هيرميس

واش( Wash)

ويليام فوكنر( William Faulkner) الجزء الثالث

1897

ترجمة : د. رويدا جابر



قال واش بنفس نبرة الصوت الهادئة المنخفضة" سأجعلك أكثر احترافية، يا كيرنل."

رفع ستوبن يديه التي تمسك بسياط الركوب؛ تحدق المرأة الزنجية العجوز النظر حول الباب المتصدع وتدور بوجهها البشع الذى يشبه القزم الخرافى البالى. قال ستوبن،" عد للخلف يا واش. ثم ضرب الأرض بسياطه. انبطحت العجوز الزنجية أسفل بين الحشائش  وجرت بعيدا بخفة تشبه خفة العنزة. شج ستوبن وجه واش ثانية بالسياط، وضربه على ركبتيه. عندما نهض واش وتقدم أمسك بالمنجل الذى كان قد اقترضه من ستوبن منذ ثلاثة أشهروالذى لم يعد ستوبن أيضا في حاجة إليه.

عندما عاد إلى البيت ثانية  ثارت حفيدته فوق سرير القش ونادت عليه بحدة قائلة:

" ماهذا الذى حدث؟"

" ماذا حدث، يا عزيزى؟"

" ما هذه الضوضاء التي كانت هناك؟"

أجابها بلطف:" لا شيء" جلس على ركبتيه ومسح بيديه جبهتها الساخنة قائلا" هل تريدين شيئا ما؟"

أجابته بشىء من الإبرام" أريد شربة ماء." أرقد هنا منذ وقت طويل في انتظار جرعة ماء، ولكن لا أحد هنا يعيرنى اهتماما."

أجابها بهدوء" صه الان." نهض بشىء من التصنع وأحضر  انية الماء ورفع رأسها كى تشرب ثم أرقدها ثانية فوق السرير ونظر إليها وهى تتحول إلى طفلة ذات وجه يشبه الحجر. ولكن بعد لحظة راها تبكى بهدوء. قال" الان، الان" لن أفعل  ذلك." يقول ديسى الحكيم “ساند الحق أيتها الفتاة الطيبة." " واجه الجميع الان”. " واجه فلم يعد هناك حاجة للبكاء."

ولكنها ظلت تبكى في هدوء وبتجهم، ونهض ثانية ووقف قلقا فوق سرير القش للحظة وتذكر ما كان يجول برأسه عندما كانت زوجته ترقد في نفس حالة ابنته: " المرأة. لغزا بالنسبة لى. يبدو أنهم يريدونهم ومع ذلك عندما يحصلون عليهم  يصرخون من الصدمة. إنها تمثل لغزا بالنسبة لى. لأى رجل." ثم انصرف بعيدا وأمسك بكرسى وجلس بجوار النافذة.

جلس منتظرا، بجوار النافذة طوال هذا النهار الساطع والمشمس . بين الحين والأخر ينهض ويمشى على أطراف أصابعه ناحية سرير القش. ولكن حفيدته خلدت إلى النوم الان، وجهها عبوسا هادىء ومتعب، الطفل الذى بين ذراعيها. ثم عاد ثانية إلى المقعد وجلس منتظرا ، ومتعجبا لماذا استغرقت وقتا طويلا حتى تذكر أنه كان يوم الأحد. كان يجلس هناك في منتصف النهار عندما جاء ولد أبيض غير بالغ إلى جانب المنزل فوق الجسد ,عندما اختنق بالبكاء  ونظر بشىء من الافتتان إلى واش في النافذة قبل أن يلتفت ويختفى. ثم نهض واش ومشى على رؤوس أصابعه ثانية نحو سرير القش.

كانت الفتاة مستيقظة في ذلك الوقت، ربما أرقت نومها صرخة الولد بدون أن تسمعها. قال لها " هل أنت جوعانة يا ميلى؟"  حولت وجهها عنه ولم تجبه. أشعلت نيران الموقد وطهت الطعام الذى كانت أحضرته إلى المنزل قبل يوم: كان لحم خنزير، وعظم ذرة بارد؛ قام بصب الماء في إناء القهوة وقام بتسخينها. ولكنها لم تأكل عندما حمل إليها طبق الطعام، ولذا فقد أكل بمفرده بهدوء، وترك الأطباق كما كانوا وعاد إلى النافذة.

بدأ الان يشعر ويلمح الرجال الذين بدؤوا يتجمعون  برفقة جيادهم وأسلحتهم وكلابهم- الفضول والرغبة في الانتقام: كانوا نفس رجال ستوبن هم الذين تجمعوا حول مائة ستوبن في الوقت الذى بدأ واش يقترب من المنزل أكثر من شجرة العنب- الرجال الذين أبدوا الأصغر كيف تحارب في المعركة، والذين ربما قاموا بتوقيع الأوراق من الجنرالات قائلين أنهم كانوا بين البواسل الأول؛ والذين عدوا في الأيام الماضية بكبرياء وفخر على ظهور الخيول خلال المزارع- رموز الإعجاب والأمل؛ أدوات اليأس والأسى أيضا.

ولذا فقد توقعوا منه أن يفر أمامهم. بدا له أنه لم يعد لديه المزيد ليفر أكثر من أن ينكب على العمل. إذا فر ، ربما يكون بإمكانه الهروب بشكل مجرد بشىء من الثرثرة وظلال الشر لاخر مثلهم، لأنهم جميعهم من نفس الفصيلة على سطح الكرة الأرضية التي عرفها، وكان هو متقدم في العمر، متقدم جدا في العمر ليهرب بعيدا حتى لو لم يكن أمامه خيارا سوى الهروب. لم يستطع الهروب منهم، اليس مهما كم الثمن أو على أي مدى ابتعد : فرجل في الستين من العمر لن يستطيع الجرى بعيدا. ليس بعيدا على نحو كاف ليهرب وراء حدود الأرض حيث يعيش البشر، حيث نظام الأحياء وقوانين العيش. بدا له أن رأى لأول مرة، بعد خمس سنوات، كيف خطط  اليانكيز أو أي من الأحياء على الأرض لإبادتهم: الشجاعة والفخر والبسالة؛ الأفضل والمتعارف عليه بينهم جميعا هو أن يتسموا بالشجاعة والفخر والكبرياء. ربما لو ذهب إلى الحرب معهم فسيكتشفهم عاجلا. ولكن لو اكتشفهم عاجلا، ماذا سيكون بإمكانه أن يفعل في حياته حينها؟ كيف يمكن له الانتقال ليتذكر لمدة خمس سنوات ماذا كانت حياته من قبل؟

بدأت الشمس في الأفول الان . أخذ الطفل بيكى ؛ عندما اتجه إلى سرير القش رأى حفيدته  ترعاه؛ مازال وجهها مرتبكا، ,ومتجهم، ,ومبهم. قال لها :" هل أنت جائعة؟" 

" لا أريد شيئا."

" لا بد أن تأكلى."

لم تجبه على الإطلاق في هذا الوقت، ونظرت أسفل نحو الطفل. عاد إلى مقعده ووجد أن الشمس قد رحلت."  اعتقد أنه "لم يعد هناك المزيد."شعر بأنهم قريبين الان، الشغف والانتقام. وبإمكانه أيضا الاستماع لما كانوا يقولونه عنه ؛المغزى الخفى وراء غضبهم الشديد والحالى عليه:  سقط جونز واش العجوز في النهاية. اعتقد أنه سيطر على ستوبن، ولكن ستوبن خدعه. اعتقد أنه سيطر على كيرنل حيث يجب عليه الزواج من الفتاة أو الانصراف. ورفضت كيرنل. صرخ بصوت عالى" ولكننى لم أتوقع هذا أبدا، يا كيرنل"، ثم خفض صوته، و رمق بنظره سريعا ليجد حفيدته ترقبه.

 قالت له: " إلى من تتحدث الان؟"

" لا يوجد أحد . كنت أفكر فقط ثم تحدثت بصوت عال بدون أن ألحظ ذلك."

أصبح وجهها شاحبا ثانية،  وباهتا في الشفق." أعتقد ذلك.أعتقد أنك ستضطر للصراخ عاليا أكثرمن قبل وسوف يستمع إليك هو، هنالك في هذا المنزل. أعتقد انك ستحتاج للصراخ بصوت أعلى مما مضى قبل أن تنزله هنا أيضا."

قال لها:" اصمت الان،" لا تقلقى لا شيء." ولكنه بالفعل كان مستمرا بالتفكير بسلاسة:" أنت تفهمين أننى لا أفعل هذا مطلقا. أنت تعرفين أننى لا يمكننى توقع أو طلب أي شيء من أي مخلوق سوى ما توقعته منك. وأنا لم أطلب هذا أيضا. لم أعتقد أن الضربة ستحتاج هذا. قلت،أننى لست بحاجة إلى هذا.  ما حاجة رفيق مثل واش جونز لسؤال رجل أو الشك فيه بأن الجنرال لى بنفسه قال في شهادة مكتوبة بخط اليد بأنه كان شجاع؟   اعتقد أنه" شجاع"." الشىء الأفضل إذا لم يرجع أحدهم إلى المنزل ثانية في" 65"؛ اعتقد أنه من الأفضل لو لم يتنفس هو و عشيرته أيضا نسيم الحياة على هذه الأرض. من الأفضل لو أن كل من بقى منا عصفت به الحياة من وجه الأرض أكثر من أن يرى واش جونز حياته كاملة تتمزق  وتضيع مثل قشرة جافة تلقى في النيران.

توقف وظل ساكنا.  فجأة وبوضوح ،سمع الخيول؛ توا شاهد المصباح وحركة الرجال، وانطلق وميض السلاح النارى، في ضوئها المتحرك. ومع ذلك لم يهتاج.كان الوقت ظلام إلى حد ما الان،واستمع إلى أصوات الخمائل لأنهم أحاطوا المنزل. ملأ نور المشكاة المكان ؛ سقط ضوء المشكاة على الجسد الهادىء داخل الأعشاب وتوقف، فالخيول ضخمة وظليلة. ترجل رجل وتخلل ضوء المشكاة، فوق الجسد. أمسك مسدسا؛ نهض ووقف مواجها المنزل.

قال" جونز".

" إننى هنا"، قال واش بهدوء من النافذة" إننى هنا"

" هل هذا أنت أيها الرائد؟

"اخرج من هنا."

أجاب بهدوء"اسكت"." أريد فقط رؤية حفيدتى."

" سندعك تراها. ولكن اخرج الان."

" اسكت أيها الرائد. دقيقة فقط."

" أشعل الضوء. أشعل ضوء مصباحك."

" اسكت، في غضون دقيقة ." استطاعوا سماع صوته يختفى داخل المنزل، بالرغم من أنهم لم يستطيعوا رؤيته لأنه اتجه مسرعا نحو شق ( صدع) المدخنة حيث احتفظ بسكين الجزار: الشىء الوحيد في حياته القذرة وفى المنزل الذى شعر داخله بالفخر، منذ أن كانت شفرة حادة . اقترب من سرير القش، صوت حفيدته:

" من هذا؟ أشعل ضوء المصباح يا جدى."

 أجابها هامسا وهو يجثو فوق ركبتيه متلمسا الطريق نحو صوتها :" ليست هناك حاجة للضوء يا عزيزتى. لن يستغرق الأمر سوى دقيقة."أين أنت؟"

أجابته بعصبية" هنا."أين يجب أن أكون؟ ماذا..." لمس وجهها بيديه؟" ماذا... يا جدى!جد..."

قال نقيب الشرطة" جونر! اخرج من هناك!"

قال له" في خلال دقيقة أيها الرائد". نهض الان وتحرك مسرعا.عرف مكان انية الكيروسين في الظلام، وأدرك أنها ممتلئة، لأنها لم تكن كذلك قبل يومين ماضيين إلى أن قام بملئها  داخل المخزن وأمسك بها هناك إلى أن عاد إلى المنزل راكبا لأن خمسة جوالين كانت ثقيلة جدا. كانت مازالت هناك قطع فحم فوق الموقد؛ بالإضافة إلى أن المبنى المتصدع نفسه كان مثل مادة سريعة الاحتراق: انفجرت قطع الفحم، و الموقد، والحوائط  في وهج أزرق واحد.وفى مقابل النيران راه الرجال المنتظرين  يقفز بشكل جامح وسريع أمامهم ممسكا بالمنجل أمام الخيول التي اهتاجت وشبت. كبحوا جماح الخيول ودفعوا بها نحو  الوهج، ولا يزال حتى الان ارتياح جامح وأمامها  الشخص الهزيل يجرى نحوها رافعا المنجل.

صرخ نقيب الشرطة" جونز! توقف توقف، وإلا سأطلق عليك الرصاص. جونز! جونز!" ومع ذلك ظل الهزيل، الشخص الغاضب، يتجه نحو الوهج  وجلبة النيران المشتعلة. رافعا المنجل، تصالحت معهم ومع  أعين الخيول الغاضبة ومع  وميض الأسلحة بدون أي صراخ أو أي صوت.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق