الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات
    مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

إيـاد أبــو الحجــاج

رئيس التحرير

عبد النبي الشحـــات

مس حميدة .. وسائق التوكتوك

بقلم  - محمد عبد الكريم 

احيانا اقوم بتوصيل بناتى الى المدرسة ، بديلا عن والدتهن ، والمدرسة ليست ببعيدة ، انها تقريبا فى محيط المنزل ، غير اننى اتريض قليلا اثناء عودتى  من طريق اخر متأملا وجوه الناس صباحا ، والتى تعكس كثيرا من الآلام ، وقليلا من البسمات والرضا ، واحيانا اجد الأمر بالعكس كثيرا من علامات الرضا بالرغم من وجود وشمات للألام محفوره على وجوههم .
 



ويظهر ذلك واضحا من قسمات وجوه الناس المتغيرة ، غير اننى لا اعرف لذلك سببا .. ربما تغلب البسمات على ملامح الناس اول الشهر وتختلف عن بقية ايامه .. !
المهم هالنى حادثة تصادم بسيطة بين توكتوك  وسيارة ملاكى كادت ان تقلبه فى الطريق .. قائد التوتوك رجلا يبدو انه فى نهاية العقد الخامس من عمره .. غير انه مهندم الملابس وتعكس نظارته الطبية شخصية اخرى ربما يحاول إخفائها عن الناس .. وقائدة السيارة الملاكى فتاة شابة مازلت فى نهاية العشرينيات .. الفتاة مصرة على عقاب سائق التوكتوك الذى خدش برعونته جانب سيارتها 
.

والسائق المهندم فى ملبسه يتوسل اليها وعينيه تلمعان خلف نظارته الطبية ، ان تتركه يرحل .. اوشك الرجل على الانفجار باكيا ان تتركه لحال سبيله .. ولكنها كعادة النساء استغاثت بالمارة صارخة " صدمنى من الخلف ويريد الفرار " ..! ووجدت نفسى تحثنى على التدخل وانقاذ الرجل ، بأى شيء وبأية طريقة .. أقتربت من الموقعة بدون اى استعداد وبلا اسلحة وانضممت الى طابور المتوسلين للفتاة .. لعلها تعفو عن ضحيتها ، ولكنها ابت .. وفجأة شق الصرخات والتوسلات واصوات مشاهدى الموقعة ، صوت رنين تليفون السائق المهندم .. صمت الجميع .. فقد اتخذ الرجل وضعية القيادة و انتفخت اوداجه واعتدل فى وقفته وتغير صوته .. واغلق فيضان توسلاته .. وصرخ عبر الموبايل " ايوه يا مس حميدة ..

انهى الطابور المدرسى .. واعزفوا النشيد الوطنى .. وقوموا بتحية العلم .. وتأكدى من بدء الحصص الاولى فى كل الفصول .. لن اتأخر وسوف اعود فى الحصة الثانية " اغلق الخط وبهت الجميع ..! وارتسمت علامات الدهشة على الفتاة وطابور المتوسلين وانا معهم .. وتبين ان السائق المهندم ناظر مدرسة ابتدائية .. ومدرس قدير  ، جرمت نفسه وعقيدته الدروس الخصوصية ،

واحلت له قيادة التوكتوك ، بحثا عن توسعة فى الرزق بلا ظلم لأحد  من طلابه او اسرته على حد سواء .. وتكالبنا على الفتاة والتف المشجعون والمتوسلون حولها راجين ان تتركة لحياته ولكنها ابت ..!
واصرت وكل خلجات وجهها تهتز ، ان تدفع له كامل تكاليف تصليح التوكتوك .. وبنفس صافية  اصطلحا قادة المركبات المتصادمة .. السائق المهندم وفتاة الملاكى .. وذهبا كلا فى طريقه .. وعدت الى منزلى وكتبت هذه السطور .. وانا اتذكر  ملامح ذلك الرجل .. الجدع ، الذى أرتضى لنفسه قيادة مركبته المتقزمة بطبيعتها صباحا ومساء ، بعد انتهاء اليوم الدراسى .. وبين القيادتين ، يقود جيلا من الشباب نحو مستقبلهم ، ويمنحهم شعورا بالانتماء لمصر ، لم يفقده يوما برغم ظروفه القاسية .. انه يعيش من اجل اسرته .. ويتنازل عن هيبة وظيفته لأجل مستقبل ابناؤه .. ويبنى بمبادئه عقيدة جيلا من التلاميذ ، انه بطل ومثله ابطال كثيرون يعيشون بيننا ولانراهم .. إلا صدفة





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق