صدر كتاب جديد للدكتور مدحت الكاشف، أستاذ التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، بعنوان "المفهوم الاجتماعي للمسرح.. من الملحمية إلى أنثربولوجيا المسرح" ضمن مطبوعات الهيئة العربية للمسرح.
يُعمّق الكتاب التساؤل المركزي حول تقنيات العرض المسرحي المعاصر التي نجحت في بلورة مفهوم اجتماعي للمسرح، متتبعًا المسار التاريخي والجمالي لهذه التقنيات منذ المسرح الملحمي، الذي أعاد تعريف وظيفة العرض بوصفه أداة للتفكير النقدي وتفكيك الواقع، لا مجرد محاكاة له، وصولًا إلى أنثروبولوجيا المسرح التي تنظر إلى الفعل المسرحي باعتباره ممارسة إنسانية وثقافية متجذرة في الطقس والذاكرة الجماعية.
وفي هذا السياق، لا يتعامل الكتاب مع التقنيات المسرحية بوصفها عناصر شكلية أو أدوات إخراجية محايدة، بل يقرأها كآليات فكرية واجتماعية، أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الخشبة والجمهور، وبين الممثل والجسد، وبين العرض والسياق الاجتماعي الأوسع. فيتوقف عند تقنيات كسر الإيهام، وتفكيك السرد الخطي، وتعدد مستويات الخطاب في المسرح الملحمي، بوصفها وسائل لتحرير المتفرج من التلقي السلبي، ودفعه إلى موقع الشريك الواعي في إنتاج المعنى.
كما ينتقل الكتاب إلى تحليل تحوّلات العرض المعاصر، حيث لم يعد النص وحده مركز الثقل، بل أصبح الجسد، والصوت، والإيماءة، والفضاء، والطقس، عناصر دلالية أساسية، تكشف عن البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الذي يُنتج العرض. وهنا تبرز تقنيات الأداء المستندة إلى الذاكرة الجسدية، والتدريب الطقسي، واستحضار الموروث الشعبي، باعتبارها أدوات لإعادة ربط المسرح بجذوره الاجتماعية والأنثروبولوجية.
ويولي المؤلف اهتمامًا خاصًا بكيفية توظيف الفضاء المسرحي خارج القاعات التقليدية، والعودة إلى الساحات العامة، والأماكن المفتوحة، والمواقع ذات الدلالة الرمزية، بوصفها خيارات تقنية تعكس وعيًا اجتماعيًا جديدًا بوظيفة المسرح، وتسعى إلى استعادة الجمهور بوصفه جماعة إنسانية حاضرة، لا مجرد أفراد متلقين داخل قاعة مغلقة.
ومن خلال هذا المسار التحليلي، يكشف الكتاب أن تحقيق المفهوم الاجتماعي للمسرح لا يتم عبر خطاب مباشر أو شعارات أيديولوجية، بل عبر بنية عرضية واعية، تُعيد تنظيم العلاقة بين الشكل والمضمون، وتحوّل التقنيات المسرحية نفسها إلى لغة نقدية قادرة على مساءلة المجتمع، وكشف تناقضاته، وإعادة التفكير في منظوماته القيمية.
بهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب إجابات جاهزة، بقدر ما يفتح أفقًا بحثيًا جديدًا أمام المسرحيين والباحثين، داعيًا إلى النظر إلى تقنيات العرض المسرحي بوصفها اختيارات ثقافية تعكس موقع المسرح من المجتمع، وتحدد مدى قدرته على أداء دوره بوصفه فعلًا اجتماعيًا حيًا ومتجددًا.
اترك تعليق