• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

رحلة القاهرة لباريس الساهرة: بين النيل والسين
كتاب بين النيل والسين : رحلة القاهرة لباريس الساهرة الصادر عن دار نشر السراج المكون من 250 صفحة وعرض بمعرض  القاهرة الكتاب الدولى صالة 2 جناح C32

إقرأ أيضاً

مفاجأة .. كهربا لن يتعرض لعقوبات بعد انتقاله للاهلى

صور نادرة من حفل زفاف حسن يوسف وشمس البارودى

مفاجأة .. نيمار بديلا لصلاح فى ليفربول

شمس البارودي تعلق على عودتها للتمثيل


بقلم: د. فتحية الفرارجى
 

الكتاب يحتوى على موضوعات شيقة جدا تصل إلى ما يقرب من ستين عنوان من بينها : جذر بلا ساق وقراءة الخريطة، أول فنجان قهوة باريسية، الرسائل الومضية و" الجنة الرقمية "، الشمس ولوحة الشتاء الأبيض والأسود، حموضة الموضة، عندما يأخذ الحيوان مكانته 
قبل أن تقلع الطائرة لباريس طافت كاميرات الرحلات فى سمنود، وبنها، والقاهرة، ودمياط، وبور سعيد، وبلطيم، ورأس البر، والإسكندرية، والعامرية، والأقصر، وأسوان، حتى الغردقة، والعريش، وجنوب سيناء، والفيوم، والسادات، ومرسى مطروح، وشرم الشيخ، وطنطا، إلى فرنسا وسويسرا. هكذا مع زيارة كل مكان يتشكل إطار برواز للوحة فريدة من عجينة تلتصق بإطار خشبي رفيع يمر عليه إطار نحاسي منقوش بارز ومحفور غائر فيه نقوش فريدة يلونها كل مكان بلونه إمَّا الذهبي مع حرارة الشمس أو الفضي مع نزول الثلج أو السندس مع خضرة نضرة. كلها ألوان بديعة من وحي المكان ونقوشها مستوحاة من بقع جغرافية مختلفة، بعض هذه اللوح لامعة ناصعة
ألوانها براقة الناظرين وبعضها يُغطيه التراب الذى يجعل صورتها باهتة مطموسة الملامح رغم روعة ألوانها الباهرة.


سَكنِى بالمدينة المُزهِرة بوزنسون" "Besançon
هرعنا إلى القطار السريع... بل إن صح التعبير إلى الطائرة التى تسير على قضبان التى قطعت 327,27 كيلومترًا فى أربع ساعات تقريبًا. لم أتخيل فى حياتي أنى سأركب قطارًا بهذا الجمال وهذة النظافة والمقاعد المريحة ولأول مرة أجد منضدة داخل القطار الذى لم يتوقف إلا عند وصولنا فى المدينة وجهة سفرنا بوزنسون. وكان الصراع بين المسافة والزمان، وهكذا هبطت من باريس إلى شرق فرنسا. لم أسمع ضوضاء الباعة الجائلين، أو رنات المسافرين، أو حورات المتخاصمين، أو غزو حشرات القطار لحقائب المسافرين. وشعرت بجوع شديد وتجولت فى هذا "القطار الطائر" تصحبنى أجنحة الفضول إلى الحمامات النظيفة والمطعم الصغير كأنها حجرة سفرة معدة
تمام الإعداد بمأكولات شهية ويعج المكان عجًا برائحة القهوة الباريسية التى ظننت من شدتها أنها الوقود الذى تتصاعد أدخنته من أفواه المسافرين فيزيد انتباههم وتفكيرهم وسرعتهم... سرعة فى إيقاع الحركة... سرعة فى الكلام... سرعة فى التفكير والانفعال. وبعدما نزلت ومعى حقائبي كنت أريد التخلص منها لثقلها ولأنى لم أحمل شيئًا ثقيلا وحدى فى حياتي قط فهنا الأب أو الأخ أو الرجل الذى يمد يد العون للمرأة عندما تتواجد الحقائب. لولا حاجتى إلى الطعام الذى أعدّته لى أمي، وملابسى المغسولة بمياه النيل والتى جفت تحت شمس مصر وأقلامى وأوراقى البيضاء الخالية من السطور التى أعددتها لأملأها بحروف لاتينية وأفكار فرنسية... لماذا اشغل عقلى بثقل حملها
والتردد فى الإبقاء عليها؟ ونزلت فى المدينة الجامعية وملأت الخضرة عيني حتى عنان السماء فى أول مدينة خضراء في فرنسا. والأولى في حالة السكان الصحية والخامسة في التصنيف العام )الترتيب الصحي للمدن( لسنة 2006 . والأولى في المسابقة الوطنية العاصمة الفرنسية للتنوع البيولوجي لسنة 2010 . ووصلنا إلى مكان حجز السكن وطلبنا، نحن الفتيات العرب أن يكون هناك دور خاص بالسيدات لأنه بعد ثورة 1968 أصبحت المدن الجامعية مختلطة ونحن نحب التمسك بذاتيتنا وردائنا العربى وحجابنا الذى لا يختلف عن غطاء رأس الراهبات.
وأردنا أن يكون هذا الدور بحماماته المشتركة صومعتنا الصغيرة وتلاقينا: لبنانيات، وسوريات، وجزائريات، ومغربيات، وتونسيات، وسودانيات بكل لهجاتنا المختلفة وحروفنا الواحدة وملامحنا المتدرجة فى بنيتها. اجتمعنا فى الحديقة التى يقع داخلها المسكن. وكن يترنمن الأغانى المصرية ويحكون أنهن مغرمات بالأفلام المصرية. كانت حجرتى على ربوة عالية تطل نافذتها على مجموعة من الأزهار زاهية فرحة الألوان. لكنى تعجبت من سُمْكِ النافذة وكأنها حاجز منيع

وكان بجوار الباب دولاب توضع فيه الأغراض وبطاطين فتعجبت وقلت نحن فى الصيف ما الحاجة لهذه الأغطية! لم أكد أُنهى سؤالى حتى ردت الطبيعة بسيل من الأمطار لمدة ثلاث ساعات،

وبرق ورعد فى الساعة الرابعة عصراً. ومن شدة الصوت أغلقت النافذة وجذبت الستارة حتى أستريح قليلا وانتابنى شعور بالخوف والاكتئاب لطول مدة الرعد والبرق وكأنها الآخرة. ولكن قطرات الأمطار تعرف طريقها؛ فتسكن فى قنوات مغروسة فى الطرقات. أتت الطبيعة الصاخبة تصرخ وأنا أصرخ من داخلى بسبب رتابة الإيقاع والحياة اليومية شبه المنسوخة والمتكررة على مدار سنوات تكسوها الألوان الباهتة والتراب الذى طمس كل الملامح. ونزلت كالطفلة التى تبحث عن بركة جمعتها مياه الأمطار لتغسل فيها كل الذكريات. ولكن اغتسلت المدينة ولم تغتسل ذكرياتى لأنى لم أجد هذه البركة فالأمطار كان طريقها محدد ومعروف. إنها تجد مأوى لها داخل خزانات وتمر لها فى فتحات جانبية فى الشوارع أو على أسقف ممرات للمياة لتسكن فى خزانات تستعمل لأغراض كثيرة كرى حديقة المنزل أو غسل السيارة وأغراض أخرى.وجذبتنى رائحة العشب المبلل وفتحت شهيتنى لأمشى وسط هذه الخضرة بكل درجاتها فى ثالث مدينة أوربية على مستوى فرنسا فى المساحات الخضراء، وشعرت بتضاريس المدينة بهضابها ومنخفضاتها وكنت أطلع وأنزل على أرضها كما تعلو وتهبط طاقة أحلامى مثله مثل الجهاز الذى يرسم نبض القلب. ومع ارتوائها من صنبور الطبيعة سكنت رائحة الخضرة ومدت ذراعيها واحتضنتنى. وصار القلب الذى نبت وأكل من ثمار الأرض الطينية الخصبة لدلتا النيل فى فرنسا كإناء فخاري جاف يمتص الماء وتفوح منه رائحة التربة الأصيلة، وتتغير ألوان مسامه وحرص هذا القلب على ألا تجف من أعماقه أمطار فرنسا ومياهها حتى ولو لم يقف تحتها لتغسل قطراتها ما فى جوفه من حزن أو ألم أو مرض.

وفى هذه اللحظة تذكرت خطاب عميد الأدب العربى "طه حسين" عندما كتب إلى "توفيق الحكيم" فى أغسطس 1945« : "جو مكفهر عاصف برق مرعد فيه مطر كثير وبرد شديد وشمس ضئيل تطالعنا بين ذلك من حين إلى حين لتعزينا بالخروج والنزهة ثم تستخفى فجأة وترسل إلينا السحاب والبرد وتضطرنا أن نعود إلى الفندق كما يعود السجين إلى السجن حين تدركه الشرطة. أنا أكتب إليك والرعد يملأ الجو من حولنا والماء ينهل كأنما تفتحت عنه أفواه القِربَ. »

وفى اليوم التالى بدأت المحاضرات فى مركز اللغويات التطبيقية. وكان بريق المبنى يتنافس مع بريق أحلامى. تلك الفنارة الصغيرة تجمع فيها طلاب من كل أجناس العالم. ودخلت من الباب امرأة تركب عجلة وترتدى شورت فتعجبت من هيئتها وتمنيت أن أركب العجلة مثلها ولكنى أعمل بالجامعة وكونى معيدة كيف سينظر الطلاب لي؟ وتسلمت ملف البرنامج التعليمى والبرنامج الترفيهى واخترت المحاضرات التى سأحضرها وما إن دخلت أول محاضرة حتى وجدت السيدة التى كانت تركب العجلة واقفة أمامنا تعرفنا ببرنامج تدريس مادة الصوتيات وتوزع علينا أول محتوى للمحاضرة. توجمت ونظرت من النافذة طويلا وتساءلت: لماذا لم يسخر أحد من ركوب الأستاذة الجامعية الدراجة ولا من ملابسها!؟.

وسارعت بالإطلاع على البرنامج الترفيهى واخترت من برنامج الرحلات السفر "لسويسرا" ودفعت قيمة الرحلة وتقدمت للسفارة السويسرية للحصول على تأشيرة السفر وهناك وجدت زميلة لنا تبكى. فتحدثت معها وعلمت أنها إيرانية وأنها لن تستطيع السفر لوجود تعليمات بعدم منحهم تأشيرة السفر. ولكنها كانت فتاة قوية الثقافة فقالت: يكفى أننى بفرنسا وسأذهب لباريس بعد إنتهاء الدورة التدريبية. لقد كانت فتاة ذات ملامح جميلة جدا وكانت أنيقة جدًا ومتمكنة فى اللغة الفرنسية.

وظللت أحوم حول تمثال فيكتور هوجو وأتلمس عبقريته فى المكان وسعدت بالإعلان عن رحلة لسويسرا وبادرت إلى السفارة السوسرية للحصول على تأشيرة لنقضى يومًا هناك. 

ومنذ دخول المدينة وعقارب الساعة ترتسم وسط الحدائق وعلى الجدران وفي الميادين. ومع مشاهدة أكبر مقر للأمم المتحدة فى العالم بعد نيويورك والأشجار القديمة للغاية وقصر العدالة، كانت تتعالى فى أذني أصوات أطفال فلسطين. ورشقهم الحجارة فى وجه من احتل منازلهم ومدارسهم وحياتهم.

وأمام بحيرة ليمان وجبل مون بلان تعالت أصوات أمواج البحر المتوسط وتلاحقها لتلفظ الراحلين من كل بلدان العالم لينثروا ثيابهم البالية فى أعماق شواطئ فلسطين وأمام جدار المصلحين الذى أُنشئ عام 1917 على طول مائة متر وارتفاع عشرة متر الذى يؤرخ للإصلاح الدينى من خلال التماثيل الأربعة لكل من: فاريل وكالڤان وبيز ونكس. ومرورًا أمام تمثال هنرى دينونت مؤسس الصليب الأحمر والمعترض بشدة على التعذيب الذى أجرى فى هذه البلد، أمام المسرح الكبير الذى يرجع للقرن الرابع عشر، تبادر سؤال فى ذهني: هل هناك ممثل بارع يمكن أن يمثل للناس دور "محمد دُرة"؟ هل يستطيع أن ينقل بنفس المشاعر مشهد ضرب ابنه بالنار وهو تحت ذراعه؟
وتمثال دوفور " Dufour " على جواده ذكرنى بسعد زغلول على جواده العربى الأصيل، ومرورًا بجامعة جنيف التى أُنشئت مكان حديقة نباتات تضم بذور الحلم الحديث فى مكتبتها الجامعية. كتبت عن هذه الزيارة قصيدة بعنوان "سويسرا والذكرى":

أخذنا الحافلة
بالشوق آهلة
وبجوار أطول نافورة
التقطت أجمل صورة
بين المبانى التاريخية
عقارب الساعة همتها عليَّة
وجنيف فى نظافتها وجمالها متحنيّة
وعلى الخضرة والورد الزاهى
المنظر حلو وباهى
والمطاعم فخمة بها تتباهى
وسط الممرات
تحدثك أروع لوحات النباتات
بنوا على غصنها مقرًا للحقوق الإنسانية
وعلى أرضها ابحث عن بذور الملكية الفكرية
بين غرسك وغرسها فأين أصل القضية؟
القضية المنسية
القضية الظاهرة الخفية
قضية حرية أرض فلسطينية
بين المبانى التاريخية
عقارب الساعة همتها عليَّة
وجنيف فى نظافتها وجمالها متحنية
أخذنا الحافلة
بالشوق آهلة
وبجوار أطول نافورة
التقطت أجمل صورة))) فتحية الفرارجى، نبض الورود على الثلوج، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 2013 ،
ص 37 ، 38

وتجولنا فى سويسرا وشوارعها الجميلة، وكان طعم الشيكولاته السويسريه يذوب فى فمى ذوبان الذكرى فى كؤوس الأيام. وتجولنا فى ميدان النجمة بمدينة ستراسبو روطفنا حول مقر البرلمان الأوروبى وأحياء ستراسبورج والعروض الفنية والفلكلورية تزين الشوارع وتضفى عليها البهجة والحيوية. ثم عدت إلى المدينة الفرنسية بوزنسون الهادئة البسيطة والتى كان يحتفل أهلها بحصول مدينتهم على المركز الأول عام 1997 وتوالى الحصول على هذه المكانة سنة 1999 و 2001 تبعا لدراسة "أين يحلو العيش في فرنسا؟"

وجلست على ضفاف نهر الدووب بهذه المدينة الجميلة التى ولد بها الكاتب شارل نوديه وشخصيات أدبية أخرى أمثال جان جاك بواسارد، بيير جوزيف برودون، تريستان برنار، والرسام والنحات اوجوست كليزنيهعام1814 والمخترعان اوجست ولويس لوميير، ومن الملحنين كلود غوديمال، ومن الدراجين: جون دو غريبالدي، ومن المخرجين: فرانسيس دوكيه، ومن عازفي البيانو: فيليب كاسارد.

هذا ليس بغريب على مدينة تتجسم فيها معانى الأخوة والتضامن لذا أطلق عليها "مدينة الجسور" لاهتمامها بالطفل أطلق عليها اليونيسيف "صديقة الطفل" هذا المعقل العسكرى صار معقلا ثقافيًا يعج بالطلاب الأجانب من مختلف الأجناس. وبدأت التجول فى مكتباتها لأجمع المادة العلمية لرسالة الماجستير ليكون ثمرة ومخزونًا أستطيع أن أنهل منه بعد الانتهاء من تمهيدي الماجستير عند عودتى.

وانتظمتُ فى حضور المحاضرات واستمتعت بتناول وجبات السمك فى المطعم الخاص بالسكن. ولكني اشتقت إلى اللحم الحلال فقررت أنا وزميلتى السورية أن نبحث عن محل دجاج حلال فإذا بنا نجد محل تونسى باع لنا ربع الفرخة والبطاطس المقلية ورغيف تونسى بأربعة وعشرين فرنكا وكان وقتها الجنيه المصرى يساوى فرنكين تقريبا. واكتشفت أنا وصديقتى فى اليوم التالى أنها باثنى عشر فرنكا فقط وان البائع التونسى قد ضحك علينا فقررنا أخذ حقنا وعدنا إليه وطلبنا نفس الوجبة السابقة وكشفنا كذبه وأخذنا حقنا منه. وبعدها ذهبنا للشراء من المساحات الكبيرة مثلكازينو وكارفور ومونوبرى.....

وقبل الشراء كنت أقرأ مكونات المعلبات تحسبا لوجود كحوليات بها.وذات مرة سألت إحدى الفرنسيات عن كلمة لم أعرفها فأوضحت أنها نسبة لا تتعدى الثلاثة بالمائة من الخمر وعندما وضعتُها على الرف تعجبت الفرنسية وزوجها. وكررت أنها نسبة ضئيلة جدًا أى تكاد لا تذكر، فقلت لها إننى مسلمة فنسبة صغيرة مثل نسبة كبيرة فقالت: إنّ هناك مسلمين يشربون الخمر، ويعيشون مثل الفرنسيين فرددت أنَّ فى كل ديانة هناك المتمسكين بدينهم وغير المتمسكين.

وعند انغراسى فى المكتبات وجدت عالمًا جديدًا ومجهولا بالنسبة لي، حيث كان حينها كل المعلومات على الحاسب الآلى بنظام معين من الفهرسة، وقتها لم يكن الحاسوب غير ضيف عزيز فى بعض الأماكن بمصر وكنت أخشى أن تفوتنى معلومة عن الكاتب مخزونة فى مكان مجهول عني داخل عقل الحاسوب.

وبحثت عن المسئول عن التصوير، فشرحت لي الموظفة أن الباحث هو الذى يقوم بعملية التصوير بنفسه فقلت: والله عمار يا مصر! وللتصوير كانت الماكينة تعمل بالعملة المعدنية وبالطبع مع اختلاف أحجام الكتب والمجلات والقواميس والجرائد كانت هذه العملية مهدرة للوقت وللمال. وفوجئت بأجنبى آخر يصور على ماكينة حديثة جدًا ولا يضع عملات معدنية فوقفت كتمثال رمسيس! وتحسست آثار هذه العملية وفوجئت أنه يصور بكارت يدخله فى الماكينة بدلا من العملة المعدنية. وعندما سألته، رد كتمثال الحرية أننى أمريكى امريكى. حينها شعرت بالفارق الزمنى

وفكرت فى عدم اهدار وقتى فى محاولات بائدة ماديًا وزمنيًا بوضع العملة دون الحصول على النتيجة المرجوة، وأننى لست محترفة فى تصوير جميع أحجام الكتب، والقواميس، والجرائد، والمجلات.

هذه الكروت كانت مخصصة فقط للطلاب الأمريكيين والأوربيين فقط، فركبت عجلة أحمس وحملت القلم رمحى وطالبت بمقابلة المديرة. وأصررت حتى قابلتها وقلت لها: أعلم أنكم تُقدّرون وقت الباحثين وخاصة أساتذة اللغة الفرنسية الذين يتعلمون لغتكم مثل الباحث الأمريكى. فأعطتنى المديرة الكارت وجاءت الموظفة كأن عجلات الغيظ دهستها، تتعجلنى عند التصوير لأن هناك كثيرون يريدون التصوير أو توقفنى لتصوير ما يخصها. 

وكان التجوال الأخير داخل وسط المدينة حول نهرها الذي يشبه قبضة اليد وانتقل بين كباريه الخمسة: كوبرى شارل دو جول، كوبرى كانو، كوبرى الجمهورية، كوبرى برجيى، كوبرى باتان، التى تحزم المدينة وترسم من كل واحد منها اصبع مثل القطار الصغير الذى يربط شوارع المدينة ويسير على مسافة 118 متر من القلعة.

وهكذا من كوبري الجمهورية إلى كوبري شارل دى جول كانت الباحثة المصرية تتذوق الحلوى التقليديه بالمدينه. وظللت أُعبئ القفص الصدرى بأكسجين لن أجده بعد عودتى وأختزن اللون الأخضر الذى ينمحى ويتآكل تحت أعمدة المبانى. وأحلم بكسر القفص الذى عجزت فيه الحرية المحرومة أعينها من المساحات الخضراء. 

ونزلت فى آخر يوم بحقائبى مملوءة ببعض المشتريات والهدايا، وألبوم للصور الذى بللته مياه الأمطار وكان معى بالقطار باحثات روسيات وإنجليزيات وتبادلنا الهدايا داخل القطار وعلى وجوهنا جميعًا فضول التعرف على العاصمة الفرنسية باريس. وصديقتى إيرينا الروسية أسرعت وأعطتنى علبة صغيرة خشبية مزينة بأجمل الورود ومحكمة الغلق أضع فيها أغلى المقتنيات وأغلى معانى الصداقة وأطيب الذكريات. كما استمرت المراسلات وسافرت الخطابات وطارت وحلقت طوابع كل بلد منا لزيارة البلد الآخر.

 وعدت فى ذات القطار السريع وكان الشوق للوقوف فى قلب برج ايڤل والتجول بشوارع باريس التى جال فيها طه حسين ورفاعة الطهطاوى وعبد الحليم محمود... وغيرهم من المصريين الذين سافروا من أجل العلم. يشدني بسرعة أكبر من سرعة القطار.

--------------------

أستاذ النقد و الأدب الفرنسى المعاصر - كلية التربية - جامعة طنطا
باحث مشارك(سابقا) بمعهد النصوص والمخطوطات  التابع للمركز الوطنى للبحوث العلمية بفرنسا

 







يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق