتبعه عدة اقتصادات ناشئة.
وكشف عن مناقشات استثمارية هندية في قطاعات الفوسفات والطاقة النظيفة والأغذية، بما يعزز الروابط التجارية والاستثمارية الداعمة للتسويات بالعملات المحلية بين القاهرة ونيودلهي.
اترك تعليق