تمكنت قوات "دلتا" الأمريكية، السبت، من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية استغرقت حوالي 30 دقيقة فقط. ورغم آمال الحكومة وأنصارها بخروج حشود شعبية واسعة دعما لمادورو، بدت شوارع كاراكاس شبه خالية، فبالقرب من قصر ميرافلوريس الرئاسي لم يتجاوز عدد المتجمعين ربع مبنى سكني، وهو ما شكَّل كامل الدعم المرئي في الساعات الأولى بعد العملية.
من غرب كاراكاس إلى شرقها، خيم هدوء غير معتاد، يخفي توترًا واضحًا وحالة من الترقب، لم تشهد المدينة مظاهرات واسعة أو مواجهات شعبية، لكن رد الفعل الأبرز تمثل في اندفاع السكان إلى تخزين المواد الغذائية والأدوية، إذ شهدت محلات السوبر ماركت والصيدليات والبقالات إقبالاً كثيفًا منذ ساعات الصباح الأولى، وسط مخاوف من تطورات غير متوقعة في الأيام المقبلة، بحسب صحيفة Tal Cual الفنزويلية.
وفي أعقاب اعتقال مادورو، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن بلاده ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتا حتى يتم تحقيق انتقال آمن وفعال للسلطة، في تصريح أثار الكثير من التساؤلات حول مستقبل السيادة الفنزويلية ودور واشنطن في السياسة الداخلية للبلاد.
في خضم هذا المشهد المضطرب، تدخلت المحكمة العليا الفنزويلية لتفادي انهيار مؤسسات الدولة، وأعلنت تكليف نائبة الرئيس ديلسي رودريجيز بتولي مهام الرئاسة بشكل مؤقت. أمرت الدائرة الدستورية في المحكمة العليا الفنزويلية بأن تتولى رودريجيز نائبة مادورو منصب القائم بأعمال رئيس البلاد، وذلك في أعقاب إلقاء قوات أمريكية القبض على مادورو، واقتياده إلى نيويورك لمحاكمته هناك وفق اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات.
ديلسي رودريجيز، المعروفة بقربها الشديد من مادورو وبخطابها الصدامي مع الولايات المتحدة، وجدت نفسها فجأة في قلب عاصفة سياسية داخلية وإقليمية. ورغم توليها السلطة مؤقتا، فإن شرعيتها لا تزال محل جدل، خصوصا في ظل حديث متزايد عن ضرورة تشكيل حكومة انتقالية أوسع تمهد لانتخابات رئاسية مبكرة بإشراف دولي.
على الجانب الآخر، تراقب قوى المعارضة، وعلى رأسها شخصيات بارزة مثل ماريا كورينا ماتشادو، الوضع بحذر، مع تصاعد الدعوات لاستغلال اللحظة الحالية لإنهاء حقبة التشافيزم التي سيطرت على البلاد لأكثر من عقدين. إلا أن الانقسام داخل المعارضة نفسها، إلى جانب التعقيدات الإقليمية، يجعل الطريق إلى انتقال سياسي سلس أمرا بالغ الصعوبة.
وتقف فنزويلا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح القيادة المؤقتة في إدارة مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات وإعادة بناء الثقة، أو تنزلق البلاد إلى فوضى سياسية أعمق، تزيد من معاناة شعب أنهكته الأزمات الاقتصادية والانقسامات المستمرة. الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن السؤال الأصعب: هل يكون يناير بداية الخلاص.. أم فصلا جديدا من الفوضى؟
وأعاد القبض على مادورو طرح السؤال الجوهري: هل تدخل فنزويلا مرحلة إعادة فتح اقتصادي يسمح بتحويل ثروات البلاد من أرقام على الورق إلى نمو حقيقي؟ وتتوقف الإجابة على 3 أمور هي شكل السلطة القادمة، وموقف العقوبات الدولية، وقدرة الدولة على استعادة الثقة والمؤسسات.
وتعتبر فنزويلا دولة غير فقيرة الموارد، بل دولة غنية معطلة، حيث تمتلك نفطا يكفي لعقود، وغازاً لم يُستثمر، وذهبا ومعادن استراتيجية، وأرضا ومياها تؤهلها للأمن الغذائي. لكن تحويل هذه الثروات إلى اقتصاد منتج يظل رهنا بالاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة، لا بحجم الموارد وحده، فالثروة موجودة والتحدي دائما في من يحسن إدارتها.
تعد فنزويلا أكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، بنحو 303 مليارات برميل (الأولى عالميا). ورغم هذا الرقم الهائل، تراجعت القدرة الإنتاجية بسبب نقص الاستثمارات، العقوبات الأمريكية، وتدهور البنية التحتية لشركة النفط الفنزويلية.
تمتلك فنزويلا احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي، تقدر بأكثر من 6.3 تريليون متر مكعب. لكن أغلب الاحتياطيات غير مطورة، خاصة البحرية منها. ويرى خبراء أن الغاز قد يصبح رافعة اقتصادية أسرع من النفط إذا رُفعت القيود السياسية وتم جذب استثمارات أجنبية.
تضم فنزويلا واحدا من أكبر أحزمة الذهب في أمريكا اللاتينية، باحتياطي يقدر بنحو 8 آلاف طن من الذهب، يتركز في منطقة قوس التعدين في أورينوكو. لكن هذا القطاع يعاني التعدين غير النظامي، تهريب واسع، وغياب الشفافية البيئية والمالية. كما تمتلك فنزويلا ثروات معدنية تجعلها لاعبا محتملا في الاقتصاد الصناعي العالمي: وينظر إلى هذه المعادن كأوراق استراتيجية في عصر التحول الرقمي والطاقة النظيفة.
وبعيدا عن النفط والمعادن، تمتلك فنزويلا ثروة طبيعية مهملة، تشمل أراضيَ زراعية خصبة في سهول اللانوس، أحد أكبر مخزونات المياه العذبة في العالم. كما تتمتع بتنوع مناخي يسمح بإنتاج البن، الكاكاو (من الأجود عالمياً)، والذرة وقصب السكر. لكن انهيار البنية الاقتصادية حول دولة زراعية تاريخياً إلى مستورد صاف للغذاء.
اترك تعليق