"عقيدتي" داخل أحد مراكز لقاح كورونا:

التطعيم واجب شرعي.. والتصدي للمعلومات المغلوطة ضرورة
محرر  عقيدتي يتناول الجرعة الأولي من اللقاح
محرر عقيدتي يتناول الجرعة الأولي من اللقاح

تجربة ومتابعة: فتحي الدويدي

دفعت الموجة الثالثة من فيروس كورونا المستجد، التي شهدت ارتفاع كبيرًا في عدد الإصابات، مقارنة بالموجتين الأولى والثانية، المصريين إلى الإقبال بنسبة ملحوظة على التسجيل لتلقي اللقاح، خلَّفت قوائم انتظار طويلة نسبياً، رغم أنهم كانوا منذ انطلاق حملات التطعيم متخوّفين ومتحفّظين عليه، خاصة مع تداول شائعات كثيرة تحذر من مخاطر اللقاح وتشكك في فاعليته.



ومنذ بداية حملات التطعيم، جهّزت وزارة الصحة مراكز لتقديم الخدمة بكافة المحافظات، وعملت على زيادة تلك المراكز على عدة مراحل، حتى وصل عددها 400 مركز، مجهزة بسلسلة تبريد كافية لحفظ اللقاحات.

محرر "عقيدتي" خاض تجربة الجرعة الأولي مع اللقاح، متحديا التخوّفات ومتغلبا على الشكوك، يرويها في التقريرالتالي.

منذ أكثر من شهر قام بالتسجيل عبر الموقع الإلكتروني يعمل على مدار 24 ساعة، وبدأت أولي الخطوات بالدخول على موقع وزارة الصحة والسكان واختيار تسجيل حساب في منظومة التسجيل للقاح فيروس كورونا، لتسجيل البيانات الأساسية التى تمت خلال خمس دقائق.

الجرعة الأولي

في اليوم المحدد حسب الرسالة التي تلقاها توجّه إلى مقر المركز الصحي، حيث الإقبال النسبي من المواطنين، الذين تكدسوا في مكان ضيق عند مدخل المركز دون الالتزام بالاجراءات الاحترازية، ليستكمل الشخص بنفسه باقي الاجراءات والتوقيع علي اقرار ببعض النقاط، لعل من أهمها اللقاح ليس إجباريا، كما أنه لا يحمى من العدوي بشكل كامل، بل يقلل من فرص حدوثها، وهناك بعض النقاط والتي أثارت قلق محرر "عقيدتي" وغيره من متلقي اللقاح، ومنها علم متلقي اللقاح بالآثار الجانبية والمضاعفات، وكافة المخاطرالمحتملة المختلفة بتلقي اللقاح، ومن أكثر النقاط إثارة للجدل والقلق التي تنص على "إعفاء الدولة والسلطات والجهات الصحية بالبلاد، وموظفيها ووكلائها، والشركات التابعة لها، ومصنعي اللقاح وموظفيهم موردي اللقاح، وتابعيهم، ووكلائهم من أي وجميع المسؤوليات او المطالبات لأي من الأسباب المعروفة وغير المعروفة والتي قد تنشأ عن أو تتعلق أو ترتبط بأي شكل من الأشكال بتناول اللقاح، إلا في حالة الإخلال الجسيم أو المخالفة الصريحة للقواعد والممارسات الطبية السليمة"!

وفي حوار قصير دار بين محرر "عقيدتي" والطبيب، قال الطبيب أن العقار المقرر هو الصيني "سينوفارم"، لعدم توفر عقار "استرازينكا" بالمركز في الوقت الحالي. ثم قامت أحدي الممرضات بالتطعيم بصورة سلسلة وسهلة جدا دون الشعور بأي آلام.

تساؤلات مشروعة

وخرجت التجربة بعدد من التساؤلات المهمة لعل أهمها إلقاء المسؤولية الكاملة علي متلقي اللقاح عن المسؤوليات والمخاطر التي تنشأ عن اللقاح، ولماذا إضافة هذا البند، رغم التاكيد المستمر من الدولة بأن اللقاح آمن وفعال بنسبة 99% ؟! ولماذا لم تضع الجهات المسؤولة في اعتبارها أن مثل هذا البند قد يفتح مجالاً للشائعات والتشكيك في كفاءة اللقاح؟ ويعزز من الشائعات واثارة الفزع والبلبلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تروج لحالات وفيات واصابات بالفيروس عقب تناول اللقاح؟!

الحالة النفسية

يؤكد د. وليد هندي- استشاري الصحة النفسية- تفاعله مع هذه التساؤلات، مشيرا إلى أن الحالة النفسية تؤثر علي قدرة الإنسان على الاستجابة للأدوية والعقاقير واللقاحات، وترفع معدل درجة الاستشفاء، وكلما كانت الحالة المعنوية للمريض مرتفعة، كان لديه تحفيز داخلي وايمان حقيقي بفعالية الدواء، وسرعة الشفاء، بما يفرزه الجسم من الكرات البيضاء في الدم والتي بدورها تقوي جهاز المناعة، وتساعد اللقاح في مجابهة الفيروس، لذلك ولمواجهة هذه الجائحة فإن الدور لا يكون على تقديم المستشفيات ومراكز التطعيم للقاحات فقط، بل يجب أن يصاحبها حملة توعوية ضخمة يراعي فيها البعد النفسي، وتحفيز الرأي العام على أهمية تناول اللقاح، ليكون الاقبال عن رغبة حقيقية في الاستشفاء والوقاية، كما يجب أن تساهم المستشفيات مراكز اللقاح في حد ذاتها في تحفيز المواطنين المقلبين علي اللقاح، من خلال عمل جو احتفالي داخل المستشفيات ومراكز اللقاح، وتدريب العاملين بالمستشفيات علي طريقة استقبال الجماهير بالابتسامة والترحيب، مما يرفع الروح المعنوية ويخفف من حدة التوتر أو القلق النفسي، ويؤثر إيجاباً علي الحالة النفسية والمزاج العام، بالتالي سرعة استجابته في مواجهة المرض.

ويري د. هندي أنه من الطبيعي أن يصاحب هذا حملة مضادة تستنفر بعض أنماط الشخصية في المجتمع التي ترفض التغيير، وتروج الشائعات التي قد تؤثر في انخفاض نسبة المستهدف من قبل الدولة للتطعيم، مشدداً على مواجهة هذه الشائعات بحراك مجتمعي وتحفيز للحالة النفسية والمزاجية للمواطنين،  فدور الدولة ليس مقتصراً على جلب اللقاح فقط، لكن الأهم تهيئة المجتمع نفسياً، وتحفيزهم من الناحية المعنوية ورفع استعداد مختلف فئات المجتمع لتناول اللقاح.

 وأكد د. هندي أن الشائعات أثرت بنسبة كثيرة في انخفاض النسبة المستهدفة خاصة مع انطلاق حملة التطعيم، التي صاحبها انتشار معلومات مغلوطة حول حالات وفيات أو مضاعفات أو إصابات بالفيروس عقب تناول اللقاح، أو التشكيك في قدرة اللقاح على الشفاء، وقد وصل عدد الشائعات التي صاحبت الجائحة منذ ظهورها أكثر من 60 مليون شائعة !

ودعا د. هندي إلى تبديد مخاوف المواطن وإزالة قلقه من خلال حملة تشمل معلومات حقيقية تذاع علي مختلف وسائل الإعلام وشرح أهمية اللقاح ومدي أمنه وفاعليته، مع التوضيح من الجهات المسؤولة بإزالة اللبس بأن البنود المصاحبة للإستمارة التي يوقع عليها متلقي اللقاح ويتسلمها المركز الطبي، والخاصة بالمسؤولية الكاملة لمتلقي اللقاح، وعدم مسؤولية الدولة وغيرها من المؤسسات الاخري، هي إجراءات متبعة في جميع المعاملات الصحية.

محاكاة للعدوي

 وبما أن فكرة لقاح فيروس "كورونا"  تقوم على محاكاة العدوي الفعلية، التي تقوم بدورها بتحفيز جهاز المناعة لتكوين أجسام مضادة ضد الفيروس دون إحداث أعراض المرض نفسه، هنا نطرح التساؤل: هل متلقي اللقاح يمكن أن ينقل العدوي لغيره، وما هي أهم الأغراض الجانبية التي تكون مصاحبة  لتناول اللقاح بشكل عام؟ فيجيب د. أشرف عقبة- رئيس وحدة الباطنة والمناعة بجامعة عين شمس- نافياً أن يكون متلقي اللقاح ناقلا للعدوي، كما أن اللقاح لا يسبب المرض، والآثار الجانبية للقاحات تتمثل في ألم مكان الحقنة واحمرار وارتفاع بسيط في درجة الحرارة، وهي بسيطة للغاية وتزول تلقائيًا، مشدداً على عدم تناول أية أدوية أو مسكنات إلا في حالة ظهور الأعراض.

وأكد د. عقبة أن الحصول على اللقاحات لم يعد رفاهية بل ضرورة قصوى، تجعل هناك فرصا للتعايش بدون خوف من الإصابة بالفيروس، كما أن اللقاحات مهمة جدا وتستطيع القضاء على الأوبئة في العالم، لانها تحفز الجهاز المناعي على القيام بوظيفته.

واجب شرعي

من جانبه أكد د. عبدالوهاب فكري- أستاذ الفقه  المقارن، وكيل كلية البنات الأزهرية بالأقصر- أن الشريعة الاسلامية أمرت بكل خير ينفع الناس، ونهت عن كل شر يضره، والمتأمل في نصوصها يجد أنها أولت صحة الإنسان عناية خاصة، وأمرت بالحفاظ عليها، كما دعت إلى اجتناب كل ما يمكن أن يكون سببًا في مرض الإنسان وضعفه، حيث يقول تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، مشيرا إلى أن الصحة والعافية من أعظم نعم الله تعالى على عباده، فيقول صلى الله عليه وسلم: "اسألوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية"، ومن صور الحفاظ على نعمة الصحة والعافية الأخذ بأسباب الوقاية، فالوقاية خير من العلاج، بل إن الوقاية هي العالج، ولعل من اساليب الوقاية تناول اللقاحات والتطعيمات لمواجهة انتشار الوباء، والتي أكد أهميتها المتخصصون وأهل الذكر.

وشدد على أهمية الإلتزام بتناول اللقاح كإجراء وقائي يحمي من الوباء، ويخفف من حدته، خاصة مع تأكيد الخبراء والمتخصصين من أمنه وفاعليته، منتقداً دعوات المشككين والمروجين للشائعات.

حفظ النفس

ويؤكد الشيخ عبدالحميد الخطيب- الواعظ بمنطقة الإسكندرية الأزهرية- أن الحفاظ على النفس من أسمى مقاصد الشريعة، والأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى تحقيق مطلب الحفاظ على النفس هو واجب شرعي، ولما كان التداوي من الأمراض والأوبئة من سبل الحفاظ على نفس الإنسان من الهلاك، أصبح التداوي وطلب العلاج واجباً شرعياً، لأنه من المقرر شرعاً أن كل ما يُتوصل به إلى الواجب فهو واجب، وقد أكد أهل الاختصاص أن الحصول على اللقاح مما يحفظ النفس من الإصابة، فصار الحصول على اللقاح أمرا واجبا فطلب العلاج أمر واجب لا ينافي التوكل على الله، وقد حث الإسلام على ضرورة أن يأخذ الإنسان بكل أسباب الوقاية عند نزول الوباء حتى يحمي نفسه وغيره.

وأشار الشيخ الخطيب إلى أن الدولة المصرية وفرت اللقاح ويسّرت وسائل الحصول عليه، وفي هذا إحياء للنفس، (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) وأصبح الحصول على اللقاح سهلاً ميسراً، بلا تمييز أو تفرقة.

ودعا إلى عدم الالتفات للشائعات المغرضة التي تدعو إلى عدم تناول اللقاح وتروج الأكاذيب حوله لنشر الخوف والذعر بين الناس، فهؤلاء المرجفون إنما يريدون لنا ولأوطاننا الشر والأذى، ولا يخلو منهم زمان أو مكان، وواجبنا هو عدم الاستماع لهم أو الترويج لشائعاتهم، فإن كان ترويج الشائعات محرماً إلا أن حرمته تزداد عند وقوع الوباء لما في ذلك من نشر الخوف والذعر بين الناس والإضرار بمصالحهم وتعريض حياتهم للخطر.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق