تقرير يكتبه : عبد المنعم السلموني
كشفت الصين عن خطط لإعادة تنظيم شاملة للحكومة المركزية في جلستها البرلمانية السنوية، بما في ذلك تشكيل هيئة تنظيمية مالية ومكتب بيانات وطني وتجديد وزارة العلوم والتكنولوجيا.
لكن، ماذا تتضمن إعادة الهيكلة؟
تعزيز السياسات العلمية والتكنولوجية ..لمواجهة المنافسة مع أمريكا
إشراف مباشر لمجلس الدولة على جهاز تنظيم الأوراق المالية
اتجاه متزايد نحو القانون بدلًا من الاقتصاد لإضفاء الشرعية على الحكم
تأثر 1.8 مليون موظف في الجهات الحكومية.. بسبب الإصلاحات
ستحل إدارة تنظيمية مالية وطنية جديدة محل هيئة الرقابة المصرفية الحالية وتسند الإشراف على الصناعة، لهيئة تابعة لمجلس الدولة أو مجلس الوزراء مباشرة. كما سيشرف مجلس الدولة مباشرة على جهاز تنظيم الأوراق المالية.
كتب محللو شركة سيتي جروب الأمريكية: "مع إنشاء الجهاز الجديد، قد يتم سد الثغرات التي كانت موجودة في ظل العديد من الهيئات التنظيمية."
يهدف الإصلاح إلى تعزيز التنظيم المالي في هيئة حكومية واحدة بدلاً من المؤسسات المختلفة.
ستتم إعادة هيكلة وزارة العلوم والتكنولوجيا لتوجيه المزيد من الموارد لتحقيق اختراقات، بهدف التحرك بشكل أسرع نحو الاعتماد على الذات، وفقًا لخطة مجلس الدولة المقدمة إلى البرلمان.
وقال مجلس الوزراء إن إصلاح الوزارة يهدف إلى "تسريع تحقيق الاعتماد على الذات في المجالات العلمية والتكنولوجية رفيعة المستوى" استجابة "للوضع الخطير للمنافسة العلمية والتكنولوجية الدولية وكذلك الاحتواء والضغوط الخارجية".
ستشرف على الوزارة المعاد هيكلتها هيئة الحزب الشيوعي المنشأة حديثًا، وهي اللجنة المركزية للعلوم والتكنولوجيا، مما يعزز الرقابة الحزبية على سياسة العلوم والتكنولوجيا.
وقال مجلس الدولة إن العدد الرسمي للعاملين بأجهزة الحكومة المركزية سينخفض أيضا بنسبة 5٪ لتحويل الموظفين الفائضين نحو "المجالات الرئيسية والعمل المهم".

لماذا الآن؟
تمت الموافقة على خطة إصلاح الهيئات الحزبية والدولة في مؤتمر الحزب الشيوعي في أكتوبر الماضي، رغم نشر القليل من التفاصيل حتى الأسبوع الماضي مع اقتصار الإصلاحات المعلنة في الغالب على الهيئات الحكومية.
قال الرئيس شي جين بينج خلال اجتماع للجنة المركزية للحزب إن الإصلاحات ستكون "مكثفة" و"واسعة النطاق".
ما هي الأهمية؟
ذكرت وسائل الإعلام الحكومية أن إعادة الهيكلة هي الأكبر منذ 2018، عندما أثرت إعادة الهيكلة على أكثر من 1.8 مليون موظف في عشرات الجهات الحكومية. وكجزء من هذه الإصلاحات، تم تشكيل لجنة الرقابة الوطنية للإشراف على أعمال مكافحة الفساد.
ووصفت وكالة رويترز الإصلاحات الجديدة بأنها تعكس أولويات الصين الأكثر إلحاحًا، والمتمثلة في الاعتماد على الذات العلمية والتكنولوجية والابتكار في مواجهة التنافس المتصاعد مع الولايات المتحدة الذي يهدد بكبح تنمية الرقائق المحلية في الصين؛ وكبح جماح الشركات والمؤسسات المالية الكبيرة تحت سلطة تنظيمية واحدة للحد من المخاطر النظامية؛ وتعزيز إدارة البيانات.
ستركز الواجبات التنظيمية للبنك المركزي على السياسة النقدية، التنظيم الكلي وتنفيذ السياسة، وليس التنظيم الجزئي اليومي.
يعكس إنشاء مكتب البيانات مخاوف متزايدة من أن قيام الشركات الخاصة بجمع البيانات ونقلها عبر الحدود، دون خضوعها للرقابة، حيث يمكن أن يشكل ذلك مخاطر على الأمن القومي.
يقول المحللون إن هذا غيّر تدريجياً هيكل الحوكمة داخل نظام الدولة الحزبية ليعكس صنع سياسة أكثر مركزية ومن أعلى إلى أسفل مع تركيز المزيد من السلطة في أيدي شي.
وقالت مصادر لرويترز في وقت سابق إنه سيتم إحياء لجنة العمل المالي المركزية، وهي هيئة رقابية مالية رفيعة المستوى في الحزب وإن مكتب البيانات سيرأسه عضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي المكونة من سبعة أعضاء.
ويشير تقرير، كتبه تايسو تشانج على موقع فورين أفيرز إلى أن الحزب الشيوعي الصيني عزز حكمه السياسي، على مدى العقود الثلاثة الماضية بنجاح إدارته، لا سيما في إدارة الاقتصاد، ففي أعقاب احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989، تم التوصل إلى صفقة سياسية ضمنية بين الحكومة وعامة السكان، بحيث يقبل الناس الحكم الشمولي، مقابل التمتع بمستويات معيشية أعلى. من هنا جعلت الحكومة بالفعل الأداء الاقتصادي أولويتها الساحقة في العقود التالية، وحققت نتائج إيجابية للغاية.
ولكن بحلول منتصف عام 2010، بدأت تظهر تصدعات في هذا الأساس السياسي، حيث تباطأ النمو بشكل كبير منذ السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين. أصبحت ديون الحكومات المحلية غير مستدامة، وبدا أن الفقاعة العقارية خطيرة بشكل متزايد، واستمرت عائدات الاستثمار في البنية التحتية في الانخفاض، والأكثر إثارة للقلق أن البلاد كانت تتجه نحو تراجع ديموجرافي طويل الأجل. واستجابة لذلك، تصاعدت التوترات الاجتماعية حول الأجور، وعدم المساواة.
في 2022 أجبرت الاحتجاجات الحاشدة الحكومة على التخلي عن سياسة "صفر كوفيد" التي أدت إلى تسريع هذه التطورات بشكل كبير، حيث تسببت عمليات الإغلاق الشديدة في خسائر اقتصادية مدمرة. تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي، كما ورد في الإحصاءات الرسمية، إلى 3%.
ورغم أن انتعاش ما بعد الوباء قد يدفع النمو إلى ما يزيد على 5% في عام 2023، يبدو من المحتمل أنه لم يعد بإمكان حكام الصين الاعتماد بأمان على الأداء الاقتصادي كمصدر أساسي للشرعية السياسية والدعم الاجتماعي. وبدلاً من ذلك، يتجهون بشكل متزايد نحو القانون لإضفاء الشرعية على حكمهم.
ولا شك في أن طابع "القومية الصينية المعاصرة" يسمح لها بتضخيم الدعم الشعبي لدولة الحزب عندما يكون الأداء الاقتصادي الوطني مرتفعًا ولكنه لا يسمح لها بالعمل كمصدر احتياطي للشرعية السياسية عندما يعاني الاقتصاد. ظهر هذا الضعف بوضوح في الأشهر الأخيرة. المزاج العام على منصات التواصل الاجتماعي مثل سينا ويبو، كان مبتهجًا وواثقًا في أعقاب النجاحات الاقتصادية للصين عام 2021 وحتى أوائل عام 2022، لكن الأخبار السيئة تسببت في ضائقة اجتماعية واقتصادية واضحة.
أصبحت التعبيرات العامة عن التعاسة والاستهزاء والإدانة الصريحة لسياسة الحكومة أمرًا مألوفًا، حيث أعرب عدد كبير من الصينيين من الطبقة الوسطى عن رغبتهم في مغادرة البلاد إلى الغرب. وصمتت الروايات القومية بشكل لافت للنظر في مواجهة هذه التعاسة المنتشرة. في الواقع، انتقد البعض أحيانًا نشاط الحكومة عندما لا يرقى إلى مستوى توقعاتهم. وبالفعل، فقد انتقدوا "خجل" الرد العسكري على زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان، وكذلك الرد على قيام واشنطن بإسقاط البالون الصيني.
ويقول تشانج إن شي ومساعديه الآن بشكل متزايد على القانون للتأكيد على شرعيتهم.
ينعقد المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني وسط تصاعد الأزمات

بيتر سيموندس @ SymondsWSWS
ويشير بيتر سيموندس، على موقع wsws، إلى المؤتمر الوطني السنوي لنواب الشعب الصيني الذي يعين كبار المسؤولين الحكوميين بشكل رسمي ويؤيد السياسة ويسن التشريعات والذي اختتم أعماله في بكين أول أمس الإثنين واستمر لأكثر من أسبوع.
جرت أعمال المؤتمر على أعلى المستويات وسط أزمات متفاقمة تواجه الحكومة على جميع الجبهات: المواجهة العدوانية والتهديدات بالحرب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، وتباطؤ حاد في الاقتصاد، وتوترات اجتماعية متصاعدة، تفاقمت بسبب قرارها برفع جميع القيود الخاصة بوباء كورونا.
في ظل هذه الظروف، تم تعيين الرئيس شي جين بينج لفترة رئاسية ثالثة، حيث يعزز قبضته على السلطة من خلال تنصيب مؤيديه المقربين في المناصب العليا والهيئات القيادية. سيتقاعد لي كه تشيانج بعد فترتين كرئيس للوزراء، ليحل محله لي تشيانج، رئيس الأركان السابق لشي، الذي كان سكرتير الحزب في شنغهاي خلال الإغلاق الوبائي العام الماضي.
ومع ذلك، فإن ظهور شي كرجل قوي في الحزب ليس دليلًا على قوة نظام الحزب الشيوعي الصيني، بل علامة على الحاجة للحفاظ على تماسك الحزب وسط الانقسامات الداخلية الحادة التي نتجت عن الأزمة الأوسع للرأسمالية الصينية. أشار تقرير العمل الذي قدمه لي كه تشيانج كرئيس للوزراء في اليوم الأول من المؤتمر وخطاب شي في اجتماع مغلق لممثلي الشركات الخاصة إلى المشكلات الضخمة التي تواجه الحكومة.
وكما ذكرت وسائل الإعلام المملوكة للدولة، تجنب شي الإشارات غير المباشرة المعتادة واتهم الولايات المتحدة على وجه التحديد بتقويض الاقتصاد الصيني عمدا. وقال: "خلال السنوات الخمس الماضية، قامت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة باحتوائنا وقمعنا بطريقة شاملة، الأمر الذي جلب تحديات خطيرة غير مسبوقة لتنميتنا".
ركز لي أيضًا بشكل كبير على التطور التكنولوجي، لا سيما حاجة الصين للتمكن من تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة. من المقرر أن يتضاعف الإنفاق الحكومي على البحث والتطوير خلال السنوات الخمس المقبلة. وقد تعهدت الحكومة بالفعل باستثمار 1.9 مليار دولار إضافية في أكبر شركة لتصنيع رقائق الذاكرة في البلاد، يانجتسي ميموري تكنولوجيز Yangtze Memory Technologies. ستتمكن شركات التكنولوجيا الصغيرة والمتوسطة من خصم إنفاقها على البحث والتطوير من الدخل الخاضع للضريبة.
الواضح أن لي قلق من تصاعد التوترات الاجتماعية، وأعلن أن الإنفاق على الأمن العام سيزداد بنسبة 6.4% في عام 2023، مقارنة بـ 4.7% العام الماضي. في الوقت نفسه، يقال إن شي يعتزم ممارسة سيطرة مركزية أكبر على جهاز الأمن الداخلي وإصلاحه.
في محاولة لتشجيع المستثمرين الأجانب، تنبأ لي بتغييرات في قانون الاستثمار الأجنبي لتقليل عدد المجالات التي لا يمكن للشركات الأجنبية أن تدخلها. ومع ذلك، فالمواجهة الأمريكية المتصاعدة بسرعة مع الصين تقوض أي حوافز قد تعرضها بكين لتشجيع الاستثمار.
لا تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ضخمة على الصين فحسب، بل تعزز واشنطن، بوتيرة متسارعة، حشدها العسكري واستعداداتها للحرب في جميع أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بعد ترامب، أشعل بايدن بتهور ما يمكن القول إنه أكثر بؤرة اشتعال انفجارية في آسيا -تايوان -مما مزق فعليًا سياسة الصين الواحدة التي تحكم العلاقات بين الولايات المتحدة والصين منذ عام 1979. وقد اعترفت واشنطن ببكين باعتبارها الحكومة الشرعية للصين ككل بما في ذلك تايوان. لكن واشنطن تنخرط حاليًا في مناقشات رفيعة المستوى مع تايبيه وعززت مبيعات الأسلحة إلى تايوان ورفعت عدد الأفراد العسكريين الأمريكيين فيها.
استجابت بكين من جهة بمحاولات لإنهاء المواجهة، ومن جهة أخرى بزيادة استعداداتها العسكرية. وأظهر الاستفزاز الأخير لواشنطن -بإسقاط ما يُرجح أنه بالون بحثي صيني خرج عن مساره -أنها على طريق المواجهة والصراع، وليس تخفيف التوترات.
استغلت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية أحدث أرقام الإنفاق العسكري لبكين في تضخيم ما يسمى بالتهديد الصيني. أعلن لي عن زيادة 7.2% في ميزانية الدفاع، وهي تقريبا نفس زيادة العام الماضي. ومع ذلك، سارع العديد من النقاد بالقول إنها أعلى من الزيادة الإجمالية في الإنفاق الحكومي والتكهن بالمعدات العسكرية الجديدة التي قد تحصل عليها الصين. لكن الميزانية العسكرية للصين تتضاءل أمام الإنفاق العسكري الأمريكي من حيث القيمة المطلقة وكنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.
بينما تم تصميم المؤتمر الشعبي الوطني بعناية لإبراز صورة القوة والاستقرار، من الواضح أن بيروقراطية الحزب الشيوعي الصيني تخشى المخاطر غير المسبوقة التي تواجهها، سواء داخليًا أو خارجيًا
اترك تعليق