تولى الحكومة اهتماما كبيرا بالتحول نحو استخدام السيارات الكهربائية، وذلك فى إطار تنفيذ الرؤية الاستراتيجية للدولة لتعظيم كفاءة استخدام الموارد وترشيد استهلاك الوقود التقليدى.
حيث يمثل التحول التدريجى نحو استخدام السيارات الكهربائية ركيزة فى بناء منظومة نقل حديثة ومستدامة، تهدف إلى تحقيق
التوازن بين دفع معدلات النمو الاقتصادى والحفاظ على البيئة، مع تعزيز كفاءة استخدام موارد الدولة من الطاقة.
ومن جانبها بدأت الحكومة إجراءات التحول نحو السيارات الكهربائية، والخطة تتضمن تحسين كفاءة تشغيل أسطول السيارات
الحكومية ليكون الجهاز الإدارى للدولة نموذجاً يحتذى به فى تفعيل استراتيجية النقل الأخضر.
كما وجه رئيس الوزراء ببدء المفاوضات مع وكلاء السيارات الكهربائية والحصول على أفضل العروض تمهيدا للتعاقد الحكومي على أول دفعة من السيارات للمسئولين الحكوميين كبديل عن السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي
واستعرض وزير المالية الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة لتسريع وتيرة التحول للسيارات الكهربائية، والتي يأتي على رأسها ترشيد الإنفاق الحكومي ودعم التحول للطاقة النظيفة، بما يسهم في تقليل الفاتورة الاستيرادية للمنتجات البترولية.
فيما استعراض المتحدث باسم مجلس الوزراء الرؤية الاستراتيجية لتطوير البنية التحتية والمنظومة الرقمية اللازمة لدعم التوسع في استخدام السيارات الكهربائية في مصر، مشيراً إلى أن المقترحات المطروحة تهدف إلى ضمان كفاءة التشغيل عبر محورين أساسيين؛ الأول يتعلق بالتوسع في إنشاء محطات الشحن السريعة والذكية وتصنيف المركبات بما يتناسب مع طبيعة الاستخدام، والثاني يركز على تأمين الأنظمة الرقمية ضد المخاطر السيبرانية والالتزام بمعايير السلامة العالمية، وذلك في إطار جهود الدولة للتحول نحو النقل المستدام وتقليل الانبعاثات الكربونية.
أكد المهندس جمال عسكر "خبير قطاع السيارات" أن العالم كله يتجه حاليًا نحو استخدام السيارات والمركبات الكهربائية، في ظل ارتفاع نسب الانبعاثات الكربونية الضارة الناتجة عن محركات البنزين والديزل، موضحًا أن هذه الانبعاثات أصبحت تمثل خطرًا كبيرًا على الإنسان والبيئة والنباتات.
وأضاف عسكر، أن إحصائيات دولية أشارت إلى أن نحو 23% من الملوثات على مستوى العالم تنتج عن وسائل النقل التقليدية، لافتًا إلى أن محركات البنزين تفرز أول أكسيد الكربون، بينما تنتج محركات الديزل غازات النيتروجين، وهو ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الأكسجين في الجو بشكل كبير.
وأشار إلى أن هذه الانبعاثات تؤثر بصورة مباشرة على صحة الإنسان، خاصة الأطفال من عمر سنة إلى 10 سنوات، كما تؤثر سلبًا على الحيوانات والنباتات ومعدلات النمو الطبيعي، مؤكدًا أن بعض السلوكيات الخاطئة، مثل الضغط الزائد على دواسات الوقود في الأوتوبيسات والمركبات، يؤدي إلى زيادة الانبعاثات بشكل كبير.
وأوضح خبير قطاع السيارات أن الاتجاه العالمي نحو السيارات الكهربائية جاء بعد تعهد عدد كبير من قادة العالم، خلال اجتماعات دولية عقدت عام 2021، بخفض نسب الانبعاثات الكربونية إلى مستويات تتراوح بين 30 و40%، مؤكدًا أن مصر تتحرك أيضًا في هذا الاتجاه ضمن خطة تدريجية ومدروسة.
وأضاف أن الدولة تعمل على هذا الملف من خلال تنسيق كامل بين عدد من الوزارات والجهات المعنية، على رأسها مجلس الوزراء ووزارات المالية والصناعة والإنتاج الحربي، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا التحول يتم وفق جدول زمني ومراحل محددة، لأن الانتقال الكامل لا يمكن أن يحدث بين يوم وليلة.
وأوضح عسكر أن الدولة تطرح حوافز كبيرة لتشجيع تصنيع السيارات الكهربائية محليًا، من بينها تقديم الأراضي للمصنعين بنظام الحوافز المرتبطة بالإنتاج، بحيث تحصل الشركات على مزايا كبيرة حال تحقيق مستهدفات الإنتاج المطلوبة.
وأشار إلى أن المبادرات تعتمد على شراكة بين القطاعين العام والخاص، تحت رعاية البنك المركزي، لتوفير برامج تمويل ميسرة للمواطنين بفوائد منخفضة تتراوح بين 5 و6%، بما يسمح للمواطن البسيط بشراء سيارات كهربائية بأسعار مناسبة تتراوح بين 600 و700 ألف جنيه.
وأكد أن التوسع في التصنيع المحلي سيؤدي إلى خفض أسعار السيارات، وزيادة فترات الضمان، وتحسين خدمات ما بعد البيع، فضلًا عن توفير قطع الغيار ومراكز الخدمة بشكل أكبر على مستوى الجمهورية، مع دعم الخدمات الرقمية والتطبيقات الذكية الخاصة بالصيانة وخدمة العملاء.
يقول د. أحمد مصطفى أستاذ إدارة الأعمال والخبير الاقتصادي إن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية لم يعد مجرد اتجاه بيئي أو تطور تقني محدود، بل أصبح أحد أهم التحولات الاقتصادية والصناعية الكبرى في العالم خلال القرن الحادي والعشرين، حيث باتت الدول تتعامل مع هذا الملف باعتباره قضية أمن قومي اقتصادي ترتبط بالطاقة والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا والنقل والتغيرات المناخية، وهو ما يفسر السباق العالمي المحموم بين القوى الاقتصادية الكبرى للسيطرة على هذا السوق الذي يُتوقع أن تتجاوز قيمته عالميًا عدة تريليونات من الدولارات خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن البيانات الدولية الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا تجاوزت 17 مليون سيارة خلال عام 2024 مع توقعات بتجاوز 20 مليون سيارة خلال عام 2025، بما يمثل أكثر من 20% من إجمالي مبيعات السيارات عالميًا، بينما ارتفعت المبيعات خلال الربع الأول من عام 2025 بنسبة 35% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما تشير التقديرات الدولية إلى أن عدد السيارات الكهربائية عالميًا قد يتجاوز 250 مليون مركبة بحلول عام 2030، وهو ما يعكس حجم التحول الاقتصادي والصناعي الضخم الذي يشهده العالم حاليا.
وأكد أن السوق المصري للسيارات الكهربائية لا يزال في مرحلة النمو السريع، لكنه يمثل فرصة اقتصادية هائلة لمصر خلال السنوات المقبلة، خاصة أن عدد السيارات الكهربائية المرخصة في مصر ارتفع من نحو 3212 سيارة فقط عام 2023 إلى أكثر من 6150 سيارة خلال عام 2024 بنسبة نمو تجاوزت 91%، ثم قفز العدد إلى أكثر من 18.6 ألف سيارة كهربائية مرخصة بنهاية عام 2025، وهو ما يعكس تسارعًا واضحًا في وتيرة التحول داخل السوق المصرية.
وأضاف أن حجم سوق السيارات في مصر خلال الفترة من يناير إلى مايو 2025 تجاوز 58 ألف سيارة بمختلف الأنواع، وهو ما يعكس عودة النشاط التدريجي للقطاع بعد فترات التراجع السابقة، كما أن دخول السيارات الكهربائية بقوة إلى هذا السوق يفتح الباب أمام صناعة جديدة بالكامل يمكن أن تتحول إلى أحد مصادر الدخل القومي خلال السنوات المقبلة إذا نجحت الدولة في توطين الصناعة محليًا
وأوضح أن التأثير المباشر للسيارات الكهربائية على الاقتصاد الوطني يمكن قياسه بالأرقام من عدة محاور، أولها محور الوقود والطاقة، حيث يستهلك قطاع النقل في مصر ما يقرب من 40% من إجمالي استهلاك المنتجات البترولية، وبالتالي فإن أي خفض تدريجي في استهلاك البنزين والسولار سينعكس بصورة مباشرة على فاتورة الاستيراد والدعم والطاقة.
وأشار إلى أن متوسط استهلاك السيارة التقليدية في مصر يتراوح بين 7 و10 لترات وقود لكل 100 كيلومتر، بينما تصل تكلفة التشغيل في السيارة الكهربائية إلى أقل من نصف هذه التكلفة، وهو ما يعني أن تحويل مليون سيارة فقط إلى الكهرباء مستقبلا قد يوفر ما بين 1.5 إلى 2 مليار لتر وقود سنويًا بصورة تقريبية، وهو ما يعادل وفق متوسطات الأسعار العالمية الحالية ما بين 1.2 إلى 1.8 مليار دولار سنويًا تقريبًا من فاتورة الوقود والاستيراد والدعم والطاقة.
وأضاف أن مصر تنفق سنويًا مليارات الدولارات على استيراد المنتجات البترولية ومشتقات الوقود، وبالتالي فإن التوسع في المركبات الكهربائية قد يخفف الضغط على العملة الأجنبية بصورة تدريجية، خاصة أن وكالة الطاقة الدولية أكدت أن السيارات الكهربائية ساهمت بالفعل عالميًا في خفض استهلاك النفط بما يقرب من 1.3 مليون برميل يوميًا خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاع الرقم بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
وأكد أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل في تنفيذ عدد من المحاور المرتبطة بملف السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، حيث تم إنشاء محطات شحن كهربائي داخل القاهرة الكبرى والعاصمة الإدارية الجديدة وبعض الطرق والمحاور الرئيسية، كما بدأت الدولة في دعم فكرة توطين صناعة السيارات الكهربائية محليًا من خلال التعاون مع شركات عالمية ومحلية لإنتاج السيارات الكهربائية داخل مصر، إضافة إلى تشغيل الأتوبيسات الكهربائية والتوسع في مشروعات النقل الكهربائي الكبرى مثل المونوريل والقطار الكهربائي السريع والقطار الكهربائي الخفيف، وهي مشروعات تعكس توجها استراتيجيا واضحا نحو منظومة نقل تعتمد بصورة أكبر على الكهرباء والطاقة النظيفة.
وأشار إلى أن الحكومة بدأت أيضًا في تطبيق أجزاء من مفهوم المدن الذكية والطاقة النظيفة داخل العاصمة الإدارية الجديدة وبعض المدن الحديثة، من خلال تطوير البنية الرقمية وشبكات الكهرباء الذكية، إلا أن السوق المصري لا يزال بحاجة إلى الانتقال من مرحلة المبادرات المحدودة إلى مرحلة المشروع القومي الصناعي المتكامل الذي يشمل التصنيع والبطاريات والبرمجيات والطاقة والبنية التحتية والبحث العلمي.
وأضاف أن مصر يمكنها أيضًا استغلال الطاقة الشمسية بشكل غير مسبوق عبر إنشاء محطات شحن تعمل بالطاقة الشمسية على الطرق السريعة والمحاور الجديدة، وهو ما قد يجعل مصر من أوائل الدول التي تربط بين النقل الكهربائي والطاقة المتجددة بصورة متكاملة، خاصة أن مصر تمتلك واحدة من أعلى معدلات سطوع الشمس في المنطقة.
كما طرح فكرة إنشاء “وادي البطاريات المصري” كمشروع صناعي ضخم يهدف إلى تصنيع البطاريات وإعادة تدويرها محليًا بدلا من استيرادها بالكامل، خاصة أن البطاريات تمثل نحو 30 إلى 40% من تكلفة السيارة الكهربائية، وبالتالي فإن تصنيعها محليًا قد يخفض الأسعار بصورة كبيرة ويعزز الصناعة الوطنية.
وأشار إلى إمكانية إدخال الذكاء الاصطناعي في إدارة منظومة النقل الكهربائي داخل مصر عبر إنشاء شبكة ذكية تربط السيارات بمحطات الشحن وشبكات الكهرباء لتحديد أوقات الشحن المثالية وتقليل الضغط على الشبكة القومية للكهرباء.
وأضاف أن هناك مقترحات جديدة يمكن أن تشكل طفرة غير مسبوقة في هذا القطاع داخل مصر، من بينها إنشاء “المناطق الحرة الخضراء” بالقرب من الموانئ الكبرى مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعلمين الجديدة وشرق بورسعيد والسخنة.
كما اقترح إنشاء أول “ممر كهربائي ذكي” في مصر يربط بين القاهرة والعاصمة الجديدة والعلمين الجديدة ومدينة الجلالة.
اترك تعليق