على مدار سنوات طويلة لعب الفن المصرى دوراً كبيراً ومؤثراً فى حياة كثيرين.. وهو أحد القوى الناعمة للدول وله دور بالغ الحساسية فى تعديل سلوكيات المجتمع وتغيير الوعى الجمعي لأفراده.
على مدار تاريخها أثرت الأعمال الفنية سواء بالسلب أو الإيجاب على المجتمع، بل أن هناك أعمالاً غيرت قوانين وكتبت مستقبلاً جديداً للملايين من الأشخاص، مثل فيلم "جعلوني مجرماً" من بطولة وحش الشاشة فريد شوقي الذى تسبب فى تعديل القانون الجنائي وإسقاط السابقة الأولى من الفيش الجنائى طالما عاد صاحبها للطريق الصحيح واستعاد صوابه وأصبح فردا مفيدا لنفسه وللمجتمع.
القاعدة أنه معظم أو كل الأعمال الفنية تأثر سلباً أو إيجاباً وبدرجات متفاوتة وعلى أزمنة مختلفة، يعني هناك أعمال يكون تأثيرها مباشر جداً وسريع وتحصل رد فعل غير طبيعي للأعمال هذه، مثل ما حصل في "مدرسة المشاغبين" وتأثيرها علي مسألة علاقة التلاميذ والطلبة بالمدرسين، وأيضاً "العيال كبرت" فى علاقة الأب بأولاده، فأنا من رأيي هاتان المسرحيتان كان لهما تأثير سريع جداً ومباشر جداً، وهناك أعمال أخري كثيرة أثرت بشكل أو بآخر بفترات متباعدة لأنه لا يوجد عمل يستطيع أن يعمل انقلاب بسهولة بهذا الشكل لأن هذا عمل استثنائي، لكن طبعاً في فيلم "جعلوني مجرماً" بطولة فريد شوقي حصل الأطفال والملاجيء وأطفال الشوارع على تغيير فى قوانين الأحداث بسبب الفيلم، أيضاً فيلم "أريد حلاً" مع فاتن حمامة ورشدي أباظة لكن كانت الأمور مهيئة أي أنه كانت السيدة جيهان السادات حابة تقدم وغيرت كثير في قانون الأحوال الشخصية لكنهم كانوا محتاجين عمل فنى يمهد الطريق لهذه الحكاية وبعض فتاوى من رجال الدين المنحازين للسطلة فهذا يكون موجود ووارد، أما الأعمال التي يحصل بها انقلاب ويحصل ثورة بسببها، هذا ليس من السهل فى الأعمال الفنية، بحجة انها تتناول كل شيء في المجتمع وهذا وارد لكننا لا نعرض المشكلة أو نعالج المشكلة، بالعكس تشيع المشكلة أو العلة مثل مسألة الإصرار على مشاهد الشذوذ فى كثير من الأعمال هى نشرت ولكن لم تمنع وحاولت انها تعطيه مبررات واشياء كثيرة جداً وطبعاً هناك مبررات.
لكن هذا ليس معناه اننا نأخذ من الظواهر الفردية والشخصية إلا اننا نعممه وهو محرم فى الديانات الثلاثة الاسلام والمسيحية واليهودية، لكن في أوروبا تعتبر هذه المسالة شخصية عادية، وحتي هناك مخرجين كبار تناولوا هذه المسألة بأعمالهم مثل صلاح أبوسيف في حمام المناطيلي و يوسف شاهين حتي في مذكراته الخاصة ثلاثية اسكندرية كان يتناول مسألة الشذوذ ولأن يوسف شاهين كان يأخذ إنتاجاً من الغرب وأعمال مشتركة فهم يفضلوا منتشر فيه أعمال المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب لأنهم منفتحين على أوروبا ويحصل تمويل من جهات أجنبية، فمعظم الأعمال الممولة من جهة اجنبي يكون فيها تاثير مثل هذا وتأثير سلبي غالباً، لكن يحاولون التوازن بين الايجابي والسلبي، لكن دائماً يبقى التأثير السلبي لأنه دائما القاعدة فى الدراما، أن الشر يبقي أكثر بريقاً من الخير، فهنا تأثير الأعمال الدرامية واضح وان كان فى أعمال متواضعة فنياً لكن ممكن يكون لها تأثير سلبي وممكن تكون أعمال قيمة جداً فنياً ولكن فيها رسائل سلبية أخلاقياً، مثل أعمال يوسف شاهين وتناوله مسائل الشذوذ بشكل واسع.
فى البداية علينا أن نؤسس لقاعدة مهمة، وهي الأعمال الفنية خصوصاً السينمائية منها يمكنها اختراق الوجدان وتغيير فكرة أو معتقد داخل الإنسان، ومن هنا تتجلي الأهمية الاجتماعية لتأثير الفن بوجه عام والسينما بوجه خاص على حياة الفرد.
لدينا نماذج عديدة حققت هذا، منها ما غير من وجهة النظر تجاه أمر ما. ومنها ما فتح الباب ودق ناقوس الانتباه نحو قضية ترتبط بقانون معين، ما أثر في بعض الأحيان على تغيير هذا القانون لتكون الأمور أفضل، على سبيل المثال لا الحصر الفيلم الرائع الممتع "كلمة شرف" الذي قام بإنتاجه العبقري الراحل فريد شوقي وذلك عام 1970، حيث قام بكتابة القصة والسيناريو والحوار له بالتعاون مع فاروق صبري وأدي بطولته ببراعة، هذا الفيلم الذى سلط الضوء على قضية مهمة وأعاد المختصون بسببه النظر فى التعامل مع الحالات الإنسانية للسجناء المصريين، وعلى أثر ذلك كان اشتقاق قانون جديد يسمح للمسجون بزيارة أهله بضوابط محددة، خاصة أفراد عائلته الذين لا يستطيعون الحركة وزيارته فى السجن، وكذلك قدم فريد شوقي قبل ذلك بأكثر من 15 عاماً فيلماً مميزاً له جماهيرية كبيرة وهو "جعلوني مجرماً" الذي قام بإنتاجه بنفسه أيضاً عام 1954، وقد كتب له السيناريو والحوار بالاشتراك مع العملاق رمسيس نجيب، ليقوم بإخراجه المبدع عاطف سالم، وقد صدر عقب عرض هذا الفيلم قانون مصري ينص على الإعفاء من السابقة الأولي في الصحيفة الجنائية، حتى يتمكن المخطئ من بدء حياة جديدة. أظن أن هذه تأثيرات واضحة في المجتمع نتجت عن أفلام سينمائية ممتعة ذات جودة وقيمة عالية فنياً. ولهذا فهي باقية في أذهان الجماهير إلي الآن.. ولكن ليست كل التأثيرات إيجابية، فإذا لم يكن لدي صناع الفيلم الوعي الكافي فقد يقعن في فخ التأثير السلبي علي المجتمع الذي قد يصبح مدمراً في بعض الأحيان، ولكنني سأتجنب ذكر هذه الأمثلة الآن، ومن هنا أتوجه بدعوة مباشرة لكل صناع السينما المصرية بالانتباه لهذا السلاح الجبار الذي يمتلكونه وأرجو منهم الاهتمام باستخدامه لصالح تطوير المجتمع والتأثير عليه كي يصبح أفضل. وانني لأري أننا في أشد الحاجة لهذا التأثير المرجو في مثل هذه الأيام، حيث ان منظومة القيم والأفكار لدي المجتمع تلوثت بعوامل متعددة طيلة السنوات السابقة. وأتمني أن يحن الأوان للتغيير من ذلك واستعادة ولو جزء بسيط من الهوية الأصلية للشخصية المصرية من خلال التأثير العميق للفن الحقيقي.
طبعاً الأعمال التي غيرت القوانين أعمال معروفة وعلامة في الفن مثل فيلم "جعلوني مجرماً" وفيلم "أزمة شرف" الذي سمح للمسجون بالحضور لمناسبة ما، وفيلم "أريد حلاً" وكثير من الأفلام التي كان لها دور بتغيير القانون. غير أن هناك أفلاماً تقدم ظواهر اجتماعية سلبية أو ايجابية سواء بتوضحها أو بإبرازها أو بتخلقها، فحقيقة لا توجد أعمال تخلق ظواهر اجتماعية، فمثلاً في فيلم "الالماني" أظهر المجرم بطل ولم يظهره بمشهد واحد أو كضيف شرف مثلاً، إنما كان موجود كبطل وقدم أغاني للمهرجانات، فوجود هذه الظاهرة السلبية كان في السينما لكن انتشارها كان البطل محمد رمضان أصبح نموذجاً لناس كثيرة الموجودة في العشوائيات وفي الأحياء الشعبية الذين هم أساساً خارج دائرة الثقافة والأدب والفنون، إذ ان تقاليدهم غير وأصبح لهم أغانيهم وطريقتهم في الكلام وتعاملهم خارج سياق الدولة، أيضاً مثل أنه بدأ يظهر شخصيات ذكورية أو ناس عاملة شعرها بشكل غريب كان له حالة استهجان، لكن فجأة أصبح هذا عادي جداً، وهنا سؤال هل الدراما هي التي فرضت هذا الاستايل ولا هي أتت به من الشارع وبروزته؟!، فهل هذه البروزة معناها أن الناس تقلد ناس عندها عقول؟!، ولا هل أصلاً المفروض أننا نخفيها؟!، والسؤال الأهم والأكبر هل ظهور السلبيات شيء سلبي أم أننا نبحث علي السلبيات؟!، هل ظهور المجرم أو الفاسد في العمل الدرامي يوصل لنا أننا وحشيين أياً كانت وظيفته أو كانت صلاحياته أم يوصلنا أننا لازم نخلي بالنا من انه لا يوجد شيء يخفي؟!، وهكذا لازم نجيب اجابات واضحة على هذه الأسئلة إذا كنا نريد مجتمع يسير فى اطار موضوع الحقيقة ويبقي فيه محاسبة ويبقي فيه مراجعة، لكن أننا نظهر كل الناس ملائكة وحاجات لطيفة، هذا غير حقيقي ولم يقدم دراما من وجهة نظري إلّا طبعاً في المبالغة بأننا نفكس علي حالة وننجمها وأفكس على حالة سلبية ونبالغ أنها لطيفة وطيبة.
أنا لا أري أن الأعمال الفنية قادرة علي تغير المجتمع سلباً أو ايجاباً لأن الأعمال الفنية تبقي انعكاس لما يحصل فى المجتمع ليس العكس بمعني أن فيلم "أفواه وأرانب" انعكاس لرغبة المجتمع في أنه يعمل تحديد نسل رغبة المجتمع بأن احساسه في ظروف الاقتصادية الصعبة وأن الأولاد الكثيرة لا تتعلم وصحتهم ضعيفة أو يعني أن صحتهم غير كويسة وتظل في ظروف كثيرة في كل هذا انعكس، فالفيلم عكس هذا فالتأثير بان بعد هذا الفيلم والحقيقة نتيجة لظروف اجتماعية كاملة الذي حصل في "شقة من حق الزوجة" الذي حصل في فيلم فاتن حمامة ومسرحية "مدرسة المشاغبين" وأنا شخصياً ضد الكلام الذي يقال إن "مدرسة المشاغبين" أثرت في المدراس وجعلت الطلبة مشاغبين، لا بالعكس الذي يؤدي إلى مشاغبة الطلبة أشياء كثيرة في التربية وظروف النشأة والثقافة وما يسمعونه ويتكلمون به مع أهلهم. والدليل على هذا أنه حتي بعد "المتزوجون" هناك ناس تتعامل في المدراس بأدب وأخلاق عالية مثل ما يحصل مؤخراً في أفلام محمد رمضان أو أفلام السبكي، زودت العنف في المجتمع والحقيقة أن هذه الأفلام انعكاس لما يحصل في المجتمع، مع أن العنف زاد فعلاً بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية وظروف تعليم متبني وأشياء كثيرة جداً تدعو لأن تزيد البلطجة في الشارع، والسينما أو التليفزيون يعكس هذه الحالة وليس هو الذي يكرسها أو ينشرها.
للفن دوره القوي والفعال والمؤثر على المجتمع، ومنذ أقدم ملامح بدايات الفن فى التاريخ ومن ذلك المسرح الإغريقي كان الفن ممثلاً لقضايا الشعب ورؤيتها بمرآة الواقع لتأملها وإدراك الغث والثمين فيها من أجل التغيير وليس فقط المحاكاة، وتوجد لدينا أمثلة كثيرة في المجتمع المصري حول قدرة الفن على تغيير الواقع واستشراف المستقبل من ذلك أفلام "جعلوني مجرما" و"أريد حلا" و "أفواه وأرانب" و"الشقة من حق الزوجة" وقد أسهمت فى تغيير قوانين أساسية وعادات اجتماعية فى الحراك الشعبي المصري، وكذلك مسرحيات من مثل "مدرسة المشاغبين" التي أثرت على أجيال بأكملها من وقت عرضها في أواخر السبعينيات وإلي الآن.
بالاشارة إلى فيلم "جعلوني مجرما" من بطولة فريد شوقي ويحيي شاهين، فقد غير من ثقافة سائدة تجاه "السابقة الأولي" وهى الجريمة التى يرتكبها الفرد بقصد أو دون قصد. فيبقي تأثيرها وصمة عار عليه ما بقي من حياته، وتم بالفعل تغيير قانون الأحوال المدنية بعد عرض الفيلم، حيث التغاضي عن "السابقة الأولي" فى السجل الإجرامي للفرد ما لم يتلوها بسوابق أخري، وقد أظهر الفيلم المقدرة العالية لبطله فريد شوقي الذي أدي دوره بنجاح منقطع النظير كعادته في رسم شخصيات اجتماعية وتجسيدها على الشاشة بحنكة وبراعة ومن الأمثلة على ذلك فيلمه الرائع الآخر "الفتوة" و"أريد حلا" لسيدة الشاشة العربية مثالاً على تغيير قوانين الأحوال الشخصية طبقاً لحاجة المجتمع، حيث مثلت فيه فاتن حمامة دور المرأة المصرية المثقفة المقهورة، وهو ما يعبر أيضا عن المرأة البسيطة بكل تنوعاتها من حيث طول فترة التقاضي للحصول على الطلاق رغم وجود الأسباب المقنعة وساهم الفيلم بتألق البطلة فى تغيير قانون الأحوال الشخصية ليتم بعد ذلك تقليل مدة التقاضي للحصول علي الطلاق ليصبح في زمن لاحق بمجرد الرغبة، ومن خلال عملي كمعلم استشف الدور الخطير الذي ساهمت به مسرحية "مدرسة المشاغبين" في إخراج أجيال غير مدركة لقيمة المعلم من خلال صوره العديدة الهزلية في كثير من الأفلام والمسرحيات مثل "أستاذ حمام" نجيب الريحاني و"أستاذ حكم" عبدالمنعم إبراهيم في "السفيرة عزيزة" و"الملواني" عبدالله فرغلي و"مدرسة المشاغبين" وغيرها، وفي الختام الفن رسالة ورغم أن الفن ينحو باتجاه الأمثل والأصلح، إلا أن بعض نماذجه كان لها تأثير راكد في المجتمع.
اترك تعليق