• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

قصة

كركبة

   



تكتبها: دينا أبو الوفا

صباح جمعة جديد، يشرق بشمسه عليها معلناً بداية العطلة الاسبوعية التى كانت ولا زالت أصعب وأثقل الأيام عليها .. ربما كانت تلك المشاعر أحد أبرز العوامل المشتركة ، التى جمعت بينها وبين الكثير من السيدات المصريات المتزوجات .... فعطلة الأسبوع لأغلبهن لا تمت لمفهوم العطلة المتعارف عليه بصلة قريبة كانت أو بعيدة ... 

فالعطلة بمفهومها الصحيح هى فترة راحة واسترخاء ... فترة نقاهة من أعباء تراكمت طوال أيام الاسبوع الخمس الأخرى ... فترة استجمام وهدوء ، تستعاد فيها  الطاقة والحيوية بعيداً عّن كل منغصات الحياة وتقلباتها .... فترة يمارس فيها كل شخص ما يحب ويهوى  ... ما تطيب له نفسه 

ان كان ذلك فى ساعات نوم طويلة دون صوت منبه يأتى كنذير شؤم ، ان كانت فى متابعة المسلسلات والافلام دون هدف سوى تمضية الوقت فى اللاشئ واستبدال الحوارات الصاخبة اللانهائية داخل عقله بحوارات أقل صخباً وجدية ... 

ان كان فى قراءة كتاب او رواية لترحل به عّن واقعه الى عالم موازى لا يشبه عالمه .... ان كان فى ممارسة رياضة ما لعله يتخلص من مخزون الطاقة السلبية داخله ...

أياً كان الملاذ والمفر ولكنها بالتأكيد لا تعنى ان تكون أيام العطلة الاسبوعيه استكمالًا لمأساة باقى أيام الاسبوع .... ولكن وعلى الرغم من كل تلك التعريفات ، الا انها كأغلب السيدات المصريات قد حرمت عليها مثل تلك الرفاهية -رفاهية عطلة نهاية الاسبوع - حين تزوجت "ابراهيم " منذ سبع سنوات وصارت زوجة وربة منزل وأم لطفلين "مروان" فى السادسة من عمره و"زياد" فى الرابعة من عمره ...

أفاقت "مها" مفتقدة الحماس كعادتها كل يوم جمعة .... مدت يدها تلتقط الهاتف من فوق المنضدة الجانبية ...  أطلت بعينيها الناعستين الى شاشته ... اقتربت الساعة من السابعة والنصف  ... تقبلت "مها" حقيقة استيقاظها المبكر دون  تأفف ... ففى خلال ساعة سوف تحضر "أم هند" لتقوم بتنظيف المنزل وترتيبه وستشرف "مها"  عليها اشرافاً دقيقاً كعادتها ..... 

دق صوت الهاتف مشيراً الى ان رسالة نصيه قد وصلتها للتو ... تُرى من يبعث لها برسالة فى تلك الساعة المبكرة ... 
كان لديها شعور قوى انها تعرف اجابة هذا السؤال وكم تمنت من كل قلبها ان يكون شعورها فى غير محله ... ولكن حاستها السادسة كانت دوماً قوية وقلما أخطأت !!!

فتحت الرسالة فاذا بها "أم هند" تبلغها بأن والدة زوجها قد وافتها المنية منذ ساعة أثناء نومها وانها لن تستطيع القدوم اليوم نظراً للظروف ... 

ابتسمت بحسرة ... حاستها السادسة لم تخيب هذه المرة أيضاً

نفضت عنها الغطاء بعصبية بالغة وقفزت خارج فراشها متجهة نحو الحمام لتغسل وجهها وأسنانها 
ثم سارت على أطراف أصابعها -يرشدها ضوء هاتفها الخافت- نحو باب غرفتها ... 
وما ان خطت بقدميها خارج الغرفة ، حتى لمحت غرفة المعيشة فى مشهد اعتادت عيناها علي تفاصيله كل صباح .... 

أكواب عصير وبيبسى فارغة وصحون متسخة قضت ليلتها على الطاولة فى منتصف الغرفة ،إثر تناول ولديها وزوجها وجبة عشاء متأخرة ، أثناء نومها ... خدديات الأرائك القطيفة ملقاة على الارض هنا وهناك بعيداً عّن مكانها الطبيعى ، حيث كانت دوماً أحد الأسلحة الطائرة  فى حرب شنعاء تنشب كل ليلة بين ولديها ....

اتخذت "مها" قراراً سريعاً بغض البصر عّن "الليفنج" وما قد حل به من دمار شامل ، فاليوم مازال فى بداياته و"حرقة دمها" الان غير منطقية ... فهناك حتماً المزيد من المفاجآت فى انتظارها ... فلتنتظر بعض الشئ و"تصبر على رزقها"

التفتت نحو اليسار متوجهة الى المطبخ ، لتصطدم بأحذية "مروان" و"زياد" الملقاة فى منتصف "الكوريدور" ...
لم تندهش فقد صار أمراً عادياً منذ زمن بعيد ، حتى انه لم يعد للـ"جزامة" دور مفهوم او موقع من الاعراب داخل المنزل سوى كونها قطعة أثاث أخرى ...ـ

سجاد الطرقات الصوف اليدوى الذى كانت قد انتقته بعناية فائقة لتتناسب ألوانه مع لون الحوائط والآثاث والاكسسوارات المنزلية ، قد انزلق وانزوى  فى ركن  ما ... 
لم يتطلب الأمر تفكيراً عميقا. لتحذر أسباب ذلك العبث ... 
فقد ترك ولداها خلفهم أداة الجريمة ..كرة قدم اعتادا اللعب بها كلما شعرا بالملل والضجر .... اعتادت فى مثل تلك الحالات ان تنحنى تلقائياً ودون تفكير ، لتعيد السجاد الى موضعه الطبيعى كل بزاويته الخاصة ، ممشطة بأناملها "شراشيبه" كى تعيد ترتيبهم بجانب بعضهم البعض فى خط مستقيم ... حاولت كثيراً مقاومة ردة فعلها تلك دون جدوى ، وباءت محاولاتها كل مرة بالفشل الذريع 

فقد كانت نظافة بيتها ونظامه ، ووجود كل الاشياء فى مكانها الصحيح طوال الوقت ، على مدار الاربع وعشرين ساعة ضرورة حتميه -لا تفاوض فيها - لهدوء أعصابها وراحة بالها .. 

الأمر الذى جعل زوجها  يتهمها باستمرار بأنها تعانى من مرض الوسواس القهرى ... لم تعترض يوماً ولم تخالفه الرأى ... فربما كان على حق !! فتلك بالتأكيد تصرفات لا تصدر من شخص طبيعي ... تعرف هذا جيداً فكانت كلما زارت احدى قريباتها أوصديقاتها  وجدت منزلهن فى حالة يرثى لها ... على الاقل من وجهة نظرها أما من وجهة نظرهن، فكانت كل واحدة منهن ترى منزلها فى أبهى صورة له !!!

دخلت الى المطبخ وَيَا ليتها ما دخلته ... فقد وجدت الملابس  المتسخة وقد تراكمت حتى فاقت سعة سلة الغسيل ،فسقط نصفها على الارض ... 

أما سطح "البوتاجاز" والرخام فحدث ولا حرج ، فقد اتسخ سطحهما ببقايا طعام وشراب وارتصت عليهما أطباق وأواني شبه فارغة فى انتظار من يمن عليها ويفرغها ويجليها .... 

لقد فاض بها الكيل !!! 
"لا لا لا كفايه اوى كده .... والله حرام اللى بيتعمل فيه ده ، حرام بجد ، كل يوم على كده ... 
انا عايشه فى زريبه مَش بيت .... ايه ده ...انا تعبت ...بجد تعبت "

كاد قلبها يتوقف ورأسها ينفجر من الغيظ ، فكان عليها الهروب فوراً من مسرح الجريمة ، الى الحديقة ...

هناك سوف تحتسى قهوتها وتشعل سيجارتها الصباحية وتنفث مع دخانها المتطاير بعض التنهيدات لعلها تخفف من حالة التوتر التى تمكنت منها فى أقل من نصف ساعة ... 

وما ان خطت بقدميها الى الشرفة المؤدية الى الحديقة حتى وجدت آثار أقدام عائلتها الكريمة فى جميع أركانها ...
اذن لا مفر لها  ... فالمنزل بأكمله صار مسرحاً لجريمة مكتملة الأركان .... 

هبطت السلم واتخذت مجلسها على الارجوحة وأشعلت سيجارتها بنكهة التوت والنعناع ظناً منها انها بذلك تكون قد ابتعدت عّن الأعمال المنزلية التى تطاردها منذ ان تركت غرفتها ... وكم كان ظنها فى غير محله ... 

فهناك على الحبال رفرفت ملابس قد نشرتها صباح أمس كى تجف .. وعليها الان جمع تلك الملابس وطيها ووضعها فى خزانة ملابس أولادها وزوجها ... ماذا بعد !؟ لقد بدأت تشعر انها لو خرجت الى الشارع ، فعلى الارجح ستجد مهمة إضافية عليها تأديتها !!!! فأين المفر ؟ عادت الى الداخل لتجد زوجها وقد استيقظ ووقف داخل المطبخ -غير مبال على الاطلاق بما يحاوطه من مأساة - ليصنع لنفسه كوب النسكافيه الصباحى كادت تجزم من فهمها الدقيق  لزوجها ان المسألة ليست فى كونه لا يبال بالمأساة ، بل الحقيقة الصادمة حقاً هى انه لا يرى كل تلك "الكركبة" مأساة !!! مما جعل المصيبة مصيبتان .. 

كانت تتساءل دوماً هل كل الازواج كزوجها أم انه كان فريدا من نوعه وحظها السعيد هو ما دلها اليه !؟

تركته فى المطبخ وشقت طريقها الى الداخل متوجهة الى غرفتها لترى المشاهد المأساوية مرة أخرى ، بترتيب عكسى ...
ما أدهشها هو انها ولأول مرة فى تاريخ زواجها ، تنجح فى تجاهل كل تلك "الكركبة" ومقاومة ترتيبها وتترك كل شئ خلفها كما هو ، لتدخل غرفتها وتوصد الباب وراءها ....

القت بجسدها الصغير فوق الفراش .... عقدت أصابع كفيها فوق صدرها  وراحت تحدق فى سقف الغرفة فى محاولة لاتخاذ قرار هام !! وهو كيف ستقضى باقى يومها !؟ 

هل تمكث فى حجرتها لبرهة حتى تهدأ ثم تخرج مرة أخرى لمواجهة مصيرها المحتوم وتعيد ترتيب المنزل أم تلزم حجرتها اليوم وتنعزل عن العالم الخارجى  .... 
وبينما هى تفكر فى خياراتها ، واتتها فكرة ثالثة .... ستخرج فى جولة بالسيارة ... 

ربما أيضاً تتناول وجبة الافطار فى مكان ما وحدها وتترك عائلتها لتدبر أمرها بنفسها على سبيل التغيير ... ربما تتسوق قليلاً وتشترى شيئاً جديداً تدلل به نفسها ... لا تتذكر متى كانت آخر مرة تفعل فيها ذلك ... تدلل نفسها ! لقد نسيت كيف تدلل نفسها ولم تعد للكلمة وجود فى قاموسها منذ سنوات طويلة .... 

قامت لتأخذ حماماً ساخناً ... هكذا اعتادت عليه صيفاً وشتاء ... تعشق تدفق الماء الساخن على جسدها ... 
كانت تشعر أحياناً انه لا يغسلها من الخارج فقط ، بل من الداخل أيضا.... 

وحين انتهت من أخذ حمامها ، ارتدت ال"روب دو شومبر" ذا اللون الوردى وعادت الى غرفتها .... فتحت خزانة ملابسها ووقفت تنظر لملابسها المعلقة.

كانت جميعها معلقة على شماعات سوداء بلاستيكية ، تتجه رأسها الى الداخل ... تجمعت ملابسها فى مجموعات داخل أكياس بلاستيكية بترتيب محسوب ومتعمد ... 
فى أقسى اليمين كانت "البدل" ... كل بذلة فى كيس خاص بها ... مرتبين حسب اللون من الأغمق- بدء من الأسود - الى الأفتح انتهاء بالبيج 

... تأتى وراءها "التايورات" ملتزمة فى ترتيبها بنفس القاعدة ... ثم تأتى "البلوزات" الكلاسيك فى مجموعات داخل عدة أكياس ، مرة أخرى حسب تدرج اللون الرئيسى بدء من الاسود ، ثم الكحلى ، ثم الالوان الناصعة ... 

ثم تأتى "البنطلونات" الكلاسيك بتدرج ألوانها...  ثم القمصان الكاجوال ، السادة فى مجموعة والمخططة فى مجموعة أخرى ، حتى تنتهى فى أقصى اليسار بالبنطلونات الجينز .

لم تلحظ من قبل انها على هذا القدر من النظام والنمكية!!! كانت تشاهد بالأمس مسلسلاً ، يعانى البطل فيه من مرض الوسواس القهرى وكانت خزانة ملابسه مرتبه على هذا النحو بالضبط .... فهل حقاً تعانى من الوسواس القهرى هى الاخرى -كما يتهمها "ابراهيم" - دون ان تدرى !؟ 

لم تتوقف كثيراً عند تلك الخاطرة العابرة ، لأنها وببساطة شديدة لا تكترث !!! ولكن ما استوقفها حقاً أمر أخطر بكثير ... 
لقد كانت خزانتها مكدسة بشكل مستفز الى درجة انه صار من الصعب التقاط أحد الشماعات دون بذل جهد مضاعف لازاحة الشماعات عّن يمينها ويسارها أولاً لإفساح المجال ... 
كيف تركت الأمور تتطور الى هذا الحد !! كيف !؟ 
وكيف لم تفعل شيئاً حيالها !؟ وبمجرد ان طرحت هذا السؤال على نفسها حتى اتضح لها كيف ستقضى يومها !!! 
ستكرس يومها لفرز ملابسها والبت فى أمرها 

فراحت تسير بالترتيب بدءا من اليمين متجهة نحو اليسار فوجدت ان بعض ملابسها لا تتناسب اطلاقاً مع حقيقة كونها "محجبة" ولكنها اشترتها فى يوم ما فقط لانها أعجبتها وأصرت على اقتنائها واقنعت نفسها انها ستجد طريقة ما لارتدائها .... فكانت النتيجة انها راحت تبذل مجهوداً مضاعفاً لتغطية ما كشفته تلك الملابس. 

الأمر الذى أرهقها كثيراً وجعلها أحياناً تعيد النظر فى فكرة ارتدائها الحجاب من الأساس!!! فقررت فوراً ودون تردد ان تلك الملابس أول الراحلين من خزانتها اليوم بلا عودة ...

فأزاحتها من فوق شماعاتها وطوتها ووضعتها فوق الاريكة وعادت الى الخزانة ، لتلمح "قمصان" كانت فى سابق عهدها ناصعة البياض ... كانت تبدو كلما ارتدتها كعروس مبتهجة فى ليلة زفافها واليوم وبعد ان مر الزمان بها ، تعكر صفو لونها وتلطخت ببقع سوداء ... 
فاحتفظت بها دون ان ترتديها .. ربما عاد ذلك الى رفضها لحقيقة انها تبدلت وأملها الساذج فى ان تعود بيضاء يوماً ما.

فما كان منها الا ان اتخذت قراراً جريئاً اليوم بالتخلص منها ، فهى تشغل حيزاً كبيراً دون جدوى ، فطوتها ووضعتها فوق الملابس الأولى  وعادت مرة أخرى لتقف أمام خزانة ملابسها ... ترى على من الدور الآن !؟ 

لمحت بعض الملابس الملونة التى كانت فى سابق عهدها زاهية ، تعكس على وجهها إشراقة كلما ارتدتها واليوم أمست باهتة ، تطفئ نور وجهها وتزيده شحوباً ... فكان عليها التخلى عنها هى الأخرى .. 

أما بعض الملابس فقد ضاقت عليها ولم تعد تتناسب مع حجمها ووزنها الان ، إلا أنها احتفظت بها طوال هذه الفترة لمجرد انها قطع ملابس أساسية لا تخلو خزانة ملابس منها ولا يمكن الاستغناء عنها الا فى وجود بديل .. 

ولأنها لم تجد البديل المناسب حتى الان ، كانت ترتديها  وهى غير راضية تماماً عّن هيئتها ومظهرها ... تكاد تختنق منها ومع ذلك تحتفظ بها .. ولهذا السبب بالتحديد ، أمسكت بتلك الملابس وأعادتها الى مكانها على مضض ... 
فما باليد حيلة 

وآخر ما كان عليها اتخاذ قرار بصدده ، هو بعض الملابس الأنيقة المنمقة التى مازالت تحتفظ برونقها الا انه لم يعبها سوى انها صارت "أوت أوف فاشون" كما يقول مصممو الأزياء فكيف ترتدى ما جار عليه الزمن ... ستبدو للجميع غريبة الأطوار ... لن تتماشى مع من حولها ... لكنها تحب تلك الملابس !!

لذا كان التخلص منها او الابقاء عليها قراراً صعباً بالتأكيد ....
ومن شدة حيرتها وقفت فى منتصف القرار ، فلم تعدها الى خزاتة الملابس ولم تضعها فوق صف الملابس المطوية .. بل علقتها على مقبض باب الغرفة حتى يصدر حكم نهائى قاطع فيها !!!

نظرت"مها" فى هاتفها لتكتشف انها استغرقت من الزمن ساعتين فى عملية الفرز تلك ... شعرت فجأة بارهاق شديد وآلام أسفل ظهرها امتدت الى أرجلها ، فاتخذت مجلسها على الارض واسندت ظهرها على الحائط ومدت أرجلها أمامها فى محاولة مبدئية للاسترخاء ... 

وبينما هى جالسة ، فاجأها سؤالان "كيف استطاعت اليوم ان تدير ظهرها لكل الكركبة خارج حجرتها وتقاوم ترتيبها !؟ وكيف غفلت عّن تلك الكركبة داخل خزانة ملابسها طوال  الفترة الماضية  !؟ كيف وهى فى نظر الجميع تعانى من مرض الوسواس القهرى !؟ 

ولكن السؤال الأهم والأخطر الذى فاجأها حقاً وأتى من حيث لا تدرى،  هو كيف انها لم تلتفت من قبل للكركبة الحقيقية فى حياتها ... الكركبة الأولى باهتمامها ... الكركبة الاولى بالترتيب ... 

ترى هل كانت تمارس الاسقاط النفسى كل هذا الوقت ... هل كان غضبها وثورتها الدائمان  تجاه كركبة منزلها اذن ، لا شئ سوى تبريرات وأعذار تُلقى بها على كل شئ حولها. 

هل كان مقصدها من إلقاء تلك التبريرات والأعذار وايجاد "شماعات" تعلق عليها كل ما تشعر به ،  هو التهرب من مأساتها الحقيقة ، الكركبة الحقيقة فى حياتها !؟  ... 
هل كانت تفعل ذلك فى محاولة ساذجة للحصول على الراحة النفسية التى تفتقدها. 

هل كان سعيها طوال تلك الفترة لترتيب منزلها وولعها باعادة كل شئ الى مكانه لم يكن فى الحقيقة سوى سعي خفي مستتر لتصحيح أوضاع كثيرة فى حياتها ، خرجت عّن نطاقها الصحيح .

وهنا أدركت "مها" ولأول مرة ان "الكركبة" الحقيقية والتى كان لزاماً عليها الالتفات لها واعادة ترتيبها والتخلص سريعاً من بعضها ، ليست "كركبة" منزلها ولا "كركبة" خزانة ملابسها 

بل هى "الكركبة" فى حياتها بشكل عام  ، فى علاقاتها وفى الاشخاص المحيطين بها بشكل خاص.

فمنهم - تماما كملابسها التى لا تتناسب مع حجابها - أصرت على ادخاله محيط حياتها برغم انه لم يتلاءم مع طبيعة شخصيتها ، وأقنعت نفسها حينذاك انها قادرة على تدبير أمورها وان الاختلاف بينهما لن يفسد للود قضية .. ومر الوقت معهم لتكتشف انها هى من قامت بكل التضحيات والتنازلات من أجل استمرار تلك العلاقة ...

فالملابس لا تتغير من أجلنا بل نحن من نتغير من أجل ارتدائها ... الأمر الذى يستنفد طاقتنا شيئاً فشيئا الى الحد الذى يجعلنا نشكك فى أنفسنا .... 

ومنهم من عرفتهم حين كانوا يملكون قلوباً بيضاء نقية ، وبمرور الوقت تبدلت تلك القلوب لتحمل بداخلها سواداً ... حتى صاروا أناساً لم تجد الشجاعة الكافية للابتعاد عنهم ولا الجرأة الكافية للتعامل معهم ... وظلت حبيسة حالة من النكران لا مفر منها .

ومنهم أناس قد أضفوا على حياتها فى بادئ الأمر سعادة وبهجة ... وكانوا سبباً فى ابتسامات وضحكات لا تنقطع ... ولأن لا شئ يبقى على حاله ودوام الحال من الحال ، فقد تبدل دورهم فى حياتها ليصبحوا مصدراً أساسياً فى تعاستها وكربها وسبباً فى دموع لا تجف وبحر أحزان لا ينضب ... 

أما ملابسها الضيقة فلم تكن سوى عملها الحالى الذى ضاقت ذرعاً به ولم تعد تقوى على الاستمرار فيه ... فهى تستحق أكثر بكثير .. تعلم ذلك ليس فقط لأنها تعرف قدرها جيداً بل لأن كل من يعرفها ويعرف قدراتها وكفاءتها وسنوات خبرتها يقرون بانها أكبر بكثير من ان تشغل وظيفة كتلك ... 

ولكن ماذا عساها تفعل !؟ فليس أمامها خيار آخر ، فالتزاماتها المادية تحتم عليها الاستمرار ، وتفرض عليها تقبل أوضاع تخنقها كل يوم لحين اشعار آخر وحتى يأذن الله فى أمر كان مفعولاً.

أما ملابسها ال" أوت اوف فاشون" فلم تكن سوى مبادئها وقيمها وخصالها الحميدة التى لا مكان لها اليوم فى العالم الذى تعيشه ... مبادئ وقيم عفا عنها الزمن وصارت "دقة قديمة" 

وخصال جعلتها أشبه بامرأة بلهاء ساذجة ... إمرأة من العصر الحجرى ، كانت ولا تزال فى حيرة من أمرها .... فهل تتخلى عّن تلك المبادىء والقيم وتتخلص من خصالها القديمة لتتحول الى إمرأة بمبادئ وقيم تواكب العصر وتجاريه ... لا تعلم ... لم تجد يوماً رداً قاطعاً لتلك التساؤلات ... 

ومع تلك التنهيدة الطويلة التى انطلقت مدوية من داخل صدرها ، أفاقت "مها " من شرودها لتجد ان ساعة أخرى قد مرت وهى ممددة على الأرض ... اقترب موعد الغداء ، وعليها الخروج من غرفتها لتعد الطعام لعائلتها .... 
بل عليها الخروج الآن لمواجهة "الكركبة "





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق