قال الدكتور محمد الجندي، خبير الأمن السيبراني، إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي يعيد إلى الأذهان بعض الأعمال السينمائية الخيالية القديمة، وعلى رأسها فيلم Minority Report، الذي تناول فكرة التنبؤ بالجريمة قبل وقوعها والقبض على الجاني استباقيًا.
وأكد خلال مؤتمر المحاكم الدستورية العليا حول الذكاء الاصطناعي كأداة لدعم القضاة، مع إبراز الفرص والمخاطر، أن هذه الفكرة، رغم جاذبيتها التقنية، تمثل مسألة بالغة الخطورة من الناحية القانونية والدستورية، وتثير تساؤلات جوهرية حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون.
وأوضح الجندي أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مرحلة التنبؤ اليقيني بالجريمة، إلا أن الواقع العملي كشف عن استخدام بعض الأنظمة التحليلية في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها ولاية كاليفورنيا، للتنبؤ بالسلوك الإجرامي المحتمل. وقد ترتب على ذلك تفتيش مبانٍ والقبض على أشخاص دون الحصول على أذون قانونية مسبقة، وهو ما شكّل انتهاكًا صريحًا للضمانات الدستورية، ومخالفة لمبادئ أساسية، في مقدمتها قرينة البراءة وسيادة القانون.
وأشار خبير الأمن السيبراني إلى أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في إساءة استخدامها دون أطر تشريعية ودستورية واضحة، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يُوظَّف داخل المنظومة القضائية باعتباره أداة مساعدة لدعم القاضي في تحليل البيانات وتسريع الفصل في القضايا، لا كوسيلة لاتخاذ قرارات تمس الحقوق والحريات بشكل مباشر.
وفي سياق متصل، حذّر الدكتور محمد الجندي من التحديات المتزايدة المرتبطة بحوكمة البيانات والخصوصية، لافتًا إلى أن استخدام نماذج ذكاء اصطناعي عالمية، مثل ChatGPT أو Gemini وغيرها، يعني أن البيانات لا تكون محفوظة داخل النطاق الوطني، وإنما تُخزَّن على خوادم موزعة في دول متعددة، وهو ما يطرح إشكاليات خطيرة تتعلق بسيادة البيانات، وحمايتها، وإمكانية إساءة استخدامها.
واختتم الجندي حديثه بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية لدعم عمل القضاة، وتحقيق عدالة أكثر كفاءة وسرعة، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر جسيمة إذا ما استُخدم دون ضوابط قانونية وأخلاقية صارمة، داعيًا إلى ضرورة وضع أطر تشريعية واضحة توازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي وحماية الحقوق والحريات الدستورية.
اترك تعليق