تدرس الحكومة التحويل من نظام الدعم العينى إلى الدعم النقدى، وكان الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، قد أعلن عن عقد اجتماع للجنة الإدارية للعدالة خلال الأسبوع المقبل، وذلك لوضع اللمسات النهائية والانتهاء من اتخاذ الإجراءات التنفيذية الخاصة ببدء تطبيق التحول من "الدعم العينى" إلى "الدعم النقدى".
وذكر رئيس الوزراء، أن هذا الملف شديد الحساسية، وأن الحكومة حريصة على أن تكون مطمئنة بنسبة ١٠٠٪ إلى آليات التنفيذ، بما يضمن عدم حدوث أى مشكلات عند التطبيق أو ظهور اضطرابات قد تلحق ضررًا بأى مواطن.
وأضاف أن هناك إجماعًا على أن فكرة التحول إلى الدعم النقدى هى فكرة جيدة من حيث المبدأ، إلا أن التحدى الحقيقى يكمن فى ضمان التنفيذ بدقة شديدة، وبما يكفل حماية الفئات المستحقة للدعم وعدم الإضرار بأى طرف، مشددًا على أن الدولة لن تتخذ أى خطوة قبل التأكد الكامل من جاهزية التطبيق على أرض الواقع وضمان وصول الدعم لمستحقيه.
من جانبه، أكد الدكتور فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، والخبير الاقتصادى، أن التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى خطوة سهلة وممكنة إذا تم الاعتماد على قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين، مشيرًا إلى أن نجاح التجربة يعتمد على التطبيق العملى والتقنيات الحديثة.
العينى أم النقدى ؟
تقول د. ايمان اسماعيل أنور استاذ الاقتصاد ووكيل كلية الحقوق بجامعة حلوان أنه ومنذ القرن الماضى ودائما ما تثار مسألة الدعم هل يتم الإبقاء على صورته الحالية في شكل عينى ام يتم التحول إلى الدعم النقدى.
أضافت، أنه من الضرورى عند اتخاذ قرار اقتصادى هام أن يتم دراسة كافة أبعاده الاقتصادية والاجتماعية وخاصة إذا كان يتعلق بشريحة هامة ولها كثافة سكانية مرتفعة ونتحدث هنا عن محدودى الدخل ،بالتأكيد التحول إلى الدعم النقدى أيسر للحكومة في التطبيق من ناحية توفير المبالغ التى تنفق على الدعم وحوكمته، وهنا تكمن أهمية هذا التحول واتجاه الحكومة في الإسراع نحو هذا التحول، ويرى هذا الاتجاه انه حتى يصل الدعم إلى مستحقيه يستلزم هذا التحول ،
ويمكن القول في هذا الشأن أن عدم وصول الدعم إلى مستحقيه لا يقتصر على الدعم العينى بل يمتد إلى النقدى أيضا، كما أن الاقتصاد المصرى يعاني منذ سنوات من التضخم، مؤكدة أن التحول في هذه المرحلة الاقتصادية سيزيد من حدة ارتفاع الأسعار لانه سيولد قوة شرائية بدون انتاج، ويضغط ذلك على أسعار السلع والخدمات وبالتالي يزداد توقع ارتفاع معدل التضخم .
وما يدعم ضرورة تأجيل تلك الخطوة - حسب د. ايمان - هو حديث السيد الدكتور مصطفي مدبولى رئيس الوزراء على أن هناك نسبة تتجاوز ٣٠٪ من المصريين يعانون من انخفاض الدخل، ذلك يعنى أن تلك الفئة في حاجة إلى مزيد من الحزم الاجتماعية، مطالبة أن تستمر الحكومة بتطوير المنظومة وتنقية البيانات حتى تتهيأ البيئة الاقتصادية للتحول إلى الدعم النقدى.
خط الفقر
يقول د. رشدي فتحي أستاذ ورئيس قسم الاقتصاد بتجارة دمياط، أن الدعم هو مجموعة من البرامج التي تهدف إلى مساعدة الأفراد والأسر الفقيرة والأكثر تعرضا لخطر الفقر، وتختلف فكرة الدعم و طرق تقديمه من دولة إلى أخرى، وفقا لنظامها الاقتصادي ومرحلة تطورها والاختيار العام فيها، وعلى الرغم من ذلك لا توجد دولة أيا كان نظامها الاقتصادي أو مرحلة تطورها، لا تمتلك برامج لدعم مجموعات شرائح السكان الفقيرة، وان اختلفت منهجية تقديم هذه البرامج
أضاف ان برنامج الدعم النقدي يعطى مزايا الدعم في شكل نقدى للطبقات الفقيرة وشرائح المجتمع الأكثر فقرا ، حفاظا على جهاز الأسعار من التشوهات ووصول الدعم إلى مستحقيه، ومن مزاياه: الاختيار حيث يسمح برنامج الدعم النقدي بحرية الاختيار للمستهلك لتشكيلة المنتجات التي يمكن أن يوجه إليها إنفاقه. ومن ثم تحقيق مبدأ سيادة المستهلك، وتحمل التكاليف الفعلية، بسبب انخفاض تكاليف التوزيع، حيث لا يحتاج هذا البرنامج إلى تكاليف نقل المنتجات أو توصيلها إلى المستهلك، بالإضافة إلى وجود بدائل للمنتجات يؤدى إلى اختيار تشكيلة المنتجات الأقل تكلفة بالنسبة للفرد، و لا يترتب على هذا البرنامج تشوهات الأسعار ، ومن ثم لا يوجد سعرين لذات المنتج في السوق، ويؤدى الدعم النقدي إلى تخفيف العبء على ميزانية الدولة.
أشار إلى انه وبالرغم من مزايا برنامج الدعم النقدي إلا انه يحتاج إلى بعض الأطر والضوابط المجتمعية ومن أهمها قاعدة بيانات دقيقة للمستحقين، تحديد مقدار الدعم بحسب عدد أفراد الأسرة، مع مراعاة التضخم السنوي، بحيث تتم زيادة المبلغ بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار لضمان عدم تآكله مع مرور الوقت. وتوفر القبول السياسي والشعبي للدعم، والرقابة الصارمة على الأسعار والضرب بأيدي من حديد علي المتلاعبين بالدعم بتقنين وتدقيق الإجراءات حتي يصل الدعم الي مستحقيه بالإضافة الي توفر الظروف الاقتصادية المواتية سواء الداخلية او الإقليمية والدولية بما يضمن سلامة التطبيق
تقليل الهدر
يقول د. أدهم البرماوي استاذ الاقتصاد المساعد بمعهد كفر الشيخ للإدارة أن قضية التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي تعد إحدى أعقد العمليات الجراحية في الاقتصاد الكلي، حيث تهدف الحكومة من ورائها إلى استبدال منظومة توزيع السلع والبطاقات التموينية بتحويلات نقدية مباشرة تصل إلى يد المستحق.
أضاف إن الفلسفة الاقتصادية وراء هذا التوجه ترتكز على مبدأ "كفاءة التخصيص"، حيث يساهم الدعم النقدي في تقليل الهدر الناتج عن منظومة السلع، والقضاء على حلقات الوساطة والسوق السوداء، ومنح المواطن حرية الاختيار في توجيه ميزانيته حسب احتياجاته الفعلية وليس حسب ما تفرضه سلة السلع الحكومية.
أوضح ان النجاح في هذا التحول يتطلب استيفاء شروط مسبقة صارمة قبل "ساعة الصفر"، فعلى الحكومة أولاً بناء قاعدة بيانات ديناميكية بالغة الدقة (Smart Targeting)، تعتمد على الربط الرقمي الشامل لتحديد المستحقين الحقيقيين وإقصاء الفئات غير المستحقة بناءً على مؤشرات استهلاك واقعية، كما يجب تطوير بنية تحتية مالية تضمن الشمول المالي لكافة الفئات، بحيث يمتلك كل مستحق وسيلة دفع إلكترونية مؤمنة، مع ضرورة إطلاق حملة توعية شاملة تشرح للمواطن كيف سيتم تعويضه عن غلاء الأسعار عبر المبالغ المباشرة.
تابع: رغم المزايا النظرية الا ان هناك مخاوف مشروعة تتصدرها "السيولة التضخمية"؛ حيث يخشى من أن يؤدي ضخ مبالغ نقدية كبيرة في يد ملايين المواطنين إلى زيادة الطلب بشكل مفاجئ، مما قد يدفع الأسعار للارتفاع لامتصاص هذه السيولة، وبالتالي تتآكل القيمة الشرائية للدعم النقدي ويصبح بلا جدوى، كما تبرز مخاوف تتعلق بالاستهلاك غير الرشيد، حيث قد تتوجه بعض الأسر لإنفاق المبالغ النقدية على سلع تكميلية أو استهلاكية ضارة بدلاً من تأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، مما يهدد الأمن الغذائي للأطفال والفئات الضعيفة.
للتغلب على هذه المخاوف - حسب د. البرماوي - يجب على الدولة اعتماد آلية "الربط الآلي بالتضخم"، بحيث تتم مراجعة قيمة الدعم النقدي بصفة دورية (كل ثلاثة أشهر مثلاً) لتعويض أي ارتفاع في تكاليف المعيشة. كما يُقترح تطبيق "الدعم النقدي المشروط"، وهو ربط المبالغ المالية بالتزامات اجتماعية مثل انتظام الأطفال في المدارس أو إجراء الفحوصات الصحية، مما يضمن تحول الدعم من مجرد "إعانة" إلى "استثمار في رأس المال البشري"، علاوة على ذلك، يجب تفعيل رقابة صارمة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية التي قد تستغل زيادة السيولة لدى المواطنين.
قال، أما بخصوص توقيت القرار، فإن الواقع الاقتصادي الراهن يضع الحكومة أمام معادلة شديدة الحرج، ففي ظل موجات التضخم العالمية وتراجع القوة الشرائية، تبدو الطبقة المتوسطة -التي تمثل عماد الاستقرار الاجتماعي- في حالة انكشاف مالي غير مسبوق. إن التحول للدعم النقدي في هذا الوقت قد يكون مناسباً لضبط الموازنة العامة، لكنه قد يكون "قاسياً" اجتماعياً إذا لم يتم توسيع مظلة المستحقين لتشمل الفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة التي بدأت تنزلق نحو خط الفقر، حيث أن استبعادهم في هذا التوقيت قد يؤدي إلى فجوة طبقية واحتجاب اجتماعي واسع النطاق.
أشار الى إن الانتقال للدعم النقدي هو خطوة صحيحة من منظور الكفاءة الاقتصادية، لكن لا يمكن لهذا النظام أن ينجح إلا بوجود شبكة أمان اجتماعي مرنة وقادرة على التكيف مع تقلبات الأسعار، منوها الى إن الهدف الأسمى يجب ألا يكون مجرد توفير نفقات الدولة، بل ضمان أن يظل المواطن قادراً على شراء ذات كمية السلع التي كان يحصل عليها في النظام العيني، مع حمايته من غول التضخم الذي لا يرحم أصحاب الدخول الثابتة.
الطبقة المتوسطة
يقول د. باهى يسن مدرس الاقتصاد بكلية التجارة جامعة بنها إن الحديث عن التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى، ليس بجديد. فكثيرًا ما فكرت الحكومات السابقة فى ذلك، غير أنها لم تتخذ خطوات جادة، إنطلاقًا من حساسية ملف الدعم الذى يمس ملايين المصريين، إلا أن الغريب فى الأمر، أن الحكومة الحالية، التى شارفت على الرحيل، أعلنت اتخاذ إجراءات تنفيذية تخص هذا الملف الشائك.
أضاف انه وعلى الرغم من أن ترشيد الإنفاق العام، بما فى ذلك الدعم، يعد مطلبًا اقتصاديًا. إلا أن التحول من الدعم العينى إلى النقدى، فى ظل ما يعانيه الاقتصاد المصرى من تبعات موجة غلاء قاسية أثرت بشدة على الطبقة المتوسطة، وتزامنت مع ارتفاع معدلات الفقر، بحسب تصريح رئيس الحكومة المصرية د.مصطفى مدبولى، يزيد الأمر غرابة. لكن على أية حال، فالتحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى، فى تقديرى الشخصى، لا يفترض أن يطرح، ما لم يضمن استمرارية الحماية الاجتماعية للفقراء، تزامنًا مع اتباع سياسات اقتصادية تحد من الفقر، بدلاً من زيادته، وتستهدف زيادة التشغيل اللائق.
أشار الى مجموعة من المتطلبات اللازمة التى يتعين توافرها قبل البدء فى التحول، من بينها ما يلى:
أولا: ضرورة وجود سجل اجتماعى موحد للاستهداف بناءً على معايير متعددة مثال ذلك: الدخل والاحتياجات الصحية والتعليمية، مع التحديث الدورى للبيانات لتجنب الاستبعاد أو الإدراج الخاطىء.
ثانيا: ضمان تغطية شاملة للأسر المستفيدة.
ثالثا: لا بد من تعديل قيمة الدعم لتواكب التضخم، وبما يضمن حصول المستفيدين على الأقل على نفس كمية السلع التى كانوا يتحصلون عليها قبل التحول.
وختامًا، فالإشكالية ليست فى الدعم العينى أو النقدى فى حد ذاته، وإنما تتمثل فى ضرورة اتباع سياسات اقتصادية تسهم فى توفير فرص العمل اللائق ومن ثم تخرج الأفراد من دائرة الفقر، حينها فقط، لن يكونوا بحاجة إلى الدعم بكافة أشكاله.
اترك تعليق