حكايات نسائية .. بقلم الدكتورة وفاء عبد السلام

الإتيكيت والإسلام
د وفاء عبد السلام
د وفاء عبد السلام

الإتيكيت هو فن التعامل مع الآخرين وهو فن الخصال الحميدة والتصرف الراقي المقبول ضمن العلاقات الاجتماعية، وهو السلوك العام الذي يسود المجتمعات الراقية، ويستطيع كل فرد اكتساب سلوك الاتيكيت بالتعلّم.



فالإتيكيت بصفة عامة يشير إلى مجموعة من السلوكيات، الآداب، النظم، والقواعد التي تساهم بصورة مباشرة في خلق حالة من النظام المقبول للعديد من التصرفات والسلوكيات البشرية، بما في ذلك السلوكيات الاجتماعية والمهنية، والتي لا يتمّ محاسبة الأفراد غير الملتزمين بها قانوناً، ولكنهم قد يتعرضون للرفض من الناحية الاجتماعية.

وبالنظر لقواعد الإتيكيت العالمية نجد أنها ترتبط بالطبقة الراقية والمستوى الاجتماعي الرفيع، كما نجد أن هذه القواعد قد أتي بها الإسلام لجميع الأشخاص على حد سواء، فقد أمرنا الله ورسوله بأفعال يقوم بها الصغير والكبير والغني والفقير.

فالإتيكيت في الاسلام هو نظام متكامل راقي يتناول جميع العلاقات الإجتماعية المتعلقة بالفرد نفسه وتعامله مع الغير حيث يستند الى تشريع إلهي ورد في القرآن والسنة النبوية مما يحقق الرقي وسمو النفس للفرد والإيجابية في تعامله مع الآخرين ويكفل بناء نظام أخلاقي وقيم ومبادئ تحقق التكافل الاجتماعي والرقي بين جميع الحضارات.

فالإتيكيت في الإسلام هو كل جوانب حياة الإنسان مثل أن يقوم الفرد بتناول طعامه بيده اليمنى والأكل مما يليه وأيضاً مساعدة المحتاج أو كيفية مقابلة الضيف، حيث كان حرص الإسلام وتأكيده على ضرورة التبسم في وجه الآخرين والتلطف معهم في القول، والحرص على إكرام الضيف، حتى في العلاقة الزوجية فقد وضع الإسلام بها العديد من مبادئ وقوانين فن الاتيكيت بدءا من كيفية الكلام بين الزوج والزوجة مروراً بحسن المعاملة ووصولا إلى آداب المعاشرة، وكذلك الإحسان إلى الجار والسؤال عنه دائماً وإماطة الأذى عن الطريق والحياء بل حتى المظهر الخارجي للفرد وأهمية أن يكون في أحسن صورة ومبادلة الناس الهدايا وصلة الرحم وبرّ الوالدين وكيفية معاملتهم والإحسان إلى الفقير ومراعاة الضعيف واحترام الكبير وغيرها من الصفات الأكثر شمولاً واتساعاً في تعامل الأفراد مع بعضهم البعض.

وسنضرب بعض الأمثلة من القرآن والسنة الشريفة لبعض الأفعال التي تعتبر عند المسلم أمرا عاديا ولكنها عند غيره فن من فنون الاتيكيت. ولنبدأ بفن التعامل مع الوالدين، يقول رب العزة: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" في هذه الآيات نرى بكل وضوح التوجيه الرباني الحكيم الذي يأمرنا بالإحسان للوالدين وجعله عبادة يثاب المسلم عليها .

وكذلك آداب الطريق في الإسلام تدخل ضمن العلاقات الاجتماعية المنصوص عليها شرعا بالقرآن والسنة ويترتب على التعامل بها الأجر والثواب لأنها تدخل في باب العبادات.

قال تعالى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"

وكان الرسول إذا مشى أسرع دون الجري، فالرسول يعلمنا ألا نتسكّع في مشيتنا وأن نحافظ على الذوق في الطرقات، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)).

 وأيضا عدم إيذاء شعور الآخرين؛ فقد كان الرسول يحرص على عدم إيذاء شعور الآخرين، فكان يتحاشى أن يواجه الناس بالعتاب المباشر بل كان يستخدم المعاريضِ إذا كانَ في التَّصريحِ ضررٌ لأحدٍ، فكان النبى إذا بلَغَه عنِ الرَّجلِ الشئ لم يَقُلْ: ما بالُ فُلانٍ يَقولُ: كذا وكذا؟! ولكن يَقولُ: ما بالُ أقوامٍ يَقولونَ: كذا، وكذا؟! ومن قوله أيضا: ((إِذا كُنْتُمْ ثلاثة فلا يتناجى اثْنان دون الثّالث، إلَّا بإذنه، فإنّ ذلك يُحْزِنه)).

ومن فنون الإتيكيت إلقاء السلام والتحية قبل التحدث وبدء الكلام وتعتبر هذه قاعدة هامة من قواعد اتيكيت الكلام والتي تحدد مدى رقي الشخص المتحدث في التعامل، أما في الإسلام فالسلام من الأوامر التي أمرنا بها ربّ العزة في كتابه الكريم عندما أراد أن يقوي روابط الأخوة بين عباده وينشر المحبة والتآلف في نفوس الناس، ونشر الأمان والسلام بينهم، فقال: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا }.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا لقي أحدكم أخاه، فليُسلِّم عليه، فإن حالت بينهما شجرةٌ أو جدارٌ أو حجرٌ ثم لقيه، فليُسلِّم عليه أيضًا)).

في الحقيقة إن المبادئ الأخلاقية في القرآن والمنهج الأخلاقي في السنة من أعظم الدلائل التي تشير إلى اهتمام الإسلام بالسلوك البشري القويم والذي يعد قواعد أساسية للإتيكيت، وللحديث بقية.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق