هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

الدعاء في القرآن الكريم .. الحلقة الخامسة

خواتيم سورة البقرة .. كنز من تحت عرش الرحمن

تضم سور القرآن الكريم الكثير من صيغ الدعاء سواء التي وردت على لسان الأنبياء والرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام أم التي وردت على لسان الصالحين رضي الله عنهم ألحقنا بهم على خير.

((الجمهورية اونلاين)) تستعرض طوال أيام شهر رمضان المبارك بعض الأدعية الواردة في القرآن الكريم مع تفسيرات مبسطة لها ونقدم لك عزيزي القارئ في الحلقة الخامسة من هذه السلسلة بعض الأدعية التي وردت في سورة البقرة مع تقديم تفسيرات مبسطة لهذه الأدعية.



 

((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) آية 285 البقرة

((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) آية 286 البقرة

جاءت في فضل هاتين الآيتين عدة أحاديث عن النبي صل الله عليه وسلم فقال: ((مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ))  .. ((البخاري ومسلم))

وجاء عنه عليه الصلاة والسلام ((أُعْطِيتُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْــلي))  .. ((رواه الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك))

وجاء كذلك: ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ إِلا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلا أُعْطِيتَهُ)) .. ((رواه مسلم))

تضمنت هذه الآيات الكثير من المعاني الجليلة، والمقاصد العظيمة، والدلالات الواسعة، ففي صدرها أخبر ربنا أن رسول اللَّه ومن معه من المؤمنين قد أقروا بأصول الإيمان باللَّه، والاستسلام الكامل له تبارك وتعالى ظاهراً وباطناً، وأنهم قد جمعوا بين كمال الإيمان، وشمول الإسلام.

((وَقَالُوْا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) أي سمعنا قولك، وفهمنا ما جاءنا من الحق، وتيقنّا بصحته، وأطعنا بامتثال أوامرك، واجتنبنا نواهيك، وقدموا السمع والطاعة على المغفرة؛ لأن تقدم الوسيلة على المسئول أدعى إلى الإجابة والقبول

((غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) طلبهم المغفرة لأنهم علموا أنهم لابد وأن يقع منهم التقصير والنقصان بطبيعتهم البشرية، ولا يخفى في هذه الدعوات جميل الأدب، وحسن الاختيار، وجميل الثناء والطلب، ولما كمل من ذلك الأدب الجليل المعبر عن كمال الخضوع والتعظيم، شرعوا في أنواع المطالب والسؤال ليحظوا بالقبول والرضى عند بارئهم تبارك وتعالى.

((رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)) .. يا ربنا لا تؤاخذنا إن تركنا فرضاً على جهة النسيان، أو فعلنا الحرام كذلك جهلاً منّا بوجهه الشرعي. وقد جاء الخبر عن النبي أن اللَّه تبارك وتعالى قال: (نعم) وفي لفظ قال: ((قد فعلت)) .. ((رواه مسلم))

((رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا)) أي لا تكلّفنا من الأعمال الشاقّة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والأعباء الشديدة التي كانت عليهم .. ((رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)) .. أي لا تحمّلنا من التكليف والمصائب والبلاء ما لا نقدر عليه.

((وَاعْفُ عَنَّا)) .. أي اصفح عنّا فيما بيننا وبينك من تقصيرنا، وزللنا ((وَاغْفِرْ لَنَا)) .. أي فيما بيننا وبين عبادك، فلا تُظهِر على مساوينا، وأعمالنا القبيحة .. ((وَارْحَمْنَآ)) فيما يُستقبل فلا توقعنا بتوفيقك إلى ذنب آخر.

((فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) .. أي يا ربنا انصرنا على الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيّك، وعبدوا غيرك، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، كما جاء في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام ((اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ))

رواه النسائي في السنن الكبرى وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم، وصحيح ابن خزيمة، والطبراني في الكبير، ومسند البزار، وصححه الألباني.

تضمنت هذه الآيات الكثير من الفوائد والمنافع:

أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب المستلزم لأعمال الأركان.

أن الإيمان الكامل هو الإيمان بكل ما جاء عن اللَّه تعالى، وبكل ما جاء عن رسول اللَّه، مع الانقياد والتسليم.

إثبات علوّ اللَّه.

أن من صفات المؤمن السمع والطاعة.

أن كل الخلق محتاج إلى مغفرة اللَّه تبارك وتعالى، وحتى الأنبياء والرسل.

أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول r كان أشد اتباعاً له.

عِظم وسَعَة رحمة اللَّه لهذه الأمة في إسقاط كثير من التكاليف الشّاقّة.

من عظيم رحمة اللَّه تعالى علينا كذلك أنه علّمنا هذا الدعاء الذي ندعوه، ثم يستجيب لنا تفضّلاً منه ونعمة.

أهمية سؤال اللَّه تعالى: (العفو، والمغفرة، والرحمة)؛ لما فيها من كل خير يتمنّاه العبد، ومن كلّ شرٍّ يخافه في الدنيا والآخرة.

إثبات ولاية اللَّه الخاصّة للمؤمنين التي تقتضي النصرة والعناية والتأييد، وهذه غير ولاية اللَّه العامّة لكل الخلق.

أن العبد محتاج إلى سؤال اللَّه تعالى النصرة على الكافرين في كل زمان.

أهمّيّة الدعاء للعبد المسلم في حياته ومهمّاته، وذلك أنه تعالى ضمنّه في آيات لها فضل عظيم كما جاء بالأخبار عنها قرآن يتلى إلى يوم الدين.

أهمية الإلحاح في الدعاء، وأنه من أهم الأسباب في قبول الدعاء؛ حيث ورد التوسل بربوبيّته تعالى أربع مرات.

الدعاء الأكمل هو الجامع لأكثر من توسّل؛ حيث جمعوا التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، وكذلك بأعمالهم الصالحة

يُستحبّ البسط في الدعاء لما فيه من كمال العبودية المقتضي لكثرة الثواب، وإجابة الدعاء.

أنَّ ذكر بعض الخصال التي يقوم بها العبد إلى اللَّه تعالى حال الدعاء، ليس من باب التزكية، وإنما من باب التوسل إليه تعالى بعمله الصالح المتضمّن للتذلّل والخشوع له جل وعلا.

أن أعظم التوسل إلى اللَّه تعالى على الإطلاق التوسل إليه بربوبيته تعالى، ولهذا فان أغلب أدعية القرآن مصدرة بالتوسل به.

كما جاء في تفسير سورة البقرة للعلامة ابن عثيمين والمواهب الربانية للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق