هيرمس
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

بعد أن حققت شهرة عالمية صناعة الخزف في جراجوس تواجه شبح الاندثار

لا تزال قرية "جراجوس" الواقعة جنوب مركز قوص. بمحافظة قنا. صاحبة الشهرة الأوسع في صناعة الخزف التي نقلت القرية من المحلية إلي العالمية. خاصة مع وجود مصنع للخزف شاهد علي مراحل تطور الصناعة قبل أن يتم إغلاق المصنع الأيام الماضية ويتم طرد من فيه من فنانين استنادًا لحكم قضائي لصالح المطرانية صاحبة الأرض المقام عليها المصنع لتواجه الصناعة الأقدم في جراجوس.. شبح الاندثار!



نزاع قضائي يتسبب في إغلاق المصنع .. والفنانون يستغيثون للحفاظ علي الحرف التراثية

 

البنايات القديمة للمصنع تحكي تاريخ إنشاء المصنع الذي أنشئ في عام 1954م وكان صاحب الفكرة الراهب الجزويتي "اسطفان دي مونجلوفييه". بينما قام بتشييده المعماري الشهير المهندس حسن فتحي صاحب تجربة العمارة الشعبية.. وأخذ أربعة من الفنانين العمل بهذا المصنع حتي اكتسب شهرة عالمية علي مستوي الوطن بل وعلي مستوي العالم.


ويؤكد المؤرخون أن الأب "هنري أمين عيروط" مؤسس الجمعية الكاثوليكية للمدارس المصرية "جمعية الصعيد للتنمية حالياً". يعد أول من لفت النظر إلي قرية "جراجوس" بمركز قوص. حيث أقام في القرية موفدًا من "الجزويت" وأنشأ بها مدرسة ابتدائية. وفي عام 1945م جاء راهبان من الجزويت. حيث تعلما العربية وأحبا جراجوس وأقاما بها واستأنسا بأهلها.


وحاول الفرنسيون تنمية القرية من خلال آباء الجزويت الوافدين للكنيسة الكاثوليكية. لتبدأ فكرة إقامة مصنع الخزف بالقرية علي يد مسيو "لوفريه" أحد أفراد البعثة الأثرية. ولها الأب "مونجولوفييه" الذي استعان بالمهندس حسن فتحي لبناء هذا المصنع بالقباب الطينية. وقد نجح عدد من الفرنسيين والسويسريين. في تعليم أبناء القرية صناعة الخزف بكافة جوانبها الحرفية والكيميائية والتشكيلية بداية من عام 1955م حتي اكتسبوا مهارة عالية. مكنتهم من إقامة أول معرض لهم بالقاهرة في تلك الفترة حتي ذاع صيت المصنع نظرًا لجودة منتجاته التي كانت شاهدًا علي عبقرية الفنان الجنوبي. قبل أن يواجه المصنع أزمة الإغلاق خلال الأيام القليلة الماضية.

 

"الجمهورية أون لاين" قامت بزيارة إلي قرية جراجوس لترصد عن قرب أزمة إغلاق مصنع الخزف ومدي تأثير ذلك علي الصناعة التي اشتهرت بها القرية علي مر العصور. حيث قال فواز سيدهم - أحد الفنانين الشركاء في المصنع - أن المصنع اغلق أبوابه قبل أيام. وذلك بعد نزاع قضائي استمر لعدة أشهر بين المؤسسين من الفنانين التشكيليين والكنيسة الكاثوليكية ليصدر حكم قضائي بأحقية الكنيسة بالمصنع. وتواجه صناعة الخزف شبح الاندثار رغم أنها تعد واحدة من أهم الصناعات الشعبية والتراثية التي لا يخلو منزل في صعيد مصر من منتجاتها التي تصل إلي نحو 36 دولة حول العالم.


وأوضح أن بداية تأسيس المصنع بدأت علي يد الراهب الفرنسي ستيفان ديمون. عندما قرر إدخال نشاط آخر بجوار حرفة الزراعة التي كانت الوحيدة لأهالي قرية جراجوس. فبدأ إنشاء مصنع للخزف. والذي تم تصميمه بنظام القباب ليتحمل حرارة الجو القاسية بصعيد مصر أثناء العمل. وبعد فترة من إنشاء المصنع ورواج منتجاته بين السائحين. ذاع صيته ليصبح منتجًا عالميًا له اسمه المميز في مختلف بلدان العالم بفضل جودة وتميز منتجاته التي ما أن يشاهدها المواطنون إلا ويعرف الجميع أنه "صنع في جراجوس.. كما شهد المصنع زيارات مهمة لشخصيات محلية ودولية. أبرزها زيارة ملك وملكة السويد عام 1986 وعدد من الوزراء المصريين ونجوم الفن والأدباء والمثقفين.


أضاف قائلا "أن المصنع تحول إلي واحدً من أهم معالم محافظة قنا. وبعد رحيل الجالية الفرنسية التي كانت تدير المصنع. أحيلت مسؤولية المصنع للعمال الموجودين بالمصنع وتولوا الاهتمام به واستكمال العمل. وإشهار المصنع كشركة مصرية لاستكمال الإجراءات الحكومية والتأمينية.

 

وأشار إلي إنه بعد سنوات قليلة من تأسيس المصنع تم تحرير عقد إيجار بين الكنيسة الكاثوليكية وشركة "ثابت لبيب يوسف لصناعة الخزف" والتي تضم 5 فنانين تشكيليين. وذلك بقيمة إيجارية وقتها 10 جنيهات ونسبة زيادة سنوية وصلت الآن إلي 1100 جنيه كقيمة إيجارية شهرية. وهي نظير إيجار المصنع الذي يقع بداخل أرض مملوكة للإبراشية الكاثوليكية. أما المعدات من أفران وغيرها فهي مملوكة للشركاء من الفنانين التشكيليين.


وتابع قائلا: أن العام الماضي ونتيجة المشكلات التي بدأت تواجه منتجات الخزف وحالة الركود بسبب التسويق لقلة أعداد السائحين وافتقار الدعم المادي من الجهات المسئولة. وخروج قرية "جراجوس" من خريطة المزارات السياحية المصرية أيضا. فقد لجأ المؤسسون إلي فكرة التطوير من خلال توقيع بروتوكول تعاون مع غرفة الصناعات اليدوية لتطوير المهنة وتدريب نحو 25 شابًا وفتاة علي هذه الصناعة التي غزت جميع دول العالم.


وأشار إلي أنه بمجرد تغيير أحد الأفران التي تعمل بالمازوت واستبدالها بالغاز الصديق للبيئة فوجئنا بالكنيسة الكاثوليكية تقيم عددا من الدعاوي القضائية أمام إحدي المحاكم لفسخ عقد الإيجار. وعقب صدور الحكم لصالح المطرانية تم إغلاق المصنع وتشريدنا وأسرنا.


وأكد الفنان اسحق يوسف - نجل أحد الشركاء بالمصنع- إن مصنع الخزف كان يعد أحد أهم القلاع الصناعية اليدوية وكان يعمل به العشرات من الفنانين والمبدعين الذين حملوا علي عاتقهم رسالة الفن. وهذه الصناعة التي جعلت من قرية "جراجوس" محط أنظار العالم لأهمية منتجاتها من أوان فخارية وأدوات منزلية كأطباق الأكل والسرافيس وتماثيل يتم اقتنائها من قبل السائحين الذين كانوا يزورون الصعيد قبل تفشي وباء كورونا وتأثر الحركة السياحية. بالإضافة إلي معرضين يقامان في القاهرة والإسكندرية سنويا للترويج لهذه المنتجات. وبإغلاق المصنع نعلن اندثار اخر الصناعات الشعبية اليدوية. وتشريد أكثر من 30 أسرة أصبحت بدون عائد مادي.


وأشار إلي أن صناعة الخزف تمر بعدة مراحل حتي تصل لمرحلة التشكيل في القوالب أو علي عجلة الفخار. ويديره الجالس بالقدم اليسري فيلف معه فيقوم بتشكيل المادة ثم يتم التوقيع أسفل المنتج باسم القرية بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية سواء بالكشط بعد الدهان أو بالكتابة علي السطح الفخاري المحروق فهي تعني أنه "صنع في جراجوس" فأصبحت كعلامة منتج عالمي يسعي لاقتنائه الأجانب كذكري من مصر الحضارة والتاريخ.


أضاف: أن المصنع كان في الماضي ينتج التماثيل سواء لشخصيات أو أشكال مجسمة عبارة عن جماد أو حيوان وبيعها للسائحين وكذلك أطقم الشاي والسفرة. أما الآن فقد تغير الحال وأصبح المصنع ينتج الأطقم فقط.. يقول إن المصنع يتكون من ثلاث بنايات: الأولي منها للمعرض. والثانية لفرن الحرق. والثالثة لأعمال تشكيل الطين والرسم. حيث تبدأ طريقة التصنيع من مخزن الطين. بوضع الطين في أحواض متصل بها برميل مثبت عليه موتور يقوم بضخ المياه في البرميل الذي يتصل بثلاثة أحواض عن طريق مجري حتي يترسب الطين في الحوض وتتكرر هذه العملية لمدة خمسة عشر يومًا. ثم يترك في الهواء حتي يجف من الماء. ثم يقسم إلي مربعات. ويؤخذ إلي مخزن الطين ويرش بالماء ويخرج من طاقة إلي حجرة التشكيل ويخلط الطين لمدة ساعة.


وأكمل قائلا: عقب ذلك يتم التشكيل إما علي هيئة تماثيل أو علي هيئة دوائر تتم علي دولاب. ثم يجفف حيث تقل نسبة الرطوبة في المكان بعشر درجات نتيجة ثلاجة صناعية عبارة عن حائط مفتوح من الخلف وتحته حوض ماء به قطع من الفخار ويغمر الحوض بالماء. ثم يتجه الإنتاج نحو الفرن ليحرق علي مرحلتين. المرحلة الأولي يخرج علي لون البسكويت ثم يدهن ويرسم في حجرة الرسم ويرش ثم يعود إلي الفرن في مرحلة الحرق وهي الثانية لتثبيت اللون في درجة حرارة ألف درجة مئوية ثم ينظف من التراب ويعرض في المعرض تمهيدًا لبيعه للجمهور.


وأشارت ساندي إسحق يوسف - إحدي العاملات في مصنع الخزف وحفيدة أحد الشركاء - إلي أنها كانت تعمل ضمن 25 فتاة للتدريب علي تعلم المهنة من شيوخ الحرفة. مشيرة إلي أنه كان يتم انتاج أواني مطبخ وفازات متميزة. بهدف بيعها وترويجها في المعارض السنوية بجانب العديد من الأعمال اليدوية الأخري التي تصنعها السيدات في المنازل من سجاد وطرح واكسسوارات بهدف تسويقها مع الخزف المنتج لتكون مصدر رزق للعديد من الأسر قبل أن يتم إغلاق هذا المصدر بإغلاق المصنع.


أضافت: أن هناك نوعين يشملهما العمل في صناعة الخزف أولهما الأشكال الصغيرة والآخر في الأشكال الكبيرة. حيث تتمكن الفتاة من اتقان العمل في الصناعات الصغيرة مثل فنجان القهوة. براد الشاي. الفازات. أواني المطبخ. تقوم بتنفيذها بمساعدة والدها الذي يقترح عليها أشكالا جديدة أيضًا أو تعديل في أحد الأشكال. لافتة إلي أن البداية تكون بجلب أحجار الطين من أسوان وتوضع في حوض به ماء ويتم تصفيتها حتي تصبح سائلة بإحدي الأحواض ولمدة تتجاوز الشهرين أو الثلاثة أشهر. ثم يتم تصفيتها من الهواء عن طريق الضغط عليها لتصبح جاهزة للعمل.


وذكرت: أن هناك نوعين من الدولايب التي تعمل عليها. أحدهما يدوي والآخر بالكهرباء ويتميز اليدوي عن الكهرباء باستمرارية العمل حتي في وقت انقطاع التيار الكهربائي وكذلك التمكن من القطعة في اليد. لافتًة إلي أن تسويق المنتجات شهد كسادًا كبيرًا نتيجة تفشي وباء كورونا وما زاد الطينة بلة إغلاق المصنع لتواجه الصناعة شبح الاندثار. مطالبة بتدخل مجلس الوزراء لإيجاد حل عاجل من أجل الحفاظ علي هذه الصناعة التراثية التي تشتهر وتتميز بها قرية جراجوس.


وقال مصدر داخل المطرانية - طلب عدم ذكر اسمه - إن مستأجري المصنع قاموا بالتلاعب بالأفران بحجة التطوير ولذلك تم مقاضاتهم. مؤكدا أن المصنع وما بداخله من معدات مملوك للكنيسة ولذلك صدر حكم قضائي لصالح الكنيسة. مشيرًا إلي أن المصنع سيتم تطويره عن طريق المطرانية. ولن يتم تغيير نشاط المصنع وسيتم افتتاحه بعد عمل دراسة وتطويره للحفاظ علي صناعة الخزف من الاندثار.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق