الإذن بالذكر.. تثير الجدل بين العلماء
د. أسامة الأزهرى
د. أسامة الأزهرى

الرافضون: ليست من الدين فى شئ

المؤيدون: شرعية لا بدعية

تحقيق: مروة غانم



أثارت تصريحات د. سعد الدين الهلالى حول الإذْن بالذكر، وذكر الله بعدد معين، جدلا واسعا وردود فعل، حيث رفض هذه التصريحات، واستنكر كثيرون تصريحاته حول الصوفية، وأيده أخرون ولكل من الرافضين والمؤيدين أدلته، فماذا قالوا؟

ترجع بداية الموضوع إلى ما نشره د. أسامة الأزهرى- المستشار الدينى لرئيس الجمهورية- على صفحته على الفيس بوك حيث طلبت منه احدى الفتيات إذنا بالذكر، فأجابها بالقبول، وطلب منها ذكر اسم الله "العزيز" بعدد "658" مرة، فضجَّت مواقع التواصل الاجتماعى بعد هذا البوست، واعتبره البعض ضلالات وبدع من الصوفية، مؤكدين أن هذا الكلام بدعة وضلالة ولا أصل لها فى السنة النبوية وخرافة من خرافات الصوفية، فى حين اعتبرها البعض الآخر كرامة ومنزلة رفيعة.

واعترض د. سعد الهلالى- فى حوار تلفزيونى له- مشيرا إلى أن فكرة الإذن بالذكر معروفة عند الصوفية وأنها نوع من الوساطة بين العبد وربّه، مؤكدا أن تحديد عدد معين للذكر ليس من سلطة أحد الا النبى، ورفض الهلالى فكرة العهد الذى يأخذه المريد من شيخه فى الطرق الصوفية واعتبرها كهنوتا مرفوضا ,بل إن وجود الصوفية ليس لكونها صالحة بل لإحداث نوع من التوازن بين الكيانات المختلفة.

حقيقة التصوف

ويصف د. ابراهيم العشماوى- أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر- كلام د. الهلالى عن التصوف بأنه شابه الكثير من الشوائب، فكلامه مبنى على التصوف الرسمى المعاصر، كما أنه لم يذكر فى كلامه مصدرا واحدا يوضح حقيقة القضايا المطروحة من كتب التصوف الأصيلة ولا عن أئمته الكبار الأوائل ،إنما هى استنتاجات عقلية من خلال واقع الطرق الصوفية الآن، لهذا جاءت استناجاته غير صحيحة.

أوضح أن التصوف ليس فكرة جديدة ولا طريقة مخترعة كما أنه ليس شيئا مغايرا للإسلام ولا هو عموم الإسلام بل انه مقام الاحسان من الدين وهو أعلى مراتب الدين، وقد أتفق أئمته على أنه مقيد بالكتاب والسنة النبوية، وأن الرجل اذا طار فى الهواء ومشى على الماء فلا يعبأ به حتى يكون عمله موافقا للكتاب والسنة.

 وشدّد د. العشماوي، على أن مخالفة المتصوفة المعاصرين لهذا المنهج لا يطعن فى صحة المنهج، كما أن أفعال المسلمين لا تطعن فى صحة الدين كدين، والتصوف كعلم يعد مادة دراسية أصيلة، ومقرر أكاديمى معتمد فى أقسام العقيدة والفلسفة بكليات أصول الدين بالازهر، كما أن فكرة "الشيخ والمريد" ليست فكرة كهنوتية كما يزعم الهلالى ،كما أنها لا تخدش مقام التوحيد فى شئ؛ لأن كل شئ لابد فيه من وساطة تدل عليه وترشد إليه، فلا علم إلا بمعلم ولا تربية إلا بمرب ولا طريق إلا بمرشد، هذا فى الدين والدنيا، أما فى الدنيا فالأمر واضح، وأما فى الدين فلا علم لنا بطريق الوصول إلى الله تعالى إلا من خلال الأنبياء والرسل وخلفائهم من العلماء الذين هم ورثة الأنبياء والموقعون عن رب العالمين ،ولهذا اشترطوا فى الشيخ كمال الحال حتى يصلح للدلالة على الله فقالوا: "لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله" لذا لا يجوز صحبة من ليسوا فى موضع القدوة ولا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.

وأشار إلى أن فكرة العهد بين الشيخ ومريده شرعية لا بدعية، والعهد يعنى الإلتزام بين طرفين على شئ مباح وقد شرع الإسلام العهد والوفاء به فى قوله تعالى: ".. وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا"، ويجب على كل مسلم الالتزام بالاذكار الشرعية التى حددها النبى بعددها دون زيادة أو نقصان ؛لأن للأعداد المذكورة فى السنة النبوية أسرار لا يوقف عليها إلا بنور النبوة، أما قضية التزام عدد معين فى الذكر والأذن به للمريدين، فمشروع والدليل على ذلك اختصاص النبى بعض أصحابه ببعض الأسرار فقد اختص أبا هريرة بوعاء من العلم لم يبثه للناس، كما اختص حذيفة بأسماء المنافقين، وهذا أصل يصلح القياس عليه فى مسألة الاختصاص بالأذن.

أنواع الأذكار

ويقول د. عبدالتواب محمد عثمان- أستاذ مساعد العقيدة والفلسفة بجامعة الازهر-: لدينا أذكار مطلقة وأخرى مقيدة, المطلقة لم يحدد لها وقت معين ولا عدد معين، أما المقيدة فقد حدد لها النبى وقتا محددا ،مثل الأذكار دبر الصلوات المكتوبات وأذكار الصباح والمساء وغيرها من الأذكار المقيدة ،كما حدد لها عددا معينا, أما الاذكار المطلقة فللمسلم أن يقول ما شاء منها وقت ما شاء لكن عليه أن يغير من عددها من وقت لآخر حتى لا يحدد شيئا لم يحدده النبى.

أوضح أن مسألة الإذن بالذكر يمكن النظر إليها من منظور السند، فأمة الإسلام تتميز بالسند، فترديد ذكر معين كما كان يقوله النبى بالضبط وبعدد مرات ترديده له هنا لا يكون الأمر إذن بالذكر إنما سند عن النبى وهذا لا فرق بين من يقول الذكر بسند ومن يقوله بدون سند سوى أن صاحب السند متصل مع النبى ولكل منهما نفس الأجر والثواب من الله طالما خلصت النواي .

وأشار إلى أن مسألة الإذن بالذكر ليست من الدين فى شئ ونخشى أن نصل بهذا الأمر إلى مرحلة الكهانة فى الإسلام والتى تعنى وجود وساطة بين الله عز وجل وبين العبد، فالله لم يجعل وساطة بينه وبين عباده سوى أن يبلغ العلماء فقط كلام ربهم كما وصلهم من النبى والتابعين .

أوضح أنه فيما يتعلق بمسألة "المجربات" التى يرددها البعض مثل القول بوجود دعاء معين لفك الكرب على سبيل المثال أو دعاء آخر لقضاء الدين ،وذكره بعدد محدد وقد تحقق المراد بعد قول هذا ،فهذه المسألة وردت عن العلماء قديما لكن الموضوع لا يتعلق بالذكر والدعاء فقط إنما يتعلق بحال قلب من يدعو من حيث الإقبال على الله والإخلاص فى دعائه وتفريغ القلب من كل ما يشغله ويهمه فدعا الله وهو موقن بالإجابة فتقبل الله دعائه وحقق له مراده فى حين التزم شخص أخر بالعدد والذكر لكنه لم يقبل على الله ولم يتضرع إليه حقا فلم يجب الله دعائه ،فالعبرة ليست بالعدد ولا بالذكر وإنما بحال كل إنسان ويقينه فى إجابة الدعاء وصدقه وإخلاصه فى الدعاء.

ما هو الذكر؟

جدير بالذكر أن الإذن بالذكر تعنى ضرورة أن يستأذن المسلم شيخه ليذكر الله بعدد معين من الأذكار أو أن يردد دعاء محددا عدد مرات معينة لا يقل ولا يزيد عنها، كأن يأذن الشيخ لمريده أن يذكر الله باسمه "الكريم" على سبيل المثال "344" مرة، وهذا ما يراه الشيخ إجازة بالذكر ،ولكن ليس هذا شرطا لذكر الله كما يرى العلماء إنما هو أمر يعادل الإجازة فى القرآن الكريم ،فكل إنسان من حقه قراءة القرآن سواء معه إجازة أم لا, بل كل مسلم من حقه أن يقرأ القرآن ما دام على طهارة لكن الإجازة تحقق لصاحبها فضيلة أخرى وهى قراءة القرآن بصورة صحيحة كما قرأه النبى وصحابته والتابعون والعلماء من بعدهم.

وموضوع الإذن بالذكر ليس أمرا مستحدثا إنما هو موضوع قديم مأخوذ عن علمائنا الأوائل خاصة الصوفية فهو من مبادئ علم التصوف والذى يعنى أن يأذن الشيخ لمريده بأذكاره وأوراده, ولا يعنى ذلك منع الناس من ذكر الله ،فعلى الجميع ذكر الله كما يشاءون ووقت ما يشاءون لكن ما يؤكد عليه علماء الصوفية هو أن هناك أذكارا معينة لا تتحقق بركتها إلا بعد إذن الشيخ للمريد، وهذا ما يستنكره البعض ويعتبره نوعا من الوصاية والوساطة بين العبد وربّه، وهذا لا وجود له فى الاسلام, أما الأعداد المعينة لبعض الأذكار ما هى مجربات للعلماء توارثوها وجربوها وانتفع الناس بها وانتشرت بين الصوفية.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق