العلماء فى ندوة"عقيدتي" والأوقاف:

حفظ الأبدان.. مقدم على إقامة شعائر الأديان
العلماء خلال الندوة
العلماء خلال الندوة

د. أحمد على سليمان: الإسلام سبق الحضارات في العناية بصحة الإنسان

د. خالد صلاح الدين: ولي الأمر القائم على شأن الحج له أن يفرض إجراءات تضمن سلامة الأنفس

--------------------

أدار الندوة:

إبراهيم نصر

تابعها: محمد الساعاتى

تصوير: أحمد حسن

--------------------



أكد العلماء المشاركون فى ندوة"عقيدتى" ووزارة الأوقاف، أن الحفاظ على الأبدان مقدم على إقامة شعائر الأديان، وأن ولى الأمر منوط به اتخاذ ما يلزم من تدابير وقائية تحافظ على حياة الناس، وأن البلد المضيفة لحجاج بيت الله الحرام، لها أن تفرض ما يلزم من القواعد المنظمة لفريضة الحج، بما يمنع تفشى الوباء، ويجب على الجميع الالتزام بهذه القواعد، حتى إذا اقتضى الأمر منع الحج أو تقليص أعداد الحجاج، ويحرم الخروج على هذه القواعد.

قالوا: إن جائحة فيروس كورونا المستجد هي الحلقة الأخيرة في سلسلة من الأوبئة التي ضربت العالم قبل ذلك، فعلى الرغم من أنه قتل وأصاب مئات الآلاف حتى الآن، فإنه ليس الوحيد الذي فعل ذلك، فشعيرة الحج تأثرت بعدد من الأوبئة والطواعين، على مدار التاريخ الإسلامي، وقد مر على العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام ظروف وعقبات متكررة حالت بين المسلمين وأدائهم لشعيرة الحج بسبب: إما فقدان الأمن، أو الخوف من الأوبئة والطواعين والأمراض الخطيرة.

أقيمت الندوة برعاية د. مختار جمعة- وزير الأوقاف- تحت عنوان: "الحج فى زمن الأوبئة"، وحاضر فيها د. أحمد على سليمان عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، د. خالد صلاح الدين حسونة رئيس الإدارة المركزية لشؤون المساجد والقرآن الكريم بوزارة الأوقاف، وأدارها الزميل إبراهيم نصر مدير تحرير "عقيدتى".

تساءل د. على سليمان: لماذا خلقنا الله؟ وما الغاية من وجودنا في هذه الحياة؟ فأجاب: أولا: خلقنا الله، لكي يكملَ بعضنا بعضا، لنتكامل جميعا من أجل إعمار الكون وإسعاد الحياة بمنهج الله.

ثانيا: إن الغاية من وجودنا في هذه الحياة، تتمثل في: عبادةِ الرحمن وهي الغاية الكبرى، وعمارةِ الأكوان، رعايةِ الإنسان، وعبادة الرحمن تتطلب شخصيات قوية في إيمانها، قوية في أخلاقها، قوية في أجسادها.. نريد مسلما تجري في عروقه دماء الصحة والقوة والسلامة والعافية والأخلاق والإبداع والإتقان والإحسان، وكذلك الحال في عمارة الأكوان وأيضا في رعاية الإنسان.

إذًا فإن تحقيق هذه الغايات يتطلب الحفاظَ على النفس البشرية عمومًا، وعلى الصحة العامة خصوصا،

لذلك تتضافر كثير من الآيات القرآنية مع الأحاديث والتطبيقات النبوية والقواعد الفقهية لتكوين منهج الطب الوقائي في الإسلام، والذي يعد سبقًا حضاريًّا وإنسانيًّا في العناية الفائقة بصحة الإنسان والحفاظ عليها. لذلك نجد التشريعات الإسلامية وهي كثيرة جدا تضمن: ديمومة السلامة والوقاية، تجنيب الناس العدوى والمخاطر، الأمر بالعلاج من المرض عند وقوعه لا قدر الله.

ونخلص من ذلك إلى أن الله أمر بالحفاظ على النفس البشرية، وجعل لها حرمة وقداسة، وحرَّم الاعتداء عليها بأي صورة من صور الاعتداء.

سلسلة من الأوبئة

 أضاف د. سليمان: إن جائحة كورونا هي الحلقة الأخيرة في سلسلة من الأوبئة التي ضربت العالم قبل ذلك، وإن شعيرة الحج تأثرت بعدد من الأوبئة والطواعين، على مدار التاريخ الإسلامي، وقد مر على العالم الإسلامي منذ فجر الإسلام ظروف وعقبات متكررة حالت بين المسلمين وأدائهم لشعيرة الحج بسبب: إما فقدان الأمن، أو الخوف من الأوبئة والطواعين والأمراض الخطيرة. ورسول الله تحدث عن الطاعون والوباء، ووضع معايير الحجر الصحي قبل العالم كله بمئات السنين، وقبل أن يحدث طاعون أصلا في بلاد المسلمين. فعن أسامة بن زيد- رضي الله عنه- قالَ رَسولُ اللَّهِ: "الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ علَى طَائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ -أوْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ- فَإِذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ، فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ وأَنْتُمْ بهَا، فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه" (أخرجه البخاري)..

ونظرا لتعرض الحج والمسلمين لمثل هذا الوباء عبر التاريخ، فقد تَكوّنت لدى المسلمين خبرةٌ عملية واجتهاداتٌ فقهية معتبرة، تؤكد عالمية الإسلام، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وقدراته الخلاقة على التعاطي مع المشكلات والتحديات والجوائح، وتفعيل الرخص لرفع الحرج والمشقة، ومظاهر التيسير التي تفضل الله تعالى بها علينا؛ للحفاظ على النفس البشرية.

وشعيرة الحج من الشعائر الإسلامية السنوية الكبرى، وهى الركن الخامس من أركان الإسلام، ومن رحمات الله بالمسلمين أنه فرضها على القدرة والاستطاعة، قال تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا" (آل عمران: 97)، وحديث: "إنَّ الإسْلامَ بُنِيَ علَى خَمْسٍ: شَهادَةِ أنَّ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، وحَجِّ البَيْتِ" (أخرجه الإمام مسلم)، وهذه الشعيرة واجبة على المسلم القادر عليه المستطيع لأداء شئونه ومناسكه وتكاليفه.

والقول الفصل في هذا الوباء الخطير وغيره، منوط أولا بأهل الذكر، وهم الأطباء، وعلى جماهير العلماء الاحتكام إلى القواعد الفقهية المساعدة في ضبط النازلة، ومحاولة تنزيل الأحكام الشرعية عليها بشكل دوري، تعاطيا مع التطورات والمستجدات من خلال: القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والاعتماد على مقاصد الشريعة الإسلامية والقواعد الفقهية.

طاعة ولي الأمر

أوضح أن طاعة ولي الأمر واجبة، ولولي الأمر ما يلي: أن يسِّنَ من التشريعات ما يحقق المصلحة العامة. وله أن يُصدر من القرارات التي من شأنها منع تفشي الأوبئة. وله إلزام الناس بالتداوي في بعض الأحوال، مثل: الأمراض المعدية. وله عزل المصابين بالمرض المعدي، إذا ثبت يقينا أن مرضهم سيهدد سلامة المجتمع. وله إلزامهم بالتحصينات، إذا قرر أهل الذكر وجوب ذلك. وعلى عموم الناس، الالتزام بتعليمات ولي الأمر. وعلى جماهير الأمة كثرة الدعاء والاستغفار حتى يرفع الله الغمة عنا وعن العالم.

وقد قرر العلماء والفقهاء أن تحقيق المصلحة العامة للمجتمع بالوقاية والسلامة من الوباء، مقدمةٌ على تحقيق مصلحة الفرد في أداء فريضة الحج، فحفظ الأبدان مقدم على شعائر الأديان، وأن الدين قائم على اليسر ورفع المشقة، وأن الرخص الشرعية ومظاهر التيسير من أجلِّ نعم الله تعالى على الإنسان، ويجب أن نطبقها بضوابطها، لاسيما في مثل هذه الظروف.

التميز باليسر

وأكد د. خالد صلاح الدين أن الشريعة الإسلامية تميزت باليسر، والمرونة، ورفع الحرج عن الناس، ومراعاة أحوالهم وقدراتهم وظروفهم الزمانية والمكانية، حيث يقول عز وجل: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" ويقول نبينا الكريم: "إنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلَجَةِ".

والمتأمل في أركان الإسلام- ومنها الحج- يجد أنها تخاطب المستطيع الذي يقدر على الأداء،   يقول تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"، ويقول نبينا: "بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا"، فالاستطاعة مناط التكليف بعد العقل والعلم، حيث يقول الحق سبحانه: "لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.."

والاستطاعة أنواع؛ منها: الاستطاعة البدنية التي تعني سلامة الجسد عن الآفات المانعة من أداء الفريضة،  فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نَعَمْ"، ومنها: الاستطاعة المالية التي تعني القدرة على نفقات العبادة، فمن لم يجد مالًا للحج سقط عنه الفرض حتى يتوفر له المال.

ومنها: الأمن والأمان للوصول إلى البيت الحرام، سواء أكان أمنًا من عدو، أم أمنًا من الأوبئة، ولما كانت شعيرة الحج  تجمع المسلمين من كل فج عميق؛ أصبح الخطر والضرر على حجاج بيت الله الحرام من أثر الأوبئة وانتشارها وسط الزحام قويًّا، وهو ما  يقتضي منع الناس من أن يخاطروا بأنفسهم إلى التجمعات الكبيرة أيًّا كان نوعها أو بالحفاظ مقصدها؛ لأن حماية النفس من الضرر والهلاك من الكليات الست التي جاءت الشريعة عليها؛ ولذا كان لولي الأمر القائم على شأن الحج أن يتخذ من الإجراءات ما يضمن سلامة الأنفس، كما لسائر الدول أيضًا أن تتخذ من الإجراءات ما يؤمِّن مواطنيها، حيث يقول تعالى: "وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، ويقول: "وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا".

أوضح د. خالد أن من جمال الشريعة أنها عظمت من أمر النية، "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا"، ويقول نبينا: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى"، فكل إنسان مأجور بنيّته، ومن هنا فينبغي للإنسان أن يحسن التجارة مع الله؛ فإذا حيل بينه وبين عبادة لعذر، فعليه أن يغتنم غيرها  فالإسهام في مواجهة الأوبئة بتوفير الأجهزة أو المستلزمات الطبية للمستشفيات، أو دعم الفقراء والمساكين فله أجره وثوابه، يقول الله تعالي: "وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا" وقد قدَّمَ نبينا قضاء حوائج الناس على الاعتكاف في مسجدِه، فقال: "أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي: مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا".





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق