• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

ديون قديمة     

    



رؤية: أيمن سلامة

ذات صباح توجهت الى احدى ماكينات الصرف لصرف مبلغ من المال لأمر عاجل ولكننى فوجئت بالزحام الشديد أمام ماكينات الصرافة وتنبهت الى أن تاريخ اليوم هو البداية  المعتادة لصرف الرواتب والمعاشات الشهرية والموظفون يتزاحمون بشدة أمام الماكينات لصرف رواتبهم وانتظرت لبعض الوقت عسى أن يخف الزحام لكنه على العكس تزايد وحين هممت بالانصراف لفت انتباهى سيدة عجوز تجلس على الرصيف المجاور للماكينات ..وأشفقت عليها ..كيف ستقوى على  زحام الطابور .. حتى تصل الى الماكينة ..ويبدو أنها عرفت ما بداخلى فأشارت لى بذراع واهن لكى أساعدها ..وكانت تتمتم ببعض الادعية وتساندت على ذراعى حتى توجهت الى طابور السيدات الممتد خلف احدى الماكينات.. فتركتها وانصرفت ..وهى تدعو لى بصوت خافت ..وتركت الامر كله .. مؤقتا.. الى المساء حتى تخف حركة التزاحم..

وفى المساء توجهت ثانية الى الماكينة ولكنى  وجدت التزاحم اكثر مما كان فى الصباح  وكان لابد ان انتظر الى اليوم التالى وبالفعل ذهبت الى الماكينة  صباح اليوم التالى .. وكان ألامر أقل زحاما من الامس واستطعت سحب المبلغ المطلوب وحين هممت بالانصراف.... وجدت نفس السيدة العجوز تنتظر وتجلس بنفس هيئتها بالامس ونظرت اليها فاشارت لى كالامس..فساعدتها على الوقوف فى الطابور ثم انتظرت قليلا معها حتى وصلت الى الماكينة وكانت طوال الوقت لا تكف عن الدعاء بصوت خافت وحين سحبت المعاش لها فرحت وتهلل وجهها برغم انه كان مبلغا زهيدا لا أظنه .. يكفى أن تعيش به سيدة مثلها طوال الشهر  وساعدتها فى المشى حتى تصل الى وجهتها فقد طلبت منى التوجه الى صيدلية قريبة ..وهى لا تكف عن الدعاء لى لمساعدتها ..

وفى الصيدلية ..ناولت الصيدلى روشتة طبية قديمة مهترئة ..من داخل طيات ملابسها و قرأها الصيدلى بصعوبة وأحضر الادوية المطلوبة ..وعند دفع  ثمن الادوية الذى لاحظت أنه يعادل اكثر من نصف المعاش الزهيد ..فعرضت مساعدتها ..لكنها رفضت ....وهى تحمد الله ..فالمعاش يكفيها وزيادة.. و دفعت العجوز الى الصيدلى بكل نقود المعاش التى سحبتها لها منذ قليل فقد كان نظرها ضعيفا لا تستطيع تمييز النقود بسهولة ..فأشرت الى الصيدلى بالصمت واعطيته الفيزة ليسحب منها قيمة الدواء و أعاد الصيدلى نقود المعاش كاملة ..مرة ثانية ..الى العجوز قائلا لها خذى الباقى ياحاجة.... فأعادت المبلغ دونما تدقيق منها فى طيات ملابسها ثانية..وساعدتها حتى وصلت لمسكنها القابع بالدور الارضى باحد البيوت القديمة القريبة ..وهممت بالانصراف... ولكنها استحلفتنى لكى أنتظر وأشرب معها الشاى فهى لا.. تجد من تتحدث معه وتعيش بمفردها ...

وأخذت بضعف واضح تشعل الموقد القديم بالغرفة ...وتتحسس الاشياء باحثة عن مكان الشاى والسكر ...وأنقذ الموقف حضور أحدى بنات الجيران..ويبدو أن تلك الصغيرة كانت تداوم على رعاية العجوز فسرعان ما أعدت لنا الشاى وانصرفت ...وأثناء تناول الشاى تجاذبت أطراف الحديث مع العجوز و سألتها ألا.. يوجد من تعيشين معه ويرعاك ؟؟؟ اليس لك أبناء ...؟؟ فقالت وهى تنظر بضعف فى فراغ الغرفة المتواضعة ...ربك لا ينسى أحد ...فكما ترى أبناء الجيران يخدموننى ...وعندى ولد واحد.. يعيش بعيدا عنى..فقلت لها مستنكرا ..كيف يعيش بعيدا عنك ويتركك بمفردك هكذا..؟؟.. ..

فقالت بأسى ..أنا لا أستطيع أن أغضب عليه ..فأنا أخاف عليه من غضب الله ..وأعرف أن ما أنا فيه هو تسديد لدين قديم ...ثم أردفت ..بصوت واهن ..لقد دفعت زوجى أن يترك أمه تعيش بمفردها بعد ما تزوجنا بفترة قصيرة ..

ياولدى.. لقد عشت طويلا لأدرك أننا جميعا يوما ما سنرحل ..ولكن .. بعد أن نسدد ما علينا من ديون قديمة





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق