هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات
دور مجلس الأمن فى أزمة سد النهضة.. التدخل السريع ضرورة ملحة

بات التدخل السريع لمجلس الأمن الدولى فى أزمة سد النهضة، ضرورة ملحة فى ظل التعنت الأثيوبى، وإصرار أديس أبابا على المضى قدما فى تنفيذ الملء الثانى للسد فى يوليو المقبل، رافضة الوساطة الدولية، حتى يتسنى لها الاستمرار فى المماطلة والمراوغة واتخاذ إجراءات أحادية تضر الحقوق المائية لدولتى المصب السودان ومصر، فى نهر النيل.




التقاعس الدولى فى مواجهة التعنت الاثيوبى.. يدفع المنطقة إلى عدم الاستقرار
المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.. تكفل للدول الحق فى حماية 

 
فقد اختص ميثاق الأمم المتحدة, مجلس الأمن الدولى, بمهمة حفظ الأمن والسلم الدوليين, ووضع الآليات المختلفة لتحقيق هذا الهدف فى الفصلين السادس والسابع من الميثاق. وقد تطورت مصادر تهديد السلم الدولي, بحيث لم تعد تقتصر فقط على النزاعات العسكرية والحروب سواء بين الدول او داخل الدول, وإنما شملت مصادر جديدة, مثل الإرهاب الدولى والانتشار النووي, وبعد الحرب الباردة توسع مجلس الأمن فى تقدير ما هى مصادر تهديد السلم والأمن الدوليين, وفقا لما خولته المادة 39 من الميثاق, بحيث شملت تهديد الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب وضد الإنسانية كذلك نزاعات الحدود. وتعد نزاعات الأنهار الدولية من صميم دور مجلس الأمن الدولى.
وفى هذا الإطار، فإن مشكلة سد النهضة تدخل ضمن الاختصاص الأصيل للمجلس فى حفظ السلم الدولى لعدة اعتبارات, أولا أنها مشكلة تخص نهرا دوليا يمر بأكثر من دولة تحكمه قواعد القانون الدولى للأنهار, وعلى رأسها عدم الإضرار والإخطار المسبق. 
وقيام إثيوبيا بإنشاء السد بشكل انفرادى والمضى قدما فى إجراءات التشييد والتشغيل وملء خزانه دون التنسيق مع دولتى المصب, مصر والسودان, عبر اتفاق ملزم قانونى ينظم عملية التشغيل وعملية ملء الخزان, يعد انتهاكا للقانون الدولى كما أنه يهدد بتحول هذا الخلاف إلى نزاعات تهدد السلم والأمن الإقليميين ومن ثم السلم الدولي. 
كما أن مفهوم السيادة الذى تتحجج به إثيوبيا فى اتخاذ الإجراءات الانفرادية لا ينطبق مع سد النهضة, لأنه ليس مبنيا على نهر داخلى فى إثيوبيا, وإنما مبنى على نهر دولى مشترك، ومن شأن تشييده وتشغيله انفراديا أن يهدد حياة أكثر من 150 مليون شخص فى مصر والسودان. 
وهناك أكثر من 200 نهر دولى فى العالم, وعندما تقوم إثيوبيا بالتعنت والمراوغة فى سد النهضة دون وجود إجراءات رادعة فإن هذا سيدفع دولا أخرى كثيرة إلى تبنى المنهج الإثيوبى فى إقامة مشروعات مثل السدود على الأنهار المشتركة بشكل انفرادى, وبالتالى تثار الأزمات والصراعات العسكرية والنزاعات الخاصة بالأنهار وهذا يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وبالتالى، فإن لجوء مصر إلى مجلس الأمن لحل مشكلة سد لنهضة يعد مسلكا قانونيا ودبلوماسيا يؤكد حرص مصر على اللجوء إلى التسوية السياسية للنزاعات.
ومنذ عام 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق حول ملء السدّ الأثيوبى. ونقضت أثيوبيا كل تعهداتها السابقة بعدم الإضرار بدولتى المصب. وواصلت أديس أبابا إصرارها على المضي قدما في ملء سد النهضة، بشكل أحادي بالمخالفة لاتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في 23 مارس 2015، والذي ينص على ضرورة الاتفاق حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ويلزم أثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدولتي المصب.
ورغم حض مصر والسودان إثيوبيا على تأجيل خططها لملء خزان السد حتى التوصل إلى اتفاق شامل، أعلنت أديس أبابا في يوليو 2020 أنها أنجزت المرحلة الأولى من ملء الخزان البالغة سعته 4.9 مليارات متر مكعب. 
وأمام التعنت الأثيوبى، أعلنت مصر فى يوليو العام الماضى، إحالة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حتى يتدخل للوصول إلى حل عادل ومتوازن لقضية السد الأثيوبى، وعدم اتخاذ أية إجراءات أحادية قد يكون من شأنها التأثير على فرص التوصل إلى اتفاق. وقد استند خطاب مصر إلى مجلس الأمن إلى المادة ٣٥ من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول الأعضاء أن تنبه المجلس إلى أي أزمة من شأنها أن تهدد الأمن والسلم الدوليين.
وعقد مجلس الأمن فى يوليو العام الماضى جلسة لمناقشة أزمة السد الأثيوبى، بناء على مذكرة قدمتها وزارة الخارجية المصرية. وخلال الجلسة، طالبت مصر مجلس الأمن بقرار يلزم إثيوبيا بعد اتخاذ إجراءات أحادية بملء السد إلى حين انتهاء المفاوضات الجاري برعاية الاتحاد الأفريقى، وإلزام الأطراف الثلاثة بالتوصل لاتفاق قانوني. وأحال مجلس الأمن الملف إلى الاتحاد الأفريقي، وأعلن المجلس أنه سيراقب تطورات أزمة السد.
ورغم إصرار الجانب الأثيوبى على التصعيد، وإعلان عزمها تنفيذ الملء الثانى للسد فى يوليو المقبل، واصلت مصر والسودان نهجهما الدبلوماسى، ودعت القاهرة والخرطوم جمهورية الكونغو الديمقراطية – التى تتولى رئاسة الاتحاد الأفريقى- إلى قيادة الجهود لاستئناف المفاوضات بشأن سد النهضة. 
وبالفعل، استضافت العاصمة الكونغولية كينشاسا خلال يومي 4 و5 إبريل الجارى جولة مفاوضات جديدة بين وزراء خارجية الدول الثلاث بشأن سد النهضة، لأجل التوصل إلى اتفاق حول إعادة إطلاق المفاوضات بين الدول الثلاثة، لكنها انتهت دون أن تحقق تقدما، وذلك بسبب التعنت الأثيوبى.  
وكالعادة، أجهضت أديس أبابا اجتماعات كينشاسا، برفضها وساطة رباعية تضم الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما أعلنت أديس أبابا عزمها تنفيذ الملء الثانى فى يوليو المقبل. 
وأمام هذا الموقف الأثيوبى المتعنت، كان لابد تعزيز التنسيق بين دولتى المصب مصر والسودان، لاتخاذ خطوات منسقة ومكثفة لتوضيح الموقف والتعنت الإثيوبي خلال مفاوضات سد النهضة وإطلاع الشركاء الدوليين والمنظمات الدولية على هذا التطور الخطير وآثره على السلم والأمن بمنطقة القرن الأفريقي وأيضا على المستوى الدولي.
وبالفعل، وجه سامح شكري وزير الخارجية، خطابات إلى كل من سكرتير عام الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة، وطلب تعميمها كمستند رسمي تم من خلاله شرح كافة أبعاد ملف سد النهضة ومراحل التفاوض المختلفة وأخر التطورات.
و‎خلال اتصاله الهاتفى مع أنطونيو جوتيريش سكرتير عام الأمم المتحدة، أكد وزير الخارجية على ثوابت الموقف المصري الداعي إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة؛ كما تم التأكيد على خطورة استمرار إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية نحو الملء الثاني دون التوصل لاتفاق وأثر ذلك على استقرار وأمن المنطقة، فضلا عن أهمية دور الأمم المتحدة وأجهزتها في الاسهام نحو استئناف التفاوض والتوصل إلى الاتفاق المنشود، وتوفير الدعم للاتحاد الأفريقى فى هذا الشأن. 
لكن وساطة الاتحاد الأفريقى فى مفاوضات سد النهضة، لا ينفى أهمية ضرورة تدخل مجلس الأمن مرة ثانية لحل الأزمة, وخاصة أن تناول الاتحاد الإفريقى لملف سد النهضة لم يمنع إثيوبيا من المضى قدما فى إجراءاتها الانفرادية التى من شأنها ان تزيد من حدة منسوب التوتر والصراع فى منطقة حوض النيل. 
ويرى الخبراء أنه يمكن الاستناد إلى المادة 36 من ميثاق مجلس الأمن الدولي، الذي تخوله في أي مرحلة من مراحل النزاع بين الدول التدخل وإصدار قرارات ملزمة لكل الأطراف، خاصة أن المجتمع الدولي يرى التعنت الإثيوبي غير المبرر في أزمة سد النهضة.
وحسب المادة 38 من ميثاق مجلس الأمن الدولى، فإنه يمكن أن يفرض المجلس الوساطة الدولية، أو يصدر قرارًا تحكيميًا لتجنب أي صراع أو حرب قد تندلع بين الدول المتنازعة. 
ويشير الخبراء إلى أن هناك إمكانية إصدار قرار من مجلس الأمن الأفريقي وتقديم طلب للأمم المتحدة بوقف أعمال السد حتى الانتهاء من المفاوضات، إلى جانب إصدار قرار مشروع من مجلس الأمن يفيد بخطورة أعمال السد وأن أي أعمال تقوم بها السودان ومصر ستكون حماية لمصالحهم القومية.
وتقاعس مجلس الأمن عن التدخل لحل مشكلة سد النهضة، وفقا لمنطق لا ضرر ولا ضرار, والإخطار المسبق, والحقوق التاريخية المكتسبة, من شأنه أن يدفع مصر والسودان إلى اللجوء لكل الخيارات التى تضمن الحقوق المائية المصرية, التى تمثل بالنسبة لمصر مسألة حياة ووجود. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة, تتيح للدول التى تتعرض لمصادر تهديد وجودية أن تلجأ إلى الإجرءات التى من شأنها الدفاع الشرعى عن نفسها وحماية مصالحها, خاصة أن كل الاتفاقات الدولية والقانون الدولى فى مصلحة الموقف المصرى.  





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق