• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

لَوْحَةُ (الكانفاس)


سَافَرَتْ (سلمى) إلَى بِرلِينَ لِحُضُورِ مَعرَضٍ لِفَنَّانَةٍ تَشكيليَّةٍ يَهُودِيَّةٍ، تَعيشُ في ألْمَانيَا، مَوْهُوبَةٍ فِي رَسْمِ لَوحَاتِ (الكانفاس).  
كَانَتْ لَوْحاتُ الكَانْفَاس تَخْطِفُ البَصَرَ، هَذِهِ اللَّوْحاتُ الَّتي كُلَّما رَآهَا إنسَانٌ شَرَدَ مُتَأمِّلًا فِيمَا تَحتَوِيهِ الرُّسُومَاتُ والألْوَانُ مِنْ رَسَائِلَ.




كَانَتْ (سلمى) الوَحيدَةَ ضِمْنَ المَدْعُوِّينَ ذَاتَ اللوْنِ الخَمْرِيِّ، وَكَانَ يَجْلِسُ بِجَانِبِهَا فَنَّانٌ أمريكيٌّ ذُو أصُولٍ آسيَوِيَّةٍ، يَعْزفُ عَلَى آلَةٍ تُصْدِرُ صَوْتًا أشْبَهَ بِالرِّقِّ.
ظَلَّتْ (سلمى) تَطُوفُ بالمَعْرَضِ تُمَتِّعُ عَيْنَيْهَا وَرُوحَهَا بِرَوْعَةِ الفَنِّ وجَمَالِهِ. 
كَانَتْ صَاحِبَةُ المَعْرَضِ تَجُولُ بَيْنَ المَدْعُوِّينَ تُرَحِّبُ بِهِمْ، وَعِنْدَمَا قَدَّمَتْ (سلمى) نَفْسَهَا عَرَفتِ الفَنَّانَةُ أنَّهَا مِنْ أصُولٍ عَرَبِيَّةٍ وَأنَّها قَدِمَتْ خِصِّيصًا إلَى ألمَانيَا لِحُضُورِ المَعْرَضِ. وَدَارَ بَيْنهُما حَديثٌ قَصيرٌ، فُوجِئَتْ (سلمى) بَعْدَهُ بِالفَنَّانَةِ تُهديها إحْدَى اللَّوْحَاتِ، وطَلَبَتْ مِنْهَا أنْ تَخْتَارَ مَا يَحْلُو لَهَا.
أشَارَت (سلمى) إلَى لَوْحَةٍ لِشَخْصٍ وَجْهُهُ مُنَكَّسٌ وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ سِوَى النِّصْفِ الأعْلَى مِنْ جَسَدِهِ، أَشَارَتْ إلَيهَا وَهيَ مُبتَسِمةٌ في وجهِ الفنانةِ؛ وبالفعلِ حصلَتْ عَلَيْها.
كَانَ الجَوُّ باردًا، فدَعَتْ الفنَّانةُ (سلمى) إلى شُرْبِ الشَّايِ السَّاخنِ، ودارَ حوارٌ بينَهُما، حَيثُ سَألَتِ الفَنَّانةُ (سلمى): لِمَاذا اختَرْتِ هَذِه اللوحَةَ علَى وجهِ الخُصُوصِ؟
قَالتْ (سلمى): لِأنَّني كُلَّما زَهِدْتُ الحَيَاةَ انحنَى رأسِي إلى أسْفَلَ، وكذَلِكنَفْسِي.
نَظَرَتْ إلَيهَا الفَنَّانةُ وقَالَتْ:
مُنْذُ طُفُولتي لمْ يَمُرَّ علَيَّ يومٌ زهَدْتُ فيهِ الحَيَاةَ، فكُنتُ أعيشُ ومَا زلتُ في سَعادةٍ طَوالَ الوَقْتِ، أتمتَّعُ بصِحَّةٍ جَيدةٍ وبِحُبِّ والِدَيَّ وبِكُلِّ حقوقي كإنسانةٍ.
 قاطَعَ حديثَهُمَا عازِفو المُوسيقَى لِيرحِّبوا بالمَدْعوِّينَ الجُدُدِ. في الوقتِ ذاتهِ كانتْ ألْوانُ اللوْحَاتِ تَخْطَفُ عَيْنَيْ (سلمى) أمَّا عَقْلُها فَظَلَّ يُفكِّرُ كيفَ سَتشرَحُ لِهذهِ السَّيِّدةِ فِكرَتَها عنِ النَّفسِ المُنكَسِرَةِ. ولمَّا انتهتِ المُوسِيقَى ورحَّبَتِ الفَنَّانةُ بالمَدْعُوِّينَ الجُدُدِ عَادَتْ إلى (سلمى) ونَظرَتِ إليها مُنتَظِرةً مِنْهَا أنْ تَسْتَكْمِلَ القِصَّةَ.
ذَرَفَتْ (سلمى) دَمعةً منْ عينَيْهَا، لأنَّها تَذكَّرَتْ أنَّها تَرَكتْ هَذهِ النَّفْسَ المُنكَسِرَةَ في بِلادِهَا وسَافرَتْ هُروبًا مِنْ واقعِهَا الألِيمِ، حَالِمَةً بِواقِعٍ آخرَ يُشعِرُها بِطعْمِ الحَيَاةِ.
بدأتْ (سلمى) تَسرُدُ، وظلَّتِ الفَنَّانةُ مُندَهِشَةً بما تَسمعُهُ من أنَّاتِ امرأةٍ عَربيةٍ تَحلُمُ طَوالَ عُمرِهَا باكتِشَافِ ذَاتِهَا.
قَالَتْ (سلمى): تصيرُ نفسِي مُنكَسِرَةً في كلِّ مَرَّةٍ تَمنَّيتُ فِيهَا أن أعْمَلَ في وَظِيفةٍ ولَمْ يُوافقْ والدِي؛ تَمنَّيتُ فِيهَا أنْ أحِبَّ دُونَ إحساسٍ بالخِزْيِ ؛ تَمنَّيتُ فيهَا أنْ أختارَ شَريكَ حَياتِي دُونَ إجبارٍ من أسْرَتي ؛ تَمنَّيتُ فِيهَا أنْ يَتعاطَفَ مَعِيَ المُجْتمَعُ دُونَ أحكَامٍ واستِباقاتٍ؛ تَمنَّيتُ فِيهَا أنْ يتمتَّعَ العَالمُ بالسَّلامِ وتَتوقَّفَ الحُروبُ في دَولَتي.
وعِندَما ذَرَفَتْ دَمعَةَ أخرَى من عَينَيْهَا عَلِمَتْ أنَّه مُقدَّرٌ لَهَا أنْ تَكتَشِفَ شَيئًا جَديدًا عَنْ نَفسِهَا، فَالدُّمُوعُ فِي حَياةِ (سلمى) هِي خُطْوةٌ فِي طَريقِ الوَعْيِ . فقدْ رأتْ أمَامَها فَنانَّةً رسمَتْ لوحةً عن رجُلٍ مُنكَّسِ الرَّأسِ ولَكِنَّ هذا لا يَعني أن تكونَ نفسُه مُنْكَسِرَةً.
وَهُنَا أدْرَكَتْ (سلمى) أنَّ الانكِسَارَ مَا هُوَ إلا إحسَاسٌ يَستَطيعُ كُلُّ إنسَانٍ أنْ يَتغلَّبَ عليْهِ إذَا أحبَّ نفسَهُ وأحَبَّ الحَيَاةَ.
ماريان برسوم
فيس بوك- سندرتي





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق