المؤسسة المالية والاستثمارية الرائدة في الاسواق الناشئة والمبتدئة
  • مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
سـعــــد سـليــــم
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

قصة قصيرة

حديقة روحها

   


إقرأ أيضاً

التعليم: امتحان ورقى بجميع المواد بديل البحث لطلاب النقل قبل بدء الدراسة
التموين تعديل مواعيد عمل المخابز في رمضان
حسن راتب يتقدم بالشكر لـ محمد الباز بعد إعلان رحيله عن ٩٠ دقيقة
ابنة عمرو دياب تثير الجدل من جديد مع صديقاتها
طارق شوقى يوجه رسالة الى جميع طلاب مصر فى الداخل والخارج
اسرار القبض على الدكتور تشارلز ليبر من قبل السلطات الامريكية

ترويها: دينا أبو الوفا

تفتحت عيناها ... مدت يدها الهزيلة فى ظلمة غرفتها تتحسس هاتفها الخلوى فوق طاولة الفراش الجانبية ... امسكت به ... كانت الساعه قد اقتربت من السابعة صباحاً ... 

تنهدت ضجراً ... ماذا أيقظها فى تلك الساعة المبكرة .... ألا تعنى الاجازة ساعات نوم طويلة .... لماذا تفيق الان اذن !؟ 

لماذا لا تترك مجالاً لجسدها المتعب ان يرتاح ... ولكن هل كان جسدها هو ما يحتاج الى الراحة حقاً.... أم عقلها  !؟ 

عقلها الذى اعتادت ان يعمل طوال أربع وعشرين ساعه دون توقف ، دون هوادة 
كان يعمل حتى وهى غافلة !! 
نفضت عنها الغطاء بتوتر شديد، فلا أمل فى مزيد من النوم ... تركت غرفتها وتوجهت نحو "كاونتر" المطبخ الامريكي كى تعد لنفسها فنجال النسكافيه بالحليب الذى اعتادت تناوله فور استيقاظها ... 

سمعت صوت غليان .... هل كان الماء داخل البراد الكهربائى أم كان الغليان بداخلها !؟ 
على الأرجح انه الاثنان معاً !؟ 

سكبت الماء الساخن فى فنجالها الاحمر المفضل وتوجهت نحو الحديقة ... 
جذبت مقعداً بلاستيكيا أبيض واتخذت مجلسها على حافة سور الحديقة الصغيرة ، لتطل بعينيها مباشرة على حمام السباحة ، الذى كان يبعد أمتاراً قليلة عّن حديقة الشاليه، وبساط بحر الساحل الشمالى الازرق من بعيد ... 

لم يمض من الوقت الكثير ، حتى تحول نظرها  كلياً عّن اللون الازرق المبهج ، الى ما هو أقل جمالاً وبهجة بكثير .... 

كان حوض زرع بيضاويا كبيرا  أسفل سور حديقتها - هذا وان جاز التعبير "حوض زرع" ...  

فقد كانت تربته صفراء مشققة ... لم يبق بها سوى بضعة باقات من الزهور الذابلة .... 
توحى طلتها الحزينة وانكسار أعوادها الى انها كانت زاهية متفتحة فيما مضى .... بالاضافة الى عدة "صبارات" مازالت تعافر وتقاوم ولم يتمكن منها الجفاء بعد

والقى بداخله ، هنا وهناك بعد القمامة ... كيس بلاستيكي متهتك وعبوة مياه فارغه وما الى ذلك. 
توسط كل هذا،  نخلة برغم صغر عمرها وقصر قامتها الا انها وقفت فى المنتصف شامخة ، تميل بها نسمات الصيف المداعبة يميناً ويساراً .... 

أدركت سريعاً ، ودون أدنى تفكير ، السبب وراء لفت ذلك المشهد لانتباهها على هذا النحو ، حتى انه حجب عنها تماماً، مظاهر الجمال من حولها .... 

لقد كانت تلك الارض البور تشبهها بقدر كبير ... فقد ملأ حياتها منذ زمن بعيد أهلاً وأحباء ومر عليها على مدار أعوام عمرها ، أصدقاء ورفقاء عاهدوها على بذل كل جهد كى يجعلوا حياتها بستاناً من الفردوس ، فغرسوا بروحها بذور الورد والازهار والرياحين وراحوا يغمرونها بالحب والاهتمام والرعاية حتى ارتوى قلبها وتفتحت أزهاره ....

الى ان كان ما كان ... فرحل عنها البعض  بعد ان اختار الله ان يفارقوا الحياة الدنيا ، فانقطع عطاؤهم رغماً عنهم 

والبعض الآخر رحل عنها طوعاً ،  تماماً كالبستانى الأجير الذى لا يحمل ولاء الا لنفسه ولا يتعلق بشئ سوى منفعته الخاصة فلا يهمه سوى كم يتقاضى وماذا يكسب فى المقابل !! ... فيرحل اذا ما وجد مصلحة أكبر فى بستان آخر ، غير مبال بما قد يحل على بستانه القديم ... 

والبعض الآخر بقى ، فقط ليعكر صفو حياتها ويسممها بوجوده الذى صار أشبه بالاحتفاظ بقمامة وجب التخلص منها

وارتضت مع الوقت ... بل استسلمت .... استسلمت لرؤية زهورها تذبل يوماً بعد يوم ... فما بيدها حيلة ... فإعادة من قد فارقوا الحياة لهو درب من المستحيل والتوسل لمن رحل -بكامل ارادته -ان يعود لم يكن يوماً أمراً تقوى على فعله !!! 
حتى هؤلاء الذين بقوا لينهوا ما تبقى منها ، استسلمت لوجودهم دون ان تحرك ساكناً 
فلتذبل الورود ... فلتجف ... فلتتساقط أوراقها ...فقد تعودت الا تبالي ... تعودت الا تتألم ... لا ... كاذبة هى ... بل تعودت ان تنجرح وتتألم دون ان تفصح ... دون ان تظهر ما تبطن ... 

لم يتبق لها سوى الصبر ... تماماً كتلك الصبارات ... لا تحتاج لمن يرويها ويعتنى بها أو يرعاها ... بل تصمد وحدها لا يشد من أذرها سوى ثقة بالله لا حدود لها ويقيناً كاملا بقدرته ورحمته وفرجه القريب ... 

فوقفت فى الاعوام القليلة الماضية شامخة عفية كتلك النخلة فى مهب الريح ... قد تهزها الريح نعم ، قد تعاندها بالتأكيد ، لكنها حتماً لن تقتلعها من جذورها مهما حاولت !!! 

ابتسمت .... كم يصعب عليها ان تجلس هادئة مستكينة دون ان يشد انتباهها ويستفذ عقلها شيئ ما للتفكير والتأمل ... 

ماذا الآن !؟ ماذا عساها تفعل بعد كل هذا التفكير والتدبر !!! 

وابتسمت ابتسامة عريضة ... 

قامت من مقعدها .... سارت نحو الداخل .... وعادت الى الخارج حاملة بيدها خرطوم الرى وكيس قمامة ... 

وقفت تلتقط بيدها القمامة من داخل حوض الزرع وتلقيها داخل الكيس الاسود بهدوء غريب 

ثم عادت لتثبت الخرطوم فى صنبور الحديقة لتندفع المياه خارجه ... 

وقفت تسقي الحوض وتغدق عليه بالماء حتى يرتوى ... 

ابتسمت للمرة الثالثة لخاطرة داهمتها ... 
ربما توجب عليها ان تقوم بالأمر ذاته فى حياتها ... ربما توجب عليها طرد كل من أهلكها بقاؤه خارج أسوار حديقة روحها 

ربما توجب عليها ان تروى ذاتها العطشة بذاتها ... ربما توجب عليها الا تنتظر أحداً ليفيض عليها بالحب والاهتمام والرعاية ... ربما عليها ان تمنح نفسها تلك العناية ليعود قلبها يوماً ويزهر من جديد ...





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق