• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

فيروس الكورونا وتأثيرها على الإنسانية وخطورته الاقتصاديةً

د. محمد الجمل

رئيس المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط - امريكا 



العالم اليوم بأجمعه يعبر انهيارا اقتصاديا غير مسبوق. في السنوات القليلة الماضية كان الاقتصاد في حالة توتر واغلب الاقتصاديون كانوا يتوقعون أزمة اقتصادية ولكن لم يتخيل أحد ان تلك الأزمة سوف تحدث بهذه السرعة الفائقة ومن خلال فيروس الكورونا.

 

ان مؤشرات الأسواق العالمية هبطت الان وبشكل واضح الي مستوي لم يشهده التاريخ في الأزمات الكبري. التاريخ سجل مثلا ما حدث عام ١٩٢٩ اثناء الكساد العظيم او Great Depression وأيضا ما حدث حديثا عام في عام ٢٠٠٨ عندما كان الاقتصاد العالمي والأمريكي بصفة خاصة علي وشك الانهيار. اعتقد ان ما يحدث الان سيكون اكثر خطرا وأعظم تأثيرًا حيث ان الكل يتأثر بالكل وحيث ان الاقتصاد  العالمي يعتمد علي العولمة . فقد بدأت الأزمة في الصين وانتشرت تدريجيا وبسرعة وبدات الأسواق في الانهيار في باقي أنحاء العالم. ندعو الله ان يحمينا جميعا ويحمي مصرنا العزيزة وشعبها وجيشها وقادتها من هذا الفيروس ومن كل مكروه.

ليست هذه الحالة الأولي في التاريخ بل هي أضعفها من حيث عدد الوفيات ولكن اعتقد انها هي اخطرها علي الإنسانية . وانا من التاريخ دروسًا مستفادة. 

ففي عام ١٦٥م كان هناك الطاعون الانطوائي Antonian Plague   والذي سبب وفاة أعداد كبيره في الدولة الرومانية وادي الي ضعفها

وفي عام ٥٤١م كان هناك الطاعون والذي زلزل اركان الدولة البيزنطية   Justinian Plague 

وبعد هذا بحوالي مائة عام في ٦٣٠ م ظهر الطاعون في بلدة عمواس في فلسطين. وفي عام ١٣٤٨م ظهر الطاعون وبدا في الصين وهو يعرف بالطاعون العام Black Death وسبب هذه التسمية ترجع الي نسبة الوفيات الذي سببها هذا الطاعون فكانت تزيد عن ٩٠٪؜ منً المصابين وبعد بدايته في الصين انتقل من اسيا الي أوروبا واستغرقت رحلة انتشاره اكثر من ١٥ عام. هذا وتقدر ضحايا هذا الطاعون بمائة مليون ضحية او حوالي ٢٠٪؜ منً سكان العالم في ذلك الوقت.  نالت القاهرة نصيبها من هذا الطاعون فكانت الجنائز تزيد عن ألفي جنازة يوميا.

ولايفوتنا هنا أن نذكر الانفلونزا الأسبانية والتي  هاجمت العالم في عام ١٩١٨ ولمدة عامين في أعقاب الحرب العالمية الأولي . و هذه الانفلونزا الذي يسببها فيروس H1N1 اصابت حوالي ٥٠٠ مليون شخص او ما يعادل اكثر من ٢٢٪؜ من سكان العالم حينئذ .

وفي ٢٠٠٩ راينا إنفلونزا الخنازير وغيرها . والان فيروس كورونا المستجد وهو ليس الجيل الاول بل الجيل السادس من فيروسات كورونا التاجية. نسبة الموت التي نراها حتي الان  قليلة بمقارنتها بالطواعين والامراض  السابقةً. هذا يرجع الي تطور قدرة الإنسان علي التعافي  بطريقة أفضل مما كانت عليه في الماضي وازدياد المناعة عند الإنسان وأيضا الي تطور الغذاء و الدواء ووسائل النظافةً والي رعاية صحية أفضل . 

وهذا يعطينا صورة واضحة علي التأثير المخيف  والجلي علي الحياة البشرية. لكن كان تأثير كل من هذه الأزمات واضحا أيضا علي الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية وحتي  السياسية .

ففي عام ١٣٤٨ علي سبيل المثال كان نبلاء أوروبا  يسيطرون علي الأرض الزراعية والفقراء كانوا لهم عبيدا ويعملون قهرًا لهم . ولما مات الكثير من هؤلاء النبلاء بتاثير الطاعون قام العمال وثاروا علي نظام النبلاء وقضوا علي الإقطاع وأنهوا الرق في أوروبا وبدات حياة سياسية واجتماعية جديدة.  

وحتي اثناء الطاعون الاتطواني عام ١٦٥م اتجه الكثير الي الناحية الروحانية وهنا قام نظام  الملك قسطنطين بنشر  الدين المسيحي علي اوسع نطاق في أوروبا. وهذا أيضا أدي الي حياة جديدة في أوروبا والعالم. 

إذن ما هي الدروس المستفادةً من واقع الأزمات الماضية وما هي السيناريوهات المتوقعة للمستقبل ؟

وهنا نقول : أولًا لا يوجد حلول سريعةً علي تقدم انتشار فيروس الكورونا.  فالعالم  الان مغلق والدولة التي لم تغلق بعد ستغلق قريبا والتي لم تفرض حركة مشددة علي مواطنيها ستفرض هذا قريبا لان هذا الفيروس ينتشر بسرعة كبيرة والعالم كله مشرقه ومغربه سيدخل في وقت متزامن حالة جمود وانعزال بطريقة لم يسبق لها مثيل.

ثانيا: تعليق الحرية الشخصية لأجل غير مسمي وهذا شي غريب علي الإنسانية 

فالمساجد والكنائس والمعابد مغلقة

ويجلس الناس في بيوتهم 

والمحلات التجارية مغلقة

ومعظم مطارات العالم وحدود الدول مغلقة او شبه مغلقه

هذا شي فعلا غريب علي الإنسانية ولا احد يعرف بالضبط متي سينتهي وهذا مكمن الخطورة.

ما يعانيه الناس اليوم مسالة خطيرة وقد تتغير الأحوال ونتمنى وندعو الله ان تتغير للأفضل وقد يسمح للناس بالتحرك المشروط ولكن لا شك بان القضاء علي الفيروس او نزوله من مرحلة الخطورة الحالية الي مرحلة اقل خطورة او معتدلة يتطلب الي وقت طويل نسبيا قد يصل الي عام او عامين.

وعليه ستواجه الدول نزعات مادية ونقيضها  وهي النزعات الانسانية وللأسف سيحتدم الجدال بينهما. واغلب الظن النزعة القومية المادية ستكون المنتصرة وللأسف الشديد. ويبدوا ان التاريخ يكرر نفسه الان. فالنزعة القومية والمادية تقول ان البقاء للأصلح وهذا ما فعله هتلر وستالين بقضائهم علي الضعفاء وهذا ما تفعله بعض الدول او المؤسسات  الان للأسف الشديد  بعدم معالجة المرضي من كبار السن والضعفاء وهذا انطلاقًا من النزعة المادية والتي تبني علي أسباب توافر الموارد والإمكانيات والتي تؤمن بان البقاء للقوي ... 

اغلب الظن ان كل دولة ستحاول السيطرة علي مواردها وموارد غيرها في سباق جديد وقد يصل هذا الي صراعات دموية وهذا لا نتمناه.  

وبخصوص النزعة الإنسانية والعودة الي الأخلاق والقيم والروحانيات فهناك امل الرجوع اليها وهذا في لب ديننا الحنيف. فمن احيا نفسا واحده او أنقذها فكأنما احيا أناس جميعا. هناك امل ان رجال ديننا العظيم ان يعيدوا صيغة الخطاب الديني ويخاطبون العالم وخاصة الشباب بلغتهم وبلغة العصر الحديث. هذه فرصة لا يجب تضييعها.

 

وهنا يأتي املنا بالارتقاء إلى التضامن الإنساني الحقيقي والعالمي والعودة والقيم الإنسانية. وهنا نكرر وندعو الي تطوير الخطاب الديني لمخاطبة الإنسان في هذا الوقت وفي هذه الظروف حتي يسهم .بشكل طيب وفعال بالعودة الي القيم الإنسانية والكفيلة بحياة طيبة لجميع البشريةً  


No



يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق