تُمثل جودة التعليم أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها استراتيجية الدولة المصرية لبناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة، باعتبارها الركيزة الحاكمة لرفع كفاءة رأس المال البشري وتعزيز القدرة التنافسية للدولة إقليميًا ودوليًا، وفي هذا الإطار، تضطلع الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد بدور استراتيجي يتجاوز المفهوم التقليدي للرقابة، ليؤسس نموذجًا متكاملًا لتطوير الأداء المؤسسي وترسيخ ثقافة الجودة داخل المنظومة التعليمية.
وتهدف الهيئة، من خلال منظومة معايير دقيقة ومتكاملة، إلى نقل المؤسسات التعليمية من مرحلة استيفاء المتطلبات الشكلية إلى تبني الجودة كمنهج عمل يومي، ينعكس مباشرة على مستوى الخريج المصري وقدرته على المنافسة في أسواق العمل الإقليمية والدولية.
تنطلق رؤية الهيئة من التوجهات الوطنية التي تضع التعليم في صدارة أولويات الأمن القومي، وفي هذا السياق، يؤكد علاء عشماوي، رئيس الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، أن دور الهيئة لا ينفصل عن طموحات الدولة، بل يُعد ترجمة عملية لمستهدفات «رؤية مصر 2030».
ويشير إلى أن الهدف لا يقتصر على منح شهادات الاعتماد، وإنما ضمان تخريج طالب يمتلك المهارات والجدارات التي يتطلبها سوق العمل المعاصر، سواء في التعليم العام أو الأزهري أو الفني، بما يعزز فرص الاعتراف بمؤهلاته محليًا ودوليًا.
تتسم منظومة عمل الهيئة بالشمول والاتساع، حيث تمتد مظلة الاعتماد لتشمل جميع روافد التعليم في مصر، وعلى رأسها:
- التعليم قبل الجامعي: من خلال معايير تضمن بيئة تعليمية آمنة ومحفزة على التعلم.
- التعليم الأزهري: بالتعاون مع مؤسسة الأزهر الشريف للحفاظ على جودة العلوم الدينية والطبيعية وترسيخ الريادة المصرية.
- التعليم الجامعي: بوضع معايير دقيقة للاعتماد المؤسسي والبرامجي، بما يضمن مواءمة مخرجات التعليم مع المعايير الدولية واحتياجات سوق العمل.
- التدريب المهني: وهو الملف الذي أولته الهيئة اهتمامًا خاصًا خلال الفترة الأخيرة، عبر اعتماد مراكز التدريب المهني لسد الفجوة بين التعليم والتوظيف، وضمان تخريج عمالة فنية مؤهلة بمعايير عالمية.
ومع مرور عام على تفعيل الإطار الوطني للمؤهلات (NQF)، يؤكد رئيس الهيئة أن هذا المشروع يمثل حجر الزاوية في ربط التعليم بسوق العمل، إذ يتيح تصنيف المؤهلات المصرية ضمن مستويات واضحة ومحددة، ما يسهل على أصحاب الأعمال فهم قدرات الخريجين، ويُيسر الاعتراف بالمؤهلات المصرية خارج الحدود.
واكبت الهيئة التحولات العالمية، وجعلت من «الذكاء الاصطناعي وجودة التعليم» محورًا رئيسيًا في رؤيتها المستقبلية، وهو ما تجسد في عنوان مؤتمرها الدولي السنوي، ويرى "عشماوي" أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل أداة استراتيجية لتحسين نواتج التعلم وتطوير آليات التقييم والاعتماد، بما يواكب متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
وعلى الصعيد الدولي، عززت الهيئة من حضورها الخارجي عبر شراكات استراتيجية مع هيئات ضمان الجودة في أوروبا والولايات المتحدة، إلى جانب التعاون العربي والإقليمي، بما يضمن تحديث المعايير المصرية وفق أحدث الممارسات العالمية، ويفتح آفاق الاعتراف المتبادل بالاعتمادات، ويرفع من القيمة السوقية للمؤهل المصري عالميًا.
ويؤكد رئيس الهيئة أن «الجودة ليست تفتيشًا، بل تغيير في القناعات»، مشيرًا إلى أن الهيئة تعمل على نشر ثقافة الجودة عبر برامج توعوية وتدريبية تستهدف المعلمين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب والمجتمع، لترسيخ مفهوم أن الجودة حق أصيل للطالب ومسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف.
وفي إطار دعم المؤسسات التعليمية، أطلقت الهيئة مبادرة «بداية» لتقديم مساندة فنية وتدريبية حقيقية للمدارس والمعاهد والكليات، لمساعدتها على تشخيص الفجوات وبناء القدرات المؤسسية وفق معايير الجودة، بما يضمن استدامة التحسين وليس مجرد الحصول على شهادة اعتماد.
يؤكد د. علاء عشماوي، أن هدف الهيئة هو أن يصبح «الخريج المصري» الخيار الأول محليًا ودوليًا، عبر جودة شاملة تبدأ من الطفولة المبكرة وحتى أدق التخصصات الجامعية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومبادرة «بداية»، والإطار الوطني للمؤهلات، وشراكات دولية تضمن الاعتراف العالمي بالمؤهل المصري.. نحن لا نراجع أوراقًا.. نحن نبني قدرات ونصنع تنافسية.
اترك تعليق