رئيس قسم التاريخ بكلية الدراسات الأفريقية العليا:

الأزهر حصن الشباب الافريقي ضد الجماعات المتطرفة
الدكتور أحمد عبد الدايم في حاره مع عقيدتي
الدكتور أحمد عبد الدايم في حاره مع عقيدتي

حوار: فتحي الدويدي

نحتاج إلي تحركات أوسع بين مسلمي اثيوبيا لتأكيد حقنا التاريخي في مياه النيل

أكد الأستاذ الدكتور أحمد عبد الدايم محمد حسين،أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ورئيس قسم التاريخ، بكلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة ، على دور مصر المحوري والريادي في دعم دول القارة الأفريقية ومساعدتها على الإستقلال والتحرر من الإستعمار.



وقال: مصر قدمت دعمها لدول القارة السمراء في شتي المحالات، مشيراً إلى دعم المؤسسات الدينية في مصر وعلى رأسها الأزهر الذي كللها بتشكيل لجنة للشئون الأفريقية لتدعيم أفريقيا تعليمياً ودعوياً، لتكون مهمتها تعزيز أواصر التعاون بين الأزهر ودول القارة.

وأضاف : واعتقد ان خبراتنا فى العمل الاسلامى فى افريقيا وغيرها، ودور الازهر الشريف، هو الذى يحملنا مسؤوليات جسيمة وجب علينا أن نرسخها فى الاجيال القادمة، ونعمل بإصرار أكثر على انجازها،  فمشاكل البلدان الاسلامية والاقليات كثيرة تحتاج لدعم وتضافر وتعاون، وأعتقد أن اهتمامنا بالدائرة الإسلامية يخدم سياستنا فى الدائرة الافريقية ويعزز مصالحنا.

وشدد في حواره مع عقيدتي بمناسبة يوم أفريقيا الذي يوافق الخامس العشرين من شهر مايو من كل عام ذكري تأسيس فيه تدشين منظمة الوحدة الافريقية فى 25 مايو 1963 من قبل 30 دولة افريقية مستقلة وعلى رأسها مصر.

وأشار إلى أن الامتداد الإسلامي الكبير يقرب المسافات ويؤسس التعاون ويقوى التضامن، مع هذه الدول، لافتاً إلى أن هناك أقليات إسلامية فى بعض البلدان الافريقية تحتاج إلى رعاية وعناية أكثر، وإلى الاهتمام بإصلاح أحوالهم الاجتماعية والثقافية، وفهم العتاد والعدة لأى حركة ولأى تقارب بين الشعوب.

وفيما يلي نص الحوار :

دور تاريخي

ونحن نحتفل بيوم افريقيا، كيف تري دور مصر المحوري التاريخي في دعم دول القارة ؟

في الخامس والعشرين من شهر مايو من كل عام، تحتفى مصر بيوم افريقيا، ذلك اليوم الذى تم فيه تدشين منظمة الوحدة الافريقية فى 25 مايو 1963 من قبل 30 دولة افريقية مستقلة، وخاضت مصر مع شقيقاتها الافريقيات، باعتبارها احدى الدولة الرئيسية المؤسسة للمنظمة، غمار معركة تحرير بقية الدولة الافريقية من الاستعمار حتى انتهت منها مع بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين، ومع تحول منظمة الوحدة الافريقية إلى الاتحاد الافريقى سنة 2002 ظلت مصر تمارس دورها فى دعم افريقيا على كافة المستويات إلا فى الشق الرئاسى، خصوصا وأن الرئيس مبارك لم يشارك فى حضور القمم الافريقية بعد محاولة اغتياله فى اثيوبيا 1995.

 لكن حدث تغير مهم بعد ثورة 30 يونيو 2013، وبعد تجميد عضوية مصر لمدة تقترب من العام، استشعرت فيه الدولة الافريقية خطأها، فأعادت عضوية مصر لتمارس دورها الريادى فى افريقيا منذ عام 2014 وحتى الاًن. فترأست كثير من اللجان وشاركت بقوات عسكرية فى غالبية مناطق النزاع، وأٌلقى عليها حل الكثير من المعضلات والمشاكل، وترأست الاتحاد الافريقى عام 2019 وتحدثت باسم افريقيا فى كثير من المحافل الدولية، وظلت تدعم مسائل التنمية وتقدم المنح التعليمية وترسل الوفود الطبية والمساعدات الانسانية وتعالج الافارقة من فيرس سى وتنشئ المدارس والمعاهد إلى غير ذلك من أمور يعرفها القاصى والدانى فى افريقيا والعالم.

القوى الناعمة

وماذا عن دور المؤسسات الدينية، خاصة الأزهر في دعم هذه الدول والتأكيد علي سماحة الاسلام ؟

تلعب المؤسسات الدينية باعتبارها من أهم القوى الفاعل الناعمة، دورا كبيرا فى افريقيا، فالازهر على سبيل المثال ظل يمارس دوره التعليمى والدعوى فى أفريقيا طيلة القرون السابقة منذ تأسيسه وحتى الآن، والارشيف المصرى ووثائق الأزهر وكتابات الرحالة، تقطع بذلك وتؤكد عليه.

ولو أخذنا تحركات الأزهر فى افريقيا فى الأعوام الستة الماضية لقلنا بأن هناك تحركات دعوية كبرى من قبَل هذه المؤسسة العريقة، وبمطالبات أفريقية كثيرة بضرورة توسيع هذا الدور، كللتها مشيخة الأزهر بتشكيل لجنة للشئون الأفريقية بالأزهر لتدعيم أفريقيا تعليمياً ودعوياً، لتكون مهمتها تعزيز أواصر التعاون بين الأزهر ودول القارة، بل عمل الأزهر على تقديم مزيد من الدعم التعليمى والدعوى لتحصين شباب أفريقيا ضد استقطاب الجماعات المتطرفة.

 والآن يتجاوز عدد الطلاب الوافدين من أفريقيا للدراسة بالأزهر 6164 طالباً وطالبة من 35 دولة أفريقية من الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط، بل يتجاوز عدد طلاب دولة نيجيريا وحدها أكثر من 2030 طالباً. وبذلك تحتل أفريقيا المركز الثالث فى عدد الطلاب الوافدين، بالإضافة إلى باحثى الدراسات العليا، فضلا عن تخصيص أكثر من 562 مبعوثاً أزهريا لـ30 دولة أفريقية، ورعاية 16 معهداً أزهرياً بأفريقيا، من أصل 23 معهداً على مستوى العالم، فضلا عن المنج التعليمية التى أتاحها الأزهر منذ رئاسة مصر للاتحاد الافريقى والتى انتهت فى فبراير 2020 وحتى الان، ناهيك عن القوافل الطبية التى يرسلها الازهر والبعثات الدعوية لتوضيح سماحة الاسلام ورسالته السامية، فضلا عن الكتب الدينية والمصاحف، وهو أحد أهم وأبرز الفاعلين الرئيسيين فى حماية الامن القومى المصرى والعربى والاسلامى.  

ما عن أهمية وجود امتداد اسلامي في دول القارة، لتحقيق التكامل والتعاون من ناحية ومن ناحية أهول لحل المشااكل والخلافات ؟

باعتبار أن غالبية الافريقيين هم مسلمون ومن السنة، ويشكلون 60% من نسبة السكان مقارنة بالأديان الاخرى، فإن هذا الامتداد الإسلامى العريض فى القارة يلقى عناية بارزة من قبل أجهزة الدولة المصرية ومؤسساتها المشتغلة فى افريقيا، وأبرزها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وغيرها، وهذا الامتداد الكبير يقرب المسافات ويؤسس التعاون ويقوى التضامن، ويضمن قاعدة عريضة للحركة والتأثير والتعاضد والتآزر.

 واعتقد انه لو احسن توظيف هذه القاعدة عبر الدبلوماسية الشعبية والرسمية، لوضح تأثيرها أكثر فأكثر، فعلى سبيل المثال اثيوبيا المتعنتة فى موضوع سد النهضة، غالبية شعبها من المسلمين السنة، وبالتالى فإن هؤلاء لا يرضيهم الممارسات التى تقوم بها حكومتهم بشأن مفاوضات سد النهضة، بل ويعلنون عن ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ويعلمون تهرب تلك الحكومة من الوصول لاتفاق ملزم لكل الاطراف.

 فهم كمسلمون لا يرضيهم المتاجرة بحق الحياة على المشاع أمام اعين العالم وبرعاية قوى خارجية لها مصالح تريد أن توظف ورقة النيل من أجل ضمانة تطويع مصر لمصلحتها، وتعمل على إدارة سياستها الخارجية بالضغط عليها بمسألة المياه، لكننا نحتاج إلى تحركات أوسع بين المسلمين الاثيوبيين، وخصوصا من دارسى الأزهر للتوعية بخطورة الأمر، وتذكيرهم بأن مصر بلد الأزهر، وأحد القوى الاسلامية الكبرى الفاعلة فى العالم، وأهم المتحدثين عن قضاياهم، وبالتالى لا يكونوا بعيدين عن المشهد، وأنه لابد من يضغطوا على حكومتهم من أجل إتفاق ملزم ومنصف يضمن وصول المياه لدول المصب بأريحيه كما أراد الله لها أن تصل.  

كان للتجار المسلمين دور مهم في نشر الاسلام في القارة الافريقية، ماذا عن عوامل وأدوات الدعوة إلى الاسلام في وقتنا الحالي في هذه الدول ؟

لعبت التجارة الصحراوية دورا مهما فى نشر الاسلام فى افريقيا، حيث راح التجار المسلمون يقومون بالدور الأهم فى نشر مبادئ الدين الاسلامى الحنيف عبر مناطق السودان الأوسط فى الكانم والبرنو ومناطق السودان الغربى وبلاد التكرور، ونفس الأمر حدث فى شرق أفريقيا وسودان وادى النيل، فكان لمعاملات التجار العرب والمسلمين وامانتهم وسماحتهم فى البيع والشراء وحسن أخلاقهم وسمتهم، الدور الأبرز فى توسيع رقعة الاسلام فى افريقيا. ولعل كتابات الرحالة العرب والاجانب لتشهد بذلك وتتحدث به، حيث ظل التجار العرب والمسلمون حتى نهاية القرن التاسع عشر يلعبون هذا الدور ويقومون به خير قيام. ومع دخول القوى الاستعمارية الاوروبية واحتلالها للأراضى الافريقية انقطع هذا التواصل بين العرب والدوخل الافريقية، لكن شاءت ارادة الله ان تقوم البنية الاساسية الحديثة التى أنشأها المستعمرون من سكك حديدية وطرق ومواصلات، بزيادة نسبة انتشار الاسلام أكثر فأكثر، بسهولة حركة مسلمى تلك البلدان المستعمرة، عبر كافة مناطقهم وخارجها، فاكتسب الإسلام فى ظل الاستعمار الأوروبي مساحات كبيرة، ما كان له أن يكسبها لولا وجود تلك الوسائل الجديد فى النقل والمواصلات. والان اعتقد أن الأمر اصبح أيسر وأسهل فى ظل الروابط الكثيرة بين مسلمى القارة ودعاتها، وكل يوم يدخل فى الاسلام عشرات الافريقيين، ورأينا بأم أعيننا مشاهد كثيرة حول دخول الافارقة افواجا وجماعات فى الاسلام حينما كان العقيد القذافى رئيس ليبيا السابق، يولى عناية بتلك المسألة، واعتقد أننا نحتاج اليوم إلى إنشاء قنوات فضائية تخاطب الشعوب الافريقية بلغاتها، لتكسب المزيد والمزيد من الداخلين فى الاسلام، والى الدعوة الى الاسلام الوسطى غير المتشدد، ونحتاج إلى دعاة مسلحين بالعلم واللغة والخطاب المستنير الفاهم لخلفيات تلك الشعوب وعاداتها وقارئ لتاريخها.

وكيف تقيم أحوال الاقليات المسلمة في بعض الدول الافريقية، وكيف يكون لهذه الاقليات دور في تحقيق التقارب بين الدول الاسلامية والدول التي ينتمون اليها ؟

هناك أقليات إسلامية فى بعض البلدان الافريقية تحتاج إلى رعاية وعناية أكثر، وإلى الاهتمام بإصلاح أحوالهم الاجتماعية والثقافيةأ فهم العتاد والعدة لأى حركة ولأى تقارب بين الشعوب، خاصة وأن غالبية تلك الأقليات تعيش أحوالاً معيشية متدنية وتخضع لمعاملات سيئة فى بعض الأحيان، وأعتقد أن هؤلاء يحتاجون ليس إلى عناية رسمية من أجهزة العالم العربى ومنظمة التعاون الاسلامى فقط، بل إلى اهتمام المنظمات الدعوية الإسلامية وجمعيات الإغاثة الاسلامية والهلال الأحمر وغيرها أيضا.

  تحتضن مصر الآلاف من طلاب الدول الافريقية للدراسة في الجامعات والمدارس، كيف تري أهمية تقديم الدعم لهذه الفئة، كيف تري دورهم في نقل حق مصر في مياه النيل ؟

بالفعل تحتضن مصر عددا كبيرا من الطلاب الوافدين من غالبية الدول الافريية، سواء فى الأزهر أو فى الجامعات ومدارس التعليم المصرى.

 ولعل التوسع فى زيادة المنح التعليمية سواء من الأزهر ووزارة التعليم العالى المصرىة، ومضاعفتها منذ رئاسة مصر للاتحاد الافريقى وحتى الآن، وتدريب الآلااف من الأفارقة فى مصر، ليؤكد بأن مصر كانت ولازالت، هى قبلة أبناء القارة السمراء، فالتوسع فى برامج التعليم والتدريب يقول بأن الادارة المصرية تسعى لأن يكون هؤلاء قادة وسفراء لمصر فى دولهم ويحملون رسالة الدعم والتقارب مع هذه الدولة صاحبة الفضل عليهم.

حرص الإستعمار على أن تخدم المناهج التعليمية التبعية الثقافية له، ما دورنا في دعم التعليم  والثقافة في الدول الافريقية؟
لم يبن الخطاب الاستعماري فى عمومه حول المصالح الاقتصادية للدول الاوروبية فقط، بل امتد لعمق الثقافة العامة للمواطن الافريقى العادي أيضًا، فقد جاء بأساطير مزيفة، استحضرت فخر المستعمرين بانتمائهم للحضارة الغربية وبتفوقهم، متهمًا السكان الأصليين بعدم امتلاكهم لأدوات الثقافة والحضارة، وأن مهمة هؤلاء الاوروبيين تقتضى تمديدها للمناطق التي تسكنها الشعوب البدائية أو شبه البدائية، وعلى هذا فان وعى حركات التحرير الافريقية بهذا الخطاب بفعل الحركة الثقافية الافريقية نجحت فى تقويضه فى مرحلة الاستقلال، لكنه عاد من جديد بقوة بعد رحيل القوى الاستعمارية باتفاقيات عسكرية وتبعية اقتصادية وابقاء مناهج الاوروبيين ولغاتهم فى التعليم، بما أدى الى هذه التبعية الثقافية ممثلة فى الدول الفرانكفونية والانجلوفونية التى نراها.

 ولم تنجح الدول الافريقية بعد الاستقلال فى تقديم مناهج خاصة بها بفعل عبء الديون وفوائدها والحروب الصراعات الدائرة بين شعوبها وقبائلها ومشاكلها العديدة والمتواترة. لهذا نحتاج الى بناء الاستقرار اولا ثم بناء الثقة فى القدرة على رسم سياسة تعليمية مستقلة ترعى مصالح الدول الافريقية ومستقبل ابنائها. واعتقد ان قيمة الدور المصرى وما يبذله الاتحاد الافريقى ليمثل روافع حقيقية فى هذا الأمر.  

وماذا عن دورنا في تقديم الدعم الثثقافي والتعليمي لهذه الدول للتخلص نهائيا من سيطرة الاستعمار الفكري ؟

تلعب مصر دورا كبيرا فى تقديم الدعم التعليمى والثقافى للبلدان الافريقية، كونها تدرك بأن التعليم والثقافة هما الاساس فى عملية التنمية البشرية فى افريقيا وفى غيرها، واعتقد أن الدول الاسلامية فى افريقيا وفى غيرها عليها ان تلعب أدورا مهمة فى هذا الامر، بل إن منظمة التعاون الاسلامى، باعتبارها أكبر هيئة بعد الامم المتحدة، عليها ان تلعب دورها الجيوسياسى والثقافى فى كافة البلدان الاسلامية، وكثير من هذه البلدان موجود فى افريقيا، فحجم العالم الاسلامى يتجاوز المليار ونصف المليار مسلم، لكن وصول هذه المنظمة للشارع الاسلامى فى افريقيا وغيرها، غير محسوس بما يتناسب مع حجم المسلمين عبر العالم. ومطلوب منها أن ترد على كل الشبهات التى تعترض عملها، وتفضح الممارسات التى تطبق تجاه الاقليات الاسلامية. وبالتأكيد إن دور هذه المنظمة كرافعة لشعار التضامن الاسلامى، يتطلب منها تعزيز التعاون والتكافل وتقوية الراوبط بصورة اكثر مما هى عليه. واعتقد ان الدور المصرى فى تقوية هذه المنظمة وتعزيز اهدافها دور معروف منذ ان كانت سكرتارية منظمة المؤتمر الاسلامة موجودة فى القاهرة طيلة الفترة من 1954-1965، ناهيك عن دورها فى اقامة المؤمرات الاسلامية قبل هذا التاريخ وبعده، وكذلك دورها فى مؤتمرات المنظمة القائمة الاًن، التعاون الاسلامى، فهو أمر مهم ويحتاج الى تذكير وتعزيز واهتمام أكثر.

 واعتقد ان خبراتنا فى العمل الاسلامى فى افريقيا وغيرها، ودور الازهر الشريف، هو الذى يحملنا مسؤوليات جسيمة وجب علينا أن نرسخها فى الاجيال القادمة، ونعمل بإصرار أكثر على انجازها،  فمشاكل البلدان الاسلامية والاقليات كثيرة تحتاج لدعم وتضافر وتعاون، وأعتقد أن اهتمامنا بالدائرة الإسلامية يخدم سياستنا فى الدائرة الافريقية ويعزز مصالحنا.


 





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق