المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رواية بين العطر والنغم (١٢) 

كتبت أماني عطاالله


إقرأ أيضاً

التعليم: امتحان ورقى بجميع المواد بديل البحث لطلاب النقل قبل بدء الدراسة
التموين تعديل مواعيد عمل المخابز في رمضان
حسن راتب يتقدم بالشكر لـ محمد الباز بعد إعلان رحيله عن ٩٠ دقيقة
ابنة عمرو دياب تثير الجدل من جديد مع صديقاتها
طارق شوقى يوجه رسالة الى جميع طلاب مصر فى الداخل والخارج
اسرار القبض على الدكتور تشارلز ليبر من قبل السلطات الامريكية

الحلقة الثانية عشرة من أحداث رواية بين العطر والنغم للكاتبة أماني عطاالله، التي لاقت ترحيبا واقبالا بين زوار معرض الكتاب الدولي للكتاب 2020، إليكم الأحداث...


عادا إلى منزلهما فعادا أكثر غربة عن ذي قبل.. تبدل بآخر لا يمت بصلة لذلك الحميمي الذي شاركها العطلة الإجبارية في الكوخ منذ أيام قليلة.. تضاعف اهتمامه بعمله وجعله شغله الشاغل.. بالكاد كان يوصلها إلى مدرسة الطهو صباحًا ويترك لسائقه مهمة العودة بها إلى المنزل بعد انتهاء الدرس. 


كان واضحًا أنه يتحاشاها كلما أمكنه.. لم يعد ينظر إليها أو يتحدث معها.. وكأنه اكتفى منها.. لم يعد يتناول طعامه بصحبتها.. حتى وجبة الغداء المقدسة التي لطالما ظل حريصًا عليها أهملها هي أيضًا.. صار يتناول طعامه في مكتبه.. ربما بصحبة أماندا.. هل أدرك أخيرًا أنها الأجدر بحبه واهتمامه؟  
هل شعر بالندم لأنه تسرع وتزوج منها؟ 

هل اعتذر لها عن تهوره غير المقصود وطلب منها أن تسامحه؟
هل كان يعشقها هي بالفعل كما أخبراها؟ وهل مازال يعشقها حتى الآن؟  
ولكن لماذا هي مشغولة به لهذا الحد؟ ما الذي أصابها لمجرد معرفتها بحبه لها؟ حتى ولو كان ما أخبراها به حقيقيًا..؟
كان من المفترض أن يضعف هو لا هي..!

عاد متأخرًا من عمله وعندما نهضت في سعادة لتعد له الغداء أخبرها بأنه تناول طعامه فى الشركة بصحبة بعض موظفيه.. لماذا لا يكون أكثر شجاعة ويخبرها مباشرة بأنه تناول طعامه معها.. مع أماندا.. سكرتيرته الحسناء.. عشقه الذي عاد يحن إليه مجددًا؟ 

طلب منها أن تتناول بمفردها ما أعدته خصيصًا لأجله.. اختفى في مكتبه لوقت قارب منتصف الليل.. صعد بعدها إلى غرفته وأغلق بابها كعادته.
صارعت لتقاوم رغبتها الملحة في الاحتكاك به...
من أي فولاذ مصنوع هو..؟ كيف تحمّل عشقًا بهذه الضراوة كل هذه السنوات..؟ عليها أن تضع حدًا لهذه المهزلة.. اليوم قبل الغد..الآن.

كان مُستلقيًا فوق فراشه.. انتفض عندما دلفت إلى غرفته في عصبية دون أن تطرق الباب.. نهض جالسًا وسألها في دهشة:
-    ماذا حدث؟
-    متى ستطلقني؟
ظل يتطلع إليها لفترة قبل أن يشيح بوجهه عنها قائلًا:
-    ما إن تتحسن صحة والدك. 
-    
تمللت ملامحها وهزت رأسها في تمرد تبحث عن كلمات تضمن لها البقاء بجواره وقتًا أطول.. ليس عدلًا أن يتخلص منها بهذه السرعة.. تنبهت فجأة للصورة المقلوبة بجوار وسادته.. صورة أماندا مرة أخرى.. لا شك في كونه كان غارقًا معها في بحر من العسل قبل أن تقتحم هي خلوته بهذه الوحشية. 

امتدت يدها لا إراديًا لتمسك بها لولا أن يده كانت الأسرع.. أمسك بقبضتها فى شيء من الحدة وهو يهتف انفعالاً:
-    إن كنتِ انتهيتِ من حديثك اخرجي من غرفتي.. وحذار أن تدخليها مرة أخرى قبل أن آذن لكِ. 
-    أريد أن أرى هذه الصورة.
ابتلع ريقه بعصبية فأردفت:
-    لمن هي؟
-    هذا ليس من شأنك. 
-    أعرف أنها صورة أماندا.. خطيبتك الأولى. 
قال وهو يبتسم ساخرًا:
-    ومادمتِ تعرفين.. لماذا تريدين رؤيتها؟
-    آسر أنا زوجتك الآن وعليكَ أن تحترم مشاعري. 
-    أحقًا..؟
-    نعم.. عليكَ مُراعاتي حتى وإن لم يكن زواجنا حقيقيًا.. سوف نفترق عما قريب وعندها افعل ما شئت.. فقط بعد أن تطلقني.
عجزت عن تفسير نظراته إليها وهو يدفعها دفعًا لتغادر غرفته قبل أن يغلق بابها بلا تحضر خلفها.. ظلت تطرقه في هيستيريا عله يفتحه من جديد غير مبالية بردة فعله ولا ثورته.. داخلها بركان يحرقها حرقًا.. يُصهرها شوقًا.. هذا المختل كان لها يومًا بل سنوات فكيف تفقده..! 

لن تسمح له بعشقها متى شاء ونبذها متى شاء.. 
ألقى بنفسه فوق فراشه محبطًا.. دفن وجهه بين كفيه وراح يستمع لثورتها مغمض العينين.. لم يكن سعيدًا بعنفها هذه المرة.. لماذا تصر على اختراق حصونه مادامت لا تريده؟  لماذا ترغب في كسر كبريائه بهذه الشراسة والأنانية؟ 
بماذا تشعر وهي تهزمه حتى بينه وبين نفسه؟
أخذ نفَسًا عميقًا وأمسك بصورتها من جديد يتأملها في عتاب.. راح يشكوها منها إليها بعشق مستعر نفد صبره.. ابتسامتها تحمل ضعفًا محببًا بقدر ما تحمله عيناها من التحدي والدلال والقسوة أيضًا. 
قسماتها التى أدمنها حفرت في قلبه ينابيع لا تُعد ولا تُحصى للصفح والغفران.. بادلها ابتسامتها في حنين ونهض ليفتح لها بابه وذراعيه لكنها كانت قد ذهبت لتتركه وحيدًا.. كانت تتسلى كعادتها. 
طفلة مُشاكسة تلهو بقلبه العاصي.
***
غادر إلى عمله دون أن يمر إلى غرفتها ليسألها إن كانت ستذهب لدروس الطهو هذا الصباح أم لا.. نام ملء جفنيه واستيقظ نَشطًا بينما هي لم يغمض لها جفن..! 
سوف تُجن لو بقيت معه وقتًا أطول. 
أكثر من ثلاثة أشهر مضت الآن.. أمازال والدها طريح الفراش؟  
ربما تحسنت صحته قليلًا بما يسمح له برؤيتها بلا تذمر ولا انتكاسة.. عليها العودة إلى مصر بأسرع ما يمكنها.. عليه أن يُطلقها ولو اضطرت إلى إخفاء الأمر عن والدها مؤقتًا.. سوف تخبره بأنها جاءت إلى مصر للاطمئنان على صحته ليس أكثر.. 
نعم.. سوف تعود إلى مصر طلقها أو لم يفعل.. لا تظنه سوف يعترض كثيرًا.. فهو في حاجة للتخلص منها حتى يخلو له الوقت للتمتع بمعشوقته الشقراء دون إزعاج منها.. لم يعد يُقصر منذ عودتهما من ذلك الكوخ في إشعارها بأنها عبء يُثقل كاهله. 
لكم كانت غبية عندما صدقت قصة عشقه الواهية لها..!
جمعت أغراضها ووضعتها في حقيبة السفر الكبيرة التي جاءت بها منذ شهور.. كانت يومها مُجبرة على المجيء معه.. واليوم شعورها لا يختلف كثيرًا.. مازالت مُجبرة.. على تركه هذه المرة.

تنهدت في مرارة وهي تُغلق حقيبتها وتضعها جانبًا.. سوف تعد له وجبة أخيرة قبل أن تسافر وتتركه للأبد.. ولكن ماذا لو كان قد تناول وجبته مع أماندا كما اعتاد مؤخرًا؟ 
لا بأس.. يُمكنه أن يحتفظ بوجبتها في ثلاجته حتى تفسد. 
ما كادت تجهز الخضار لتشرع في الطهى حتى رن جرس الباب.. كان سائقه.. ذلك الرجل الطيب الذي نقلهما من المطار إلى هنا في المرة السابقة.. يا لها من مصادفة..؟!
هل يعلم أن عليه العودة بها إلى المطار بعد ساعات قليلة..؟ 
بادلته تحيته مبتسمة.. قال الرجل في أدب جم:
-    عُذرًا يا سيدتي.. ولكن آسر بك نسى بعض الأوراق الهامة فوق مكتبه وطلب مني الحضور لأخذها لأنه مرتبط باجتماع عاجل مع وفد من المستثمرين الفرنسيين.

هزت رأسها متفهمة وهي تتقدمه لغرفة مكتبه.. ما كادت تفتح بابها حتى تهلل وجه الرجل وهو يشير لبعض الأوراق الموضوعة فوق الطاولة القريبة من المكتب الخشبي قائلًا:
-    ها هو الملف المطلوب.. أزرق اللون كما أخبرني آسر بك.
أخذ الأوراق وغادر المنزل على عجل ليلحق بـ آسر قبل دخوله حجرة الاجتماعات مع الوفد الفرنسي.. يبدو أنه لم يلحظ ذلك المفتاح الذي سقط منه سهوًا في ذروة عجلته.. التقطته وأسرعت تعدو خلفه صارخة تناديه ولكنها لم تلمح سوى طيف سيارته على مسافة بعيدة. 
تطلعت إلى مفتاحه وهزت كتفيها في حيرة وما لبثت أن وضعته في جيب فستانها.. سوف تُعطيه لآسر وهو يعيده إليه. 

عادت إلى المطبخ لتتابع عملها الذي بدأته في إعداد الطعام.. لم تستغرق وجبتها البسيطة وقتًا يذكر.. عليها أن تغتسل الآن وتستعد لمواجهته.. ستعود إلى أسرتها هذا الأسبوع شاء آسر أم أبى. 
خلعت ثوبها فسقط المفتاح أرضًا.. تأملته بعين متفحصة هذه المرة.. عجبًا.. كيف لم تلحظ من قبل أنه يشبه مفتاح غرفتها؟!
لم يسقط المفتاح من السائق إذًا.. بل سقط منه.. من آسر. 
عضت على شفتيها في فضول.. تمتلك الآن مفتاحه السحرى.. مفتاح غرفته التي يصر على غلقها بإحكام كلما غادرها. 

ما الذي يخفيه فيها ولا يريدها أن تعرفه؟ 
لم تصمد أخلاقها طويلًا أمام الفضول القاتل الذي تملكها.. عادت ترتدي ثوبها واتجهت في خطوات ثابتة نحو غرفته.. فتحت بابها في إثارة ونشوة وكأنها دلفت إلى مغارة "على بابا" المسحورة.. أطلقت تنهيدة طويلة وهي تتأمل محتوياتها قبل أن تقرر العبث بها.
ضاقت عيناها عابسة.. أين أخفى صورة أماندا..؟  حتى ليلة أمس كانت هنا.. هل يأخذها معه إلى مكتبه أيضًا.. ولكن ما حاجته لها هناك إن كانت أماندا نفسها أمام عينيه كل الوقت؟!
زفرت بضيق قبل أن تشرع في فتح أول الأدراج بجوار سريره.. أوراق والمزيد منها في كل الأدراج.. شهقت في انتصار وهي تلمح تلك اللفة من الخطابات في ركن بالدرج الأخير.. أخرجتها وراحت بلا خجل تفضها لتكتشف محتواها. 
إنها تلك الخطابات التي حدثها عنها فادي.. خطابات من والدته في كل منها صورة لفتاة مصرية.. عروس تنتظر موافقته على الزواج منها.. أخبرها صديقه بأنه لم يكلف نفسه عناء النظر لأي منهن مرتين.. فلماذا يحتفظ بصورهن إذًا؟ لماذا لم يمزقها أو حتى يعيدها إلى والدته طالما أن الأمر لا يهمه البتة كما يزعم؟! 
 تغاضت عن تساؤلاتها الكثيرة وهي تفتش بينها عن ذلك الذي يخصها.. ترى ماذا كتبت له والدته بشأنها؟ هل أخبرته حقًا بأنها تنتظر إشارته لتزف إليه كما ادعت مع الأخريات؟!
وجدته أخيرًا.. هذه المُسنة الخبيثة.. حديثها الكاذب عن لهفتها وشوقها لرؤيته لا يختلف كثيرًا عما ذكرته عن بقيتهن؟  شعرت برغبة مجنونة في تمزيقه لولا خوفها من إن يكتشف أمرها.. تنهدت بغضب قبل أن تلتقط خطابًا آخر لمحت فوقه خطًا مألوفًا لها.. لم تكن مُخطئة.. كان الخط لوالدها بالفعل..!
اتسعت عيناها في عدم تصديق وهي تقرأ فحواه سطرًا بعد آخر.. لقد تعافى والدها إذًا وطلب منه أن يُطلِّقها ويعيدها إلى مصر في أقرب فرصة.. فلماذا لم يفعل؟
عادت كلمات فادي تطن في أذنيها.. هل هذا الفولاذي يعشقها بالفعل ولا يريدها أن تبتعد عنه؟

استنشقت عطره الذي استشعرته حولها في نشوة وهي تستلقي سعيدة فوق فراشه.. داعبته بأصابعها في نعومة كمن يداعب آلة موسيقية يعشقها.. كانت تعزف لحنًا للحب فوق خيوطه القطنية. 
تأوهت لذلك الغلاف الصلب الذي خدش أصابعها عندما همت باحتضان وسادته.. نهضت وجذبته في عبوس ما لبث أن تحول إلى ابتسامة غامرة وهي تتطلع إلى صورتها التي أخفاها تحت وسادته.. لهذا إذًا لم تجدها في خطاب والدته. 
ليست صورة أماندا بل صورتها.. هي من كانت تشاركه خلوته وسهده..!
ولكن لماذا يخفي الأمر عنها؟ هل يعتقد أنها مازالت تعشق رامز؟
أخرجت في حماسة ما تبقى في الدرج من محتويات.. لم تعد تدري عن ماذا تفتش.. المرات المعدودة التي تقابلا فيها قديمًا لم تترك لهما ذكريات تُذكر.
منَّت نفسها بخطابات لم يرسلها.. ربما كان يخفي رومانسيًا مُعذبًا سطر لها أبياتًا من الشعر تُسحرها.. أو رسّامًا هائمًا رسم لها وجوهًا من مخيلته غير تلك المصورة التي يحتفظ بها.. سوف تُسعدها حتى وإن زاد في معالمها خطوطًا وطمس أخرى. 
ضاقت عيناها ما إن وقعت على دفتر المحاضرات الصغير الذي بدأ الزمن يبصم أوراقه وغلافه.. يبدو أنه يحتفظ به منذ فترة لا بأس بها.. أمسكت به حالمة.. أيعقل أن يكون آسر قد دون به مذكراته الخاصة..؟
وإن كان قد فعل.. بأي حق ستبيح لنفسها أن تقرأه وتكتشف أسراره؟
سرعان ما عاد فضولها ينتصر ثانية وهي تبرر فعلتها بعشرات الأعذار أولها حبه.. ذلك الذي زارها مؤخرًا ربما.. ولكنه حمل لها أشواق السنوات الماضية كلها دفعة واحدة..!
عضت على شفتيها في إثارة وهي تُمني نفسها بقصيدة عشق في أولى صفحاته.. سوف تقرأها بصوته وتهديها إلى قلبها ليزداد رقصًا.. وسوف تعيد إهداءها إليه علّه يسمع مناجاتها ويأتي صاغرًا يفتح لها قلبه الذي أحكم إغلاقه أكثر مما أحكم إغلاق غرفته. 
سيسقط مفتاح قلبه العنيد كما سقط مفتاح غرفته قبلًا.. وهذه المرة ستكون طواعية.. سوف ينثر فوق مسامعها كل قصائده ويكررها.. لن تمل صوته أبدًا فلا أجمل من صوت الحب.
ملكًا بيـــن أفـــــــــــكاري 
لا أدري كيف تـــوجتك
ومتى خطيتَ أســــواري
وملكتَ القلب في يدك
***
تعالَ حبيبي .. قبِّل حنيني 
اعزف بقلبي لحنًا .. إليه المنى
أناجيكَ  فاقبِل .. هيا لا تغفل
مخلوقة من عشـــــــقٍ أنا
***
تأففت ساخطة وشهقت مستنكرة وهي تتطلع لتلك المعادلات الكيميائية التي سطرها في دفتره العتيق.. لم تكن تلك الرموز هي ما توقعت أن تجده هنا..!
سقطت من سمائها الوردية واجمة.. ربما يحمل هذا الدفتر بعضًا من أسرار صناعته الغالية.. صناعة العطور.. نسب وتركيبات ومواد كيميائية ليس أكثر.. كنزًا بالنسبة له.. أما عنها.. فكل ما تمنته في هذه اللحظة هو أن تحرقه وتحوله إلى رماد كذلك الذي تحولت إليه أحلامها منذ قليل.
تعجبت لهذه الوردة التي يبست بين أوراقه.. تحسست أوراقها الجافة ساخرة.. تبدو كواحة شاذة سطعت وسط صحراء لا نهاية لها.. ما عساها تفعل بين معادلاته ورموزه..!
ربما أريجها هو ما شده إليه.. عطرًا جديدًا استوحاه من بين بتلاتها يوم كانت نضرة.. 
ولكن لماذا لم يتخلص منها بعدها.. لماذا تركها حتى بهتت فوق أوراقه وأتلفت بعضًا من رموزه الغالية..؟!
عادت تتأمل المعادلات بخيبة أمل وحسرة وما لبثت أن نهضت فجأة وراحت تهز رأسها في عدم تصديق.. لم يكن هذا خط آسر.. بل خطها هي.. 
هذا الدفتر كان لها يومًا..!

سرحت بذاكرتها إلى ذلك النهار.. يوم جاء مع والده لزيارة والدها.. كانت تنتقل من غرفة إلى أخرى في محاولة يائسة لفهم درس من دروس الكيمياء عاصية الفهم.. لمحها في غرفة الجلوس تندب حظها العاثر وتتمتم ساخطة ولكنه تجاهلها كعادته. 
ووجدتها فرصة لصب جام غضبها فوق رأسه.. كانت تريد أن تنتقم فيه من تلك المادة التي تبغضها أكثر من أية مادة أخرى.. اقتربت منه وقالت مشاكسة:
-    أشرح لي هذه المعادلات. 
اتسعت عيناه وهو ينظر إليها في دهشة.. لم يكن بينهما حديث مُشترك من قبل.. كان صراعًا وعِراكًا ليس إلا.. تضاعفت دهشته عندما أردفت في مزيد من الاستفزاز وعدم اللياقة: 
-    صدعوني بقولهم أنكَ عبقري في الكيمياء.. ألا تستطيع تفسير هذه المعادلات البسيطة لي..!
-    فقط عندما تطلبين ذلك بطريقة أكثر تهذيبًا.
-    مثل طريقتك في الحديث معي..!  
تفحصها ولم يُعلق فأردفت في مزيد من السخرية والتهجم: 
-    بماذا أخبركَ..؟ أقسم بأنكَ أسوأ شاب قابلته في حياتي.. لم يُعاملني أحد كما تعاملني أنتَ أبدًا.. ألا ترى أنني أنثى ومعاملتي تستوجب اللياقة التي تطالبني بها..؟!
كانت نبرتها مرتفعة تحمل غضبًا لا ذنب له به.. توقعت بعدها أن يُغادر منزلهم عدوًا بعد أن يقذفها ببعض من كلماته الجافة أو يرمقها بنظرة من نظراته المتعجرفة القاتلة.. ولكنها فوجئت بتلك الابتسامة التي طاردتها طويلًا فيما بعد.. 
نعم.. ظلت أيامًا تحلم بها.. حتى رأته ثانية وتلك الكآبة تملأ وجهه وتطمس ملامحه.. طردت ابتسامته وطردته من مخيلتها ساخطة.. فهو هوائي مجنون.. يكفي أن الكيمياء هي عشقه الوحيد..!   
ارتبكت يومها لابتسامته التي تراها للمرة الأولى قبل أن تتصنع التهذيب قائلة:
-    من فضلك وإحسانك يا دكتور آسر.. هل تكرمت وشرحت لعبدتكَ الغبية هذه المعادلات المعقدة؟
قال دون أن يرفع عينيه عن وجهها:
-    مادمتِ عبدة وغبية أيضًا.. فلستِ بحاجة إلى المعرفة.. لا تستحقين عنائي.
-    ما الذي تريده بالضبط؟
-    مازلتِ أصغر من أن تفهمي ما أريده.
يبدو أنها كانت أصغر بالفعل من أن تفهم ما يريده منها.. كان مُحقًا.. لكنها شعرت بالتمرد لكلماته وهمَّت أن تصرخ بوجهه موبخة لولا أنه قال سريعًا وهو يشير إلى الكرسي المواجه له:
-    أعطني هذا الدفتر واجلسي هنا. 
تعمدت أن تتجاهل الكرسي الذى أشار لها به وجلست بجواره متغاضية عن الانفعال الذي أصابه لقربها منه.. بل أسعدها ارتباكه وتجمر وجهه الذي ازداد عبوسًا.. في حماقة ظنته حينها غاضبًا. 
راح يُسطر في يسر معادلة تلو الأخرى.. أصابعه وهي ترسم الرموز والمعادلات فوق صفحات دفترها البيضاء لم تكن تختلف عن لمسات أصابعها لأوتار الكمان.. كان عشقه للكيمياء لا يقل عن عشقها للموسيقى.
طريقته السلسة وهو يشرح لها ما استعصى عليها فهمه.. أشعرتها بالخجل لكونها عجزت عن استيعاب الدرس بمفردها سابقًا.. كان أبسط من أن يؤرقها.. يبدو أنها كانت غبية بالفعل. 
طلب منها أن تكتبها أمامه مرارًا حتى تأكد أنها استوعبتها تمامًا ولن تمثل لها عائق فيما بعد.. أطلقت زفرة طويلة وهي لا تصدق أنها خطت كل هذه المعادلات والرموز.. قلبت الصفحات فاغرة الفم قبل أن تلقي بالقلم فوقها بضجر لا يخلو من الراحة.
قال أخيرًا وهو يزيح القلم جانبًا:
-    جيد.. أنتِ لستِ غبية ولكنكِ صغيرة كما أخبرتكِ منذ قليل.
صاحت في تذمر:
-    أنا لستُ صغيرة.. سوف ألتحق بالجامعة بعد عامين.
-    سأكون أنا قد أنهيتها.
-    حتى وإن لم تكن قد أنهيتها.. فأنا لا أنوي دراسة الكيمياء. 
عضت على شفتيها في شغف وأردفت هائمة:
-    سوف أدرس الموسيقى.. 
-    حسنًا ستفعلين.. فأنتِ لا تملكين رأسًا يصلح للكيمياء. 
رمقته بنظرة شرسة قبل أن تهتف في نبرة أكثر شراسة:
-    سوف أُحلّق في السماء بينما أنتَ مُنحني فوق رموزك حتى تشيخ ويلتصق رأسك بمكتبك.
كانت ضحكته ساخرة ولكنها ساحرة وهو يمد لها يده بالدفتر قائلًا:
-    خذي دفترك واذهبي.
-    كلا.. أنا لا أريده.
-    وكيف ستسترجعين المعادلات؟
-    خزّنتها كلها في ذاكرتي.. هل صدقتَ بأنني غبية بالفعل؟! 
ابتسمت وهي تتابع في مرح: 
-    كنتُ أستعطفك ليس إلا.
ابتلع ريقه في عصبية تُناقض الهدوء الذي تحدث به قائلًا:
-    لن يضرك أن تحتفظي به.. ربما خانتك ذاكرتك واحتجت إليه.
أزاحت يده في عناد قائلة:
-    احتفظ أنتَ به مادمتَ تعشق معادلاته البشعة. 
أمسكت ياقتها زهوًا وأردفت في دلال ألهب عينيه بريقًا:
-    اعتبره تذكار مني.. من نجمة الموسيقى مستقبلًا. 
تركته وعادت إلى غرفتها شامخة الرأس كمن حقق نصرًا للتو.. بل نصرين.. هزمت الكيمياء وعاشقها أيضًا.. فليحتفظ هو بكنزه إن أراد.
لم تتخيل ولو لحظة واحدة أنه سيحتفظ به بالفعل.. ليس عشقًا في بشاعة معادلاته بل عشقًا في بشاعتها هي.
تأملت الوردة التي أهداها لأوراقه واستنشقت عبيرها الغابر في نشوة.. وكأنها ذبلت حزنًا وإحباطًا وهي تفرغ رحيقها وعطرها بين معادلاته في رجاء قتله طول الزمن وبُعد المسافات.. كان من المُفترض أن يهديها لها.. ليته فعل.. ربما ما كانت ذبلت أبدًا..!
احتضنت الدفتر بالقوة ذاتها التي أغمضت بها عينيها وملأت بها رئتيها من هواء غرفته وهي تتساءل ما الذي عليها أن تفعله الآن؟
هل تواجهه بما عرفته للتو وتطلب منه غفران غبائها غير المقصود؟
وهل سيعفو عنها ويعترف لها بحبه بلا تعقيدات ليبدآ معًا حياة جديدة؟
هزت رأسها في عدم اقتناع.. لن يكون آسر لو فكر بتلك البساطة التي تتخيلها.. بل سيتهمها باقتحام غرفته والتلصص على أسراره.. لن يقبل عندئذ كل مبرراتها.. ستكون ردة فعله عكسية عنيفة وسوف يزداد الأمر سوءًا.
الأفضل هو أن تُعيد أشياءه المبعثرة إلى أماكنها قبل عودته.. مفتاح غرفته أيضًا عليها أن تلقي به حيث وجدته فوق سجادة الردهة.

انتظروا تكملة الرواية أحبائي,


رابط الحلقة التاسعة 
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/621767.html
رابط الحلقة العاشرة
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/622470.html
رابط الحلقة الحادية عشر
https://www.gomhuriaonline.com/GomhuriaOnline/626387.html





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق