عبور لاند
عبور لاند
مرصد الأزهر ينشر الحلقة الرابعة من سلسلة جماعات القتل باسم الدين حركة الشباب الصومالية

تعاني القارة الإفريقيَّة من تمركز عدد من الجماعات الإرهابيّة المسلَّحة والتي تعمل تحت ستار الدّين، ممثلة للإرهاب الأسود الذي يعدُّ التَّحدّي الأوَّل الذي يواجه القارة حاليًّا. ولقد اتخذ تنظيم "القاعدة" منذ ظهوره على السَّاحة من منطقة القرن الإفريقيّ، وبخاصَّة الصومال، قاعدة محوريّة له ينطلق منها لتنفيذ عملياته في مناطق متفرّقة بشرق ووسط القارة الإفريقيَّة. وما أن خفت نجم "القاعدة" وانكسرت شوكته حتى اتخذ فصيلا منها الصومال قاعدةً له؛ لتعويض ما لم يتمكَّن من تحقيقه تحت راية "القاعدة"، مطلقًا على نفسه المحاكم الشَّرعيَّة، فراح يقتل ويفجّر ويكفّر باسم الشَّريعة، وأشعل حربًا ضروسًا سالت على إثرها دماء آلاف الأبرياء في الصومال وكينيا. 



وظلت الصومال تعاني اضطراب الأحوال الأمنيَّة بفعل ما تقوم به هذه الجماعة، ثم طرأت بعض التغييرات على الجماعة، فأطلقت على نفسها "حركة الشَّباب المجاهدين الصوماليّة"، وأعلنت أنها تدين بالولاء للتنظيم الأم "القاعدة". وما أن تمكَّنت هذه الحركة من السَّيطرة على مناطق بالصومال حتى صارت الخطر الأكبر الذي يهدّد أمن الصومال ودول الجوار.

واضطلاعًا بالدور المنوط بمرصد الأزهر لمكافحة التطرُّف نحو إلقاء الضَّوء على مكامن الخطر في العالم، يقدَّم المرصد هذه الحلقة من سلسلة جماعات القتل باسم الدين والتي تتناول نبذة مختصرة عن هذه الحركة ونشأتها وأفكارها وأنشطتها الإرهابيّة.

 

التأسيس والأهداف:

 

 يعود تأسيس حركة "الشَّباب" الصوماليّة إلى عام 2004، وكانت في البداية الجناح العسكريّ "لاتحاد المحاكم الإسلاميَّة"، خاصَّة في فترة استيلاء المحاكم على جزء كبير من أراضي جنوب الصومال في النصف الثاني من عام 2006. غير أن هزيمة المحاكم أمام الحكومة الصوماليّة المؤقتة وانسحاب قيادتها خارج الصومال، وتحالفها مع المعارضة الصوماليّة في مؤتمر "أسمرا" المنعقد في سبتمبر2007، كانت سببًا وراء انشقاق حركة "الشَّباب" عن تلك "المحاكم"، متهمة إيَّاها بالتحالف مع العلمانيّين والمرتدّين، وانحرافها عن المنهج الإسلاميّ الصَّحيح، والتَّخلي عن الجهاد في سبيل الله -على حدّ زعمها- لذلك يمكن القول: إن النَّشأة الفعليَّة لحركة الشَّباب الصوماليّة، وإعلانها عن نفسها كحركة مستقلَّة كانت في نهاية عام 2007 بقيادة "أحمد عبدي غودني "أبو الزبير".

وجاء ظهور الحركة تحت مبررات إنقاذ المجتمع من الفساد، وإقامة الدولة الإسلاميَّة في منطقة القرن الإفريقيّ لتسويق اسمها وأفكارها، ورفع راية قتال القوات الحكوميَّة، التي وصفتهم بالخونة والمرتدّين، وكذلك الحركات التي لا تتفق مع أيديولوجيتها، والقوات الأجنبيَّة الموجودة في الصومال، لكنها في واقع الأمر كانت أعنف من غرس أنيابه في التاريخ الحديث للصومال عَبَّر استهداف مناطق عديدة داخل وخارج الصومال من خلال سلسلة عمليَّات مروعة راح ضحيتها آلاف الأبرياء خلال الأعوام الماضية.

 

 عناصر "الشباب" وأماكن تواجدها:

 

 الزعيم الحاليّ لحركة "الشّباب" الصوماليّة هو "أحمد ديري أبو عبيدة" والذي خلف "أحمد عبدي غودني" المشهور بـ "الشيخ مختار عبد الرحمن أبو الزبير" والذي تزعم الحركة من 2008 إلى 2014، بعد أن قُتل بغارة جويّة أمريكيّة في سبتمبر 2014 جنوب الصومال، والذي تولَّى زعامة التنظيم خلفًا لـ "آدم حاشي فرح عيرو" الذي لقى حتفه في 1 مايو 2008 في غارة جويَّة على منزله في مدينة "غوريعيل" وسط الصومال.

ضمَّت الشَّبكة مع بداية تأسيسها أعضاء حاليين وسابقين من تنظيم "القاعدة" في شرق إفريقيا، وحظي المحاربون القدامى من أفغانستان بامتيازات داخل الحركة، بناءً على علاقاتهم الواضحة بينهم وبين تنظيم "القاعدة"؛ لتكون هذه هي بداية العلاقة بين الحركة والتنظيم. ويقدَّر عدد مقاتليها في الوقت الحاليّ - حسب إحصائيات دوليَّة – بين 10 آلاف و 15 ألف مقاتل. ويعتقد أن للحركة الإرهابيّة معسكرات تدريب في "إريتريا" يخضع مقاتلوها فيها لدورات تدريبية، يكتسبون خلالها مهارات قتال الشَّوارع والتفخيخ والتفجير، واستخدام الأسلحة الفرديَّة والمدفعيّة. 

وتتخذ حركة الشَّباب الصوماليّة من منطقة "جلب" بولاية "جوبا الوسطى" جنوب البلاد مركزًا للقيادة. وتستهدف بعملياتها كلًا من الصومال، المعقل الرَّئيس للحركة الإرهابيّة، وكينيا المجاورة على الشريط الحدوديّ بينها وبين الصومال. 

وفيما يتعلَّق بالهيكل التنظيميّ للحركة، هناك شبَّه اتفاق على وجود 4 أجنحة أساسية للحركة؛ وهي:  

•    الأول: هو مجلس الشُّورى وهو شبيه إلى حد كبير من حيث الوظيفة والمسؤوليَّة باتحاد المحاكم الإسلاميَّة، ويعدّ أمير الحركة هو رئيس المجلس في نفس الوقت، وله السَّيطرة الكاملة على حركة الشَّباب؛ خاصَّة فيما يتعلَّق في اتخاذ القرارات الجماعيَّة. 

•    الثاني: هو الجناح الدعويّ الذي يهتم بنشر الإسلام -على حد ادعاءاتهم- ولكنه في حقيقة الأمر ما هو إلا جناح لتجنيد ميليشيات جديدة. 

•    الثالث: هو ما يسمي بـ الحِسبة وهي نوع من الشُّرطة الدينيَّة التي يتمثل دورها في مراقبة وصيانة احترام الأحكام والأعراف الإسلاميَّة، وهذا الجناح هو المسؤول عن عمليَّات تدمير الأضرحة الصوفيَّة في منطقة جنوب وسط البلاد. 

•    الرابع: هو الجهاز العسكريّ والذي يتمُّ فيه تدريب الشَّباب عسكريًّا، في عدد من مخيَّمات التدريب المنتشرة في عدَّة قرى لهذه الميليشيات، وهذا الجناح مسؤول عن المئات من الاغتيالات والهجمات، التي استعملت فيها تقنيات التفجير المختلفة كتفجير السيارات المفخخة والتفجير بالتحكم عن بُعد، وأيضا الكمائن والقصف بالهاون والقنابل اليدويّة وطريقة الهجوم والفر.

 

    مصادر التَّمويل:

  تعتمد حركة الشَّباب على بعض المصادر الرَّئيسة في جزء من تمويلها، منها: عمليَّات القرصنة التي تقوم بها الحركة على السفن العابرة لمضيق "باب المندب" بالسَّاحل الإفريقيّ، والذي يحدّه المحيط الهنديّ جنوبًا، والبحر الأحمر شمالًا، والذي يعدّ ممرًا ملاحيًّا مهمًّا في التجارة العالميَّة، ولهذا تستغل الحركة موقع الصومال لتنفيذ العديد من عمليَّات خطف السفن المحملة بالبضائع أو الأسلحة، إلى جانب مطالبتها الحكومات المختلفة لدفع ديات مقابل رهائنها. ومن مصادر التَّمويل أيضًا الأموال التي تتلقاها الحركة من الجمعيات الخيريَّة والأفراد المتعاطفين معها أو المؤمنين بها، والجماعات الإرهابيّة الأخرى، ويتم نقل الأموال إليها عادةً من خلال الحوالة التقليديّ غير الرسميّ، أو من خلال القنوات المصرفيّة العاديَّة، أو عن طريق البريد، وتُنفق الأموال في المقام الأوَّل لدعم أعضاء المجموعة وأسرهم، بالإضافة للتدريب والتوظيف، والأسلحة، والمعدات اللَّازمة. كذلك من بين مصادر تمويلها دعمها المستمر للقبائل الصوماليّة، والتي ينتمي لها قادة الحركة، وتوفر لهم المناخ والجو الملائم للتجارة وتربية المواشي والإنتاج الزراعيّ.

وممَّا يظهر حجم التَّمويل الذي تعتمد عليه الحركة امتلاكها أسلحة ثقيلة تصل لحدّ قذائف الهاون والصواريخ أحيانًا، وأيضًا ظهورها على ساحة الإعلام الإلكترونيّ؛ حيث يقوم موقعها بنشر البيانات الصادرة عن الحركة، وكذا حصاد عمليَّات الحركة شهريًّا.

 

    العلاقات مع أبرز التنظيمات الإرهابيّة الأخرى:

  عُرفت حركة الشَّباب بولائها لتنظيم "القاعدة" منذ ظهورها على ساحة الجماعات الإرهابيّة، وهو ما أعلنته الحركة في أكثر من مناسبة، وهو ما أعلنه تنظيم "القاعدة" نفسه في 9 فبراير 2012 من خلال مقطع مصوَّر لزعيم تنظيم "القاعدة" آنذاك "أيمن الظواهري"، أعلن فيه أن حركة "الشَّباب" انضمَّت رسميًّا لشبكة القاعدة العالميَّة. لكن مع ظهور تنظيم "داعش" الأكثر براعة في استغلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ، وجدت الحركة نفسها أمام تحد كبير بين الثبات على ولائها للقاعدة، وبين إعلانها البيعة لداعش على غرار ما فعلته جماعات وتنظيمات أخرى مثل "بوكو حرام" التي بايعت تنظيم "داعش" الإرهابي، ومن هنا نشب الخلاف داخل الحركة بين مؤيد لمبايعة تنظيم "داعش" الإرهابي ومعارض لذلك، الأمر الذي انتهى بظهور بعض الخلايا التي انشقَّت عن الحركة، وبايعت التنظيم، فصارت توقُّد نار الإرهاب في الصومال، والوطن هو الضحية، حتى باتت الصومال بين نار الشَّباب والمنشقين عنهم، والتي كان أبرزها جماعة جديدة باسم "جاهبا إيست أفريكا" والتي أعلنت بيعتها لزعيم تنظيم داعش وقتها "أبو بكر البغدادي". وهي جماعة تضمّ المنشقين عن "حركة الشباب" من الذين تركوا الحركة بسبب الاختلاف على مبايعة التنظيم، وأعلنوا ولاءهم له.  

وتحظى عمليَّات حركة "الشباب" بالدعم والمساندة من هذه التنظيمات الإرهابيّة في القارة الإفريقيَّة، وهو ما يعدُّ بمثابة تشجيع ودفع نحو تنفيذ الحركة للمزيد من الهجمات الإرهابيّة. بدورها، تقوم الحركة بتقديم الدعم لتنظيمات إرهابيّة أخرى، وهو ما برز في بيانها الموجَّه إلى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" والتي تتمركز في منطقة السَّاحل والصَّحراء، والذي كشف عن دعمها ومساندتها للجماعة ومطالبتها بمواصلة عملياتها مما يؤكد وجود علاقة وثيقة بينها وبين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين".

 

    النشاط والعمليَّات الإرهابيّة:

 رغم تضييق الخناق على حركة «الشَّباب» الصوماليّة من قبل عدَّة جهات سواء من القوات الحكوميّة الصوماليّة والكينيّة والأوغنديّة، أو قوات الاتحاد الإفريقيّ "أميصوم"، أو القوات الأمريكيَّة "أفريكوم"، إلَّا أنَّ الحركة تسعى بين الحين والآخر لإيجاد موقع لها على خريطة الإرهاب في إفريقيا، لا سيَّما في شرق القارة، فلا يكاد يمرُّ يوم دون أن تطالعنا الأخبار بتفجير ‏هنا، وهجوم هناك، ممّا أثّر تأثيرًا كبيرًا على أمنهم واستقرارهم، وجعلهم يتكبّدون في سبيل ذلك رهق التنقل، ووعثاء النّزوح، والهجرة تحت كل سماء، وهو الأمر الذي يتطلَّب مزيدًا من الجهود لمكافحتها والقضاء على طموحاتها ومساعيها.

           والمتابع لأنشطة حركة ‏«الشَّباب» وعملياتها الإرهابيَّة يجد أنها تخوض منذ سنوات حربًا دامية ضدّ حكومة الصومال وشعبها، من خلال تنفيذ العديد من الهجمات على مواقع للجيش والقوات الحكوميَّة، فضلًا عن التفجيرات التي تستهدف مناطق عشوائيَّة في العاصمة "مقديشيو" والتي خلفت العديد من القتلى والمصابين، في محاولة منها لزعزعة ثقة الصوماليّين في دولتهم التي تعاني من أزمات خانقة، فضلًا عن إثارة الرعب في قلوب أفراد الجيش والشرطة. 

وفي تطور نوعيّ آخر، شرعت الحركة الإرهابيّة في استهداف المصالح الأجنبيّة في الصومال، كونها تعتبر وجودها في البلاد مدفوعًا بأطماع متمثّلة في نهب ثروات وموارد البلاد بتسهيلات من الحكومة الفيدراليّة الصوماليّة. 

وتنفذ ‏«حركة الشَّباب» ‏أيضًا هجمات متكرّرة على المدن الكينيّة المتاخمة للحدود الصوماليّة مستغلة الفوضى العارمة والفراغات والاضطرابات الأمنيَّة، ورغم أن خطر الحركة يعدّ أكثر حدَّةً في الصومال وعلى طول الحدود الكينيّة الصوماليّة، إلَّا أن كينيا تعرَّضت لسلسلة من الهجمات خلال الشُّهور السَّابقة في منطقة الإقليم الشَّماليّ الشَّرقي وبصفة خاصَّة مقاطعات "غاريسا"، "وجير"، "مانديرا"، و"لامو" الساحليّة، حيث تُصعِّد الحركة من هجماتها على الأهداف العسكريَّة والمدنيَّة والمقرات الحكوميّة والمؤسسات التعليميّة، كما تقوم بزرع ألغام أرضيَّة هناك لاستهداف الدوريات الأمنيَّة والعسكريَّة، وذلك كردّ فعل على ‏إرسال الحكومة الكينيّة وحدات من قواتها الدفاعيّة إلى الصومال، في إطار التعاون المشترك لمحاربة الإرهاب، فضلًا عن انضمام بعض جنودها لقوات "الأميصوم".‏ وتسعى الحركة الإرهابيّة كذلك من خلال هجماتها في الداخل الكينيّ إلى تسليط المزيد من الضوء عليها إعلاميًّا، كما أنها تعتبر كينيا هدفًا رئيسًا لاستهداف المصالح المرتبطة بالدول الغربيَّة في المنطقة.

وعلى الرَّغم من تكثيف الجهود المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة للحدِّ من نفوذ حركة‏ «الشَّباب»‏ والقضاء عليها بشكل تامّ، إلا أن كل ذلك لم يَنهِ التهديد الذي تشكُّله هذه الحركة، والتي نجحت في استعادة جزء كبير من قوتها وتكثيف عملياتها الإرهابيّة، مستغلة في ذلك العديد من العوامل لتنتشر مجدّدًا على نطاق واسع، ليس فقط في الصومال؛ وإنما كذلك في كينيا ودول أخرى بشرق إفريقيا. لكن هذا التصاعد الخطير اللّافت للنظر في عدد ونوعية العمليَّات الإرهابيّة التي تشنها ‏«حركة الشَّباب» ‏الصوماليّة خلال الآونة الأخيرة، سواء داخل الصومال أو خارجها، يعيد تسليط الضَّوء مجدّدًا على الخطر الذي لا تزال تشكُّله هذه الحركة، بعد سنوات من الحرب عليها من أطراف مشتركة؛ محليَّة وإقليميَّة ودوليَّة، كما أنه يطرح الكثير من التساؤلات عن أسباب ودوافع الحركة من وراء تصعيد نشاطها الإرهابيّ، خاصّة سلسلة الهجمات التي تستهدف القوات الأمريكيّة، وانعكاسات ذلك على مستقبل الأوضاع الأمنيّة في الصومال ومنطقة القرن الإفريقيّ ككل. 

وهناك عدد من الدوافع المتعلّقة بتصاعد نشاط حركة الشّباب مؤخرًا، والتي يمكن استعراضها في النقاط التالية:

1.    التنافس مع تنظيم "داعش" الذي يسعى إلى إيجاد موطَّأ قدَّم له في القارة الإفريقيَّة، بعد تراجع نفوذه في سوريا والعراق، مما يدفع حركة "الشَّباب" التابعة لتنظيم "القاعدة" إلى تعزيز نشاطها الإرهابيّ لتأكيد نفوذها على المنطقة.

2.    استقطاب عناصر إرهابيّة جديدة، لا سيَّما مقاتلي تنظيم "داعش" الفارين إلى إفريقيا بعد الهزائم التي تعرض لها التَّنظيم في سوريا والعراق.

3.    استهداف المصالح الغربيَّة في منطقة القرن الإفريقيّ.

4.    إفشال العمليَّة السياسيَّة وعرقلة إجراء الانتخابات التشريعيَّة والرئاسيَّة المقبلة في 2020/2021؛ بهدف التأثير على الشعب الصوماليّ وتخويفه من المشاركة في عملية الاقتراع.

ويؤكد المرصد أن هذا النشاط المتزايد لحركة ‏«الشَّباب»‏ في الفترة الأخيرة يجعلها واحدة من أكثر الجماعات الإرهابيّة خطورة في شرق إفريقيا، خصوصًا بعد تراجع نشاط الحركات والجماعات الإرهابيّة في منطقة الشَّرق الأوسط وأفغانستان، كما ينذر هذا النشاط الإرهابيّ أن مركز الحرب العالميَّة على الإرهاب قد تحوّل بالفعل إلى القارة الإفريقيَّة، وأن منطقة القرن الأفريقيّ باتت تشكل الخاصرة الرَّخوة للقارة، والتي قد تستغلها الجماعات الإرهابيّة لشنّ مزيد من الهجمات الإرهابيّة.

وحرصًا منه على الاضطلاع بدوره في التّوعية المجتمعيّة، تجدر الإشارة إلى أنّ مرصد الأزهر نشر العديد من الإدانات التي تستنكر عمليَّات القتل التي تقوم بها الحركة، فضلًا عن التقارير والمقالات التي تفضح مزاعم الحركة وتوضح استراتيجياتها في شنّها العمليَّات الإجراميَّة. كما أصدر المرصد بعض المقاطع المصوَّرة ببعض اللُّغات الإفريقيَّة كالسواحيليّة والهوسا التي تفند المزاعم التي تستند إليها هذه الحركة في تنفيذ جرائم القتل بدعوى تطبيق حدود الشّريعة والقصاص وغير ذلك من مزاعم واهية وادعاءات كاذبة.

 

 السيناريوهات المحتملة أمام حركة "الشَّباب":

هناك بعض الاحتمالات المتوقَّعة أمام مستقبل الحركة، يمكن أن تتلخص في الآتي:

1.    تعزيز نشاط حركة الشَّباب في الصومال، وتمدّدها إلى باقي دول المنطقة، وذلك في حالة نجاح الحركة في استقطاب عناصر جديدة، وقدرتها على البقاء والتمدّد في حال نجاحها في تنسيق علاقتها مع الجماعات والتنظيمات الإرهابيّة النشطة في المنطقة، واستمرار دعمها ماديًّا وعسكريًّا من بعض الجهات الرَّاعية للإرهاب في المنطقة. علاوةً على ذلك استغلال الحركة الإرهابيّة لضعف القوَّات الحكوميَّة في المنطقة وضعَّف الجهود الإقليميَّة والدوليَّة في مواجهتها. ويساعد في تحقيق ذلك السيناريو أيضًا تنفيذ قرار انسحاب القوات الأفريقيَّة "الأميصوم" من الصومال بنهاية عام 2020، وتفاقم الخلافات في المشهد السياسيّ الصوماليّ بين الحكومة الفيدراليّة والولايات. 

2.    القضاء على حركة الشباب وهزيمتها نهائيًّا، وذلك في حالة تعاون القوات الحكوميَّة مع قوات "أميصوم" وقوات "أفريكوم" ورفع القدرات التدريبية والقتاليّة وتضافر الجهود الرامية إلى دحر الحركة الإرهابيّة، وقطع سُبل إمدادها ودعمها وتجفيف منابع تمويلها. ومما ساعد في تحقيق هذا السيناريو هو تأجيل انسحاب قوَّات "أميصوم" في الصومال لحين اكتمال استعداد الجيش الصوماليّ لتولي المسؤوليَّة بشكل جيد. بالإضافة إلى انشقاق عدد من عناصر حركة "الشّباب" واستسلامهم إلى الجيش الحكوميّ وقوات حفظ السلام الأفريقيَّة.

3.    اللُّجوء إلى الحل السّلميّ وذلك من خلال تحقيق مصالحة بين القوَّات الحكوميَّة وحركة الشَّباب، وتسوية النزاعات بين الطَّرفين، والدُّخول في حوار بناء. وعلى الرغم من إمكانيَّة تحقيق هذا السيناريو، خاصَّةً بعد فشل الحل العسكريّ في القضاء عليها نهائيًّا، وحالة الضَّعف التي أصابت الحركة مؤخرًا، لكن هناك تحديات راهنة في الصومال تواجه هذا السيناريو، منها: استمرار التواجد الأجنبيّ في البلاد والتدخلات الإقليميَّة والدوليَّة هناك، مع ضعف الحكومات، واستمرار الأوضاع الإنسانيَّة الصَّعبة في هذا البلد؛ لذا يكون حل التسوية السّلميَّة هو الأفضل كي تعود الصومال دولة آمنة متمتعة بأركانها، ويكون لها تأثير قوي في منطقة القرن الإفريقيّ.

وختامًا يؤكد مرصد الأزهر على أنَّ جماعات التطرُّف والإرهاب في العالم باتت تمثل خطرًا داهمًا على اختلاف مواقعها وتفاوت موازين القوى فيما بينها، وليس من المقبول أن ينصبّ التركيز حول جماعة أو تنظيم بعينه مهما بلغت خطورته، بل ينبغي أن تكون المواجهة شاملة لكل التنظيمات، وهي في الأساس مواجهة فكريَّة قبل أن تكون مواجهة عسكريَّة؛ الأمر الذي يُحتم أن تتمَّ المواجهة في الأساس على معالجة الفكر، وهو ما يحاول مرصد الأزهر الشَّريف لمكافحة التطرّف القيام به من خلال نشاطه المستمر، وعمله الدَّؤوب على تصحيح هذا الفكر المتطرّف، وتحذير الشَّباب من الوقوع في براثنه، وتنبيههم إلى أن الفكر القويم لا يجنح للعنف، ولا يأمر بإراقة الدماء، وهذا بلا شك يتطلَّب جهدًا أكبر؛ لأن نجاحه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإقناع المخاطب بتغيير فكرة ترسّخت في ذهنه، ربَّما لسنوات واستقر في يقينه أنها الصَّواب وما عداها خطأ.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق