المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

د. هبه عبد الغني .. تواصل البحث في قصة المنتقبة 
تناول إفطاره المعتاد على مهل... ثم ألقى نظره لا مبالية نحو بلكونته وهو متأهبًا للخروج ... دون أن يحركه حب الفضول ليكمل حكاية زائرة المساء...

إقرأ أيضاً

التعليم: امتحان ورقى بجميع المواد بديل البحث لطلاب النقل قبل بدء الدراسة
التموين تعديل مواعيد عمل المخابز في رمضان
حسن راتب يتقدم بالشكر لـ محمد الباز بعد إعلان رحيله عن ٩٠ دقيقة
ابنة عمرو دياب تثير الجدل من جديد مع صديقاتها
طارق شوقى يوجه رسالة الى جميع طلاب مصر فى الداخل والخارج
اسرار القبض على الدكتور تشارلز ليبر من قبل السلطات الامريكية

    سلاسل من الدخان تتضافر وتتراقص تتعانق بانسجام دون تنافر على أنغام كل منكر ما بين آهات وضحكات ماجنة... أجساد تتلوى وأخرى تترنح... في فضاءٍ أخر غير سماء البشر... فضاء خالي من الشمس والقمر، لا يضيء سراجه إلا سفير جهنم... ولا ينتهي نهاره إلا بأمره فهو زبانيّ المجون؛ في لحظة يُوقف كل ما يدور في فلك العقول السكرى وقبل أن يشبع رواده من المتعة فيألفوها ويزهدوها وتتراجع سطوته على عقولهم وجيوبهم..
     عادَ في وقتٍ متأخر هذه الليلة مترنحًا من رائحة الدخان فهو يقدم المسكرات ولكنه لا يُدمنها فقط يتذوق الطُعم قبل أن يقدمه للزبائن فهو أخبث من أن يجعل نفسه عبدًا... فهو يقدم أطباق المتعة الممزوجة بتوابل المخدرات المحلاة بلفائف التبغ من أنواع يعدّها خصيصًا لا يملك سر خلطتها إلا هو... فتح زجاج بلكونته ليستنشق هواءً عليلاً علّه يستفيق... لمــح رسالتين والعديد من مشابك الشعر، لسعهُ البرد المحمل بما بقيّ من أوراق الشجر فأغلق سريعًا وجلس على فراشه يقرأ ...
مر ببرود على كلمات العتاب واللوم وعدم إحساسه بها، ثم فتح الرسالة الثانية ....
- ماذا أقول؟ وكيف لي أن أصفها لك؟ 
فهي أمي ... ولكن أنا متأكدة أنها بائعة للهوى !!
أتدري لماذا أنا متأكدة؟ لأنها ترتدي النقاب ليلاً وتخرج تبيع الهوى ولا تعود إلا حين يبدأ الليل في إزاحة نقابه عن الأرض وتموج خيوط الفجر الفضية على صفحة السماء، لترتمي في أحضان مصلها تبكي خطيئتها ولا يسمع حثيثها إلا الله! لا أعلم بأي وجه تقابل ربها كل ليلة وماذا تقول؟!
    لم يكمل أدهم الخطاب تركه جانبًا على فراشه ... وقد سال لعابه يشتهي تلك المنقبة الماكرة، قرر أن يراقب الحارة ساعات الفجر المقبلة ليحظى بليلة مجانية معها.... حتى شقشق الفجر وأطفئت قناديل المساء سراجها... بعد قليل ستشرق شمس الحقيقة لتغطي بنورها الكون لن يحتاج البشر لسراج مزيف يضيء هذا النهار...
ظِل أسود كالجبل يمر مسرعا مر السحاب على حافة الطريق... وكأن كلاب الجحيم في عقبيها...عض أدهم شفتيه كالجائع ولم تهدأ نفسه الشيطانية إلا بعد أن فتح الباب بخفة وهدوء اللص المحترف وجذب جارته عنوة للداخل.... وما بدأت تصرخ حتى كتم أنفاسها وهددها بالفضيحة أمام الجيران سيخبرهم أنها هي التي أتت إليه بنفسها!!
أدركت أنها في غرفته فهدأت قليلاً...
ابتعد بهدوء محذرًا بإبهامه: ألستِ غانية لمَ تقاومي؟! 
أزاحته بكل قوتها وأسرعت بالخروج ولكن وقعت عيناها على مشبك شعر ابنتها ورسالة على فراشه اقتربت وأمسكت لتتأكد فانهارت مصدومة من تل المشابك والرسائل على منضدته في الزاوية... اعتدلت وقد استجمعت قوتها أمسكت تلابيبه صارخة...
- ماذا فعلت بابنتي قاتلك الله !!
أزاحها بعيدًا عنه وقاطعها ابنتك هي التي تراسلني كل ليلة أنا لم أرها أبدًا
    لم تصدق كلامه وفتحت الخطاب بيدين مرتعشتين من هول الصدمة وقرأته بحروف تترنح دامعة على حافة الانتحار، فالموت أكرم لها من أن تنعتها ابنتها الوحيدة ببائعة الهوى، ابنتها قطعة من القلب لا إنها هي القلب ... إنها هي الحياة.... فبعد أن هجرها زوجها لإحدى الدول الأوروبية وتخلى عن أبوته عكفت على تربيتها وجعلت حياتها محرابًا لحب وخدمة ابنتها حتى وقع حادث سيارة لابنتها وبُتر أحد ساقيها، وتوقفت عقارب الساعة عند هذا الحادث، ولم تشرق الشمس على كليهما، كرست كل جهدها للعمل ليلاً ونهارًا لشراء طرف صناعي لابنتها حتى تعود لمدرستها بعد أن كرهت المدرسة والتعليم من سخرية زميلاتها منها بسبب إعاقتها واستخدامها العكاز بشكل دائم..
- نعم انشغلت عنها بها... انشغلت عنها لها ... كنت أحيا من أجلها...
- ألستِ بائعة هوى ؟
نظرت له بضيق وضجر أنا أعمل في مصنع للغزل والنسيج واضطررت للعمل بوردية الليل مع الرجال بالإضافة لوردية الصباح حتى استطيع شراء الطرف الصناعي لها قبل بداية العام الدراسي الجديد حتى لا يضيع من عمرها عامٍ أخر... لهذا السبب ارتدي النقاب ليلاً ليكون حصنًــا لي من كلاب الطريق...
ابتلعت غصتها بشرف يبلل خديها دموع انهمرت جمرات مسحت وجهها بالرسالة المتهرئة في حسرة وقالت بصوت مخنوق: أتعلم لمَ أبكي في مصلاي كل ليلة ؟!
وبهدوء غير معتاد وصوت منكسر سأل أدهم: لمَ؟
- لأن رغم جهدي وعملي ليل نهار لم أتمكن إلا من تدبير نصف المبلغ اللازم للطرف الصناعي.. كتمت شهيقها داخل صدرها المكلوم ورحلت تكاد تحملها قدماها...
تساقط أدهم على الكرسي المواجه لمرآته كمن أمطرت ثلجًا فوق رأسه... نظر لنفسه بخجل.. وبدأ يرمرم همسًا... ويسأل مرآته من أنت؟ هل هذا أنا ذلك الأناني الفارغ تقوده شهوته لحافة الجنون!
فهبّ ليهاتف والديه مرة ومرات... ولكن دون مجيب!
وأخيرًا ارتجف قلبه قلقًا على والديه! 
ماذا فعلت بوالدي كيف طاوعني لساني أن أذبحه حيًا وأعترف أمامه أني قتلته وطردته من الدنيا وهو ما يزال ينبض بالحياة....
   شريط ذكرياته يلف فراغ غرفته ليُطوق عنقه... أخيرًا رجفت مقلتيه بالدموع إن أبي وأمي ينبضان بالحياة من أجلي... وأنا! أنا عاق هجرتهم دون أن أروي حضنهما النابض من أجلي... 
   أطلق أدهم ساقيه للهواء غارقًا في دموع التوبة والندم يسبقه قلبه المتلهف للاطمئنان على والديه في قريته المتواضعة؛ ليفرش جناحه لهما ويقبل يديهما، متحسرًا على ما ضيع من عمره بعيدًا عن بريهما يسرع الخطى ويتمنى لو يعود الزمن للوراء ليكون هو سبب ابتسامتهما... 
أو يخبرهما كم هو فخور بهما ولو للحظة ! لحظة ولتكن أخر لحظة في عمره أو عمريهما! 
،  فهل تأخر الوقت ؟ .






يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق