د. عفاف زيدان.. بعد حصولها أعلى وسام فى أفغانستان:

المجتمع الأفغانى من أكثر المجتمعات تدينا واعتزازا بهُويته الإسلامية
د. عفاف زيدان
د. عفاف زيدان

ليست هذه هى المرة الأولى التى يتم تكريمها من قِبل الحكومة الأفغانية، فقد سبق وكُرِّمت عام 2016 تقديرا لجهدها الدؤوب ودورها المتميز فى تقريب الثقافات بين الشعبين المصرى والأفغانى، وكل من ينطق بالعربية، وذلك بترجمتها للكثير من أمّهات الكتب الأفغانية وكتاباتها الكثيرة عن المجتمع الأفغانى وعاداته وتقاليده وأهم الشخصيات التى أثّرت فيه وأثرت ثقافته.



إنها د. عفاف زيدان- أستاذ اللغة الفارسية وآدابها بجامعة الأزهر، العميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية للبنات بجامعة الأزهر- والتى تعد أول امرأة مصرية تسافر إلى أفغانستان لتستكمل رسالة الدكتوراة الخاصة بها في نهاية الستينيات، ومازالت على تواصل دائم مع بعض المنظمات هناك، تسافر من حين لآخر، تنقل لنا كذب الإعلام الغربي عن ذلك المجتمع الإسلامى الرائع الذي دمّرته أمريكا اقتصاديا واجتماعيا لكنها لم تستطع أن تغيّر طبيعة شعبه، ولهذا كرَّمها الرئيس الأفغانى ومنحها أعلى وسام فى أفغانستان.

**بداية نود معرفة كواليس تكريمك من قبل الرئيس الأفغانى ومنحك أعلى وسام بالدولة الأفغانية؟

** تم التكريم بناء على قيامى بترجمة كتاب "زين الأخبار" والذى يعد من أمهات الكتب الفارسية ومن أهم الكتب التى تتناول تاريخ هذه المنطقة (إيران وأفغانستان وطاجستان) كما قمت بترجمة كتاب آخر تناول الحُكم الإسلامى فى الهند وكتبت مقدّمة طويلة حول أفغانستان وشعبها.

نموذج مشرّف

**هل كنت تتوقعين هذا التكريم؟

**حقيقة لم أتوقعه إطلاقا، كما أننى لم أتوقّع تكريم 2016 فقد كان شهادة تقديرية من رئاسة وزراء أفغانستان عن كتابى الذى قمت بتأليفه حول طبيعة المجتمع الأفغانى والذى حمل عنوان "مصرية فى بلاد الأفغان"، وعن مجمل أعمالى التى تُعرِّف بالشعب الأفغانى, فقد أبلغنى السفير الأفغانى بمنحى تقدير "ناما" وهى شهادة تقدير تمنحها أفغانستان للمبدعين.

**كم استغرقت ترجمة هذه الكتب من السنوات؟

** أنا لا أقوم بترجمة الكتاب فقط إنما أدعمه بالكثير من المعلومات فإن كانت الترجمة حول شخصية معينة أبحث عما كُتب عنها وعن المكان الذى كانت تقطنه وأماكن تنقلّها، وهذا الأمر يحتاج وقتا طويلا، فغالبا أستغرق ما يقرب من ثلاث سنوات.

** الكثير لا يهتم بما يقدمه الأدباء للمكتبة العربية والإسلامية انما يُسلِّطون الضوء فقط على الإنتاج العلمى، فهل يحبطك هذا التوجّه؟

** العلماء لا ينظرون للتقدير أو التكريم إنما لكل عالِم مشروعه الخاص به ،لذا نرى العلماء يواصلون العمل والبحث ليلا ونهارا لإنتاج أعمالهم, فلن يتقدم العلم بدون العلوم الأدبية فلابد من عمل توازن بين الأداب والعلوم.

القسم الفارسى

** ما هو سرّ إلتحاقك بالقسم الفارسى رغم أنه يعد من الأقسام التى تفتقر لفرص العمل داخل مصر؟

** التحقت به بجامعة القاهرة لحبّى الشديد للغات الشرقية، ثم عملت بالإذاعة المصرية بعد إعلان الإذاعة حاجتها إلى مترجمين للغات المختلفة، وكانت تجربة ثرية جدا بالنسبة لى، ثم انتقلت لجامعة الأزهر للعمل كمعيدة بالقسم الفارسى، وحصلت على الماجستير من جامعة القاهرة، ثم حصلت على منحة لدراسة الدكتوراه بأفغانستان، لكن المشكلة بالنسبة لى لم تكن فى السفر إلى أفغانستان، فقد كان مجتمعا آمنا لم يدنِّسه بعد الإستعمار الأمريكى، إنما كانت فى التعامل مع الناس والرهبة من المجتمع الجديد، لكن ما خفَّف من عبء هذا الأمر أن اللغة الفارسية بأفغانستان واحدة، فلا توجد لغة فصحى وأخرى عامية، فالناس يتحدثون مع بعضهم كما يدرسون فى المدارس والجامعات، عكس ما عليه أغلب البلدان العربية والأجنبية على السواء ،كما أن القَدَر كان حليفى حيث استضافتنى أسرة  أفغانية لا أستطيع أن أوفيها حقها، فقد كانت تتعامل معى بمنتهى الرقى والاحترام ،فرغم أن الجامعة كانت قريبة من مسكنهم إلا أنهم كانوا يخشون علي أن أضل الطريق فكانوا يرسلون معى ابنتهم يوميا لتوصلنى للجامعة، فضلا عن مساعدتهم لى في دراستى العلمية وفى جمع الكثير من المعلومات.

** هل وافقت أسرتك بسهولة على سفرك؟

** الحمد لله أنا أنتمى لأسرة علمية تقدِّس العلم وتقدّره، لذا لم يعترض والدى أو والدتى على سفرى لدرسة الدكتوراه.

بلدى الثانى

** بحكم معايشتك للمجتمع الأفغانى وتواصلك مع بعضهم حتى الآن وترددك المستمر على أفغانستان، هل ثمّة تقارب بين الشعبين المصرى والأفغانى؟

** بالفعل هناك تقارب كبير بين المجتمعين، فأهم ما يميّز الأفغان أنهم يحبّون الغرباء جدا، كما أنهم شعب كريم لدرجة كبيرة, كنت ذات مرّة فى السوق أشترى بعض الأشياء فسمعت أغنية "على بلد المحبوب ودّينى" فبكيت بكاء شديدا، فإذا بالناس يلتفّون حولي ويسألوني عن سبب بكائي وإن كنت فى حاجة إلى مساعدة وعمل أى شئ، وقتها شعرت بدفء وحنان لا مثيل له، لذا أعتبر أفغانستان بلدى الثانى.

مجتمع متديّن

** باعتبار أن أفغانستان دولة مسلمة وأغلبهم سنّة، هل تظهر تعاليم الإسلام على تعاملاتهم مع بعضهم؟

** حقيقة المجتمع الأفغانى متديّن لدرجة كبيرة ،فهم سنَّة على مذهب الإمام أبى حنيفة، وكنت دائمة الذهاب إلى الأسواق والمحال التجارية للتعرّف على عاداتهم واكتساب خبرات عنهم فوجدتهم لا يغشّون فى الميزان ولا يكذبون أبدا.

* لقد شاهدتم المجتمع الأفغانى قبل الإحتلال الأمريكى وبعده ،فهل ثمة تغيّر فى طبائع الناس هناك بعد الدمار الذى حلَّ بهم؟

** الطبيعة  النقية والطاهرة للناس هناك لم يستطع الإحتلال الأمريكى أن يغيرها ،فقد ترى مبنى مهدما وأسرا فقدت عائلها لكنهم يتحدثون بأمل فى الغد، وقدرتهم على البناء والتعمير مستمدة من الثقة الكبيرة فى الله عزَّ وجلَّ والرضا بما قدَّره الله لهم ،وهذه سمة كبيرة لا توجد عند الكثيرين من البشر، كما أنهم من الشعوب التي تعتز لأقصى درجة بهُويتها الإسلامية وترفض التقليد الأعمى للأجنبى الأوروبى.

المرأة الأفغانية

** الكلام عن المرأة الأفغانية كثير من ناحية تقييدها وفرض الكثير من المحظورات عليها، فما حقيقة وضع المرأة هناك من واقع تجربتك؟

** هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق، فالمرأة هناك تتمتع بمكانة كبيرة داخل أسرتها وتُحتَرم وتُقدَّر لأقصى درجة، فضلا عن تولّيها مناصب رفيعة ،فقد رأيت الوزيرة وأستاذة الجامعة والقاضية ،فالمرأة الأفغانية تتمتع بكافة الحقوق لاسيما السياسية دون قيد أو شرط وهذا الوضع منذ كنت أدرس الدكتوراه فى نهاية الستينيات وفى السنوات القريبة الماضية بعد ظهور حركة طالبان والقاعدة فلم ألاحظ أى تغيير أو قيود تُفرض على المرأة هناك فى أثناء أى زيارة لأفغانستان، وكذلك لم أر أى تغيير على المجتمع، كما أن الوسام الذى حصلت عليه  "ملالى" هو اسم سيدة أفغانية تخليدا لذكراها وتقديرا لجهودها فى محاربتها مع الجيش الأفغانى ضد  الاحتلال الإنجليزى عام 1919.

إعلام موجَّه

** لكن بما تردين على تقرير إحدى المنظمات الدولية التى تقول بأن أفغانستان من أشد الدول خطورة على المرأة؟

**هذا غير صحيح على الإطلاق ،وهذه وجهة نظر دولية خاطئة ،ومن ضمن الإعلام الموجَّه ضد أفغانستان، وأتذكر أن الإعلام الغربى وخاصة الأمريكى شوَّه صورة المجتمع الأفغانى.

**هل يوجد مؤلَّف من مؤلّفاتك يحاول نقل الصورة الحقيقية للمجتمع الأفغانى؟

** نعم فى كتابى "مصرية فى بلاد الأفغان" أشياء ذكرتها عن المجتمع الأفغانى وعاداته وتقاليده، كما تحدثت عن بعض الشخصيات الأفغانية التى ألتقيت بها وتقلّدت بعد ذلك منصب رفيعة ،كما تطرّقت لمكانة المرأة فى أفغانستان وكشفت زيف ما يروّجه الإعلام الأمريكى عنها.

الأزهر وأفغانستان

**هل لمستم تأثير تواجد الأزهر بأفغانستان؟

** بالطبع الأزهر متواجد هناك بقوة شديدة ،فهناك مئات من الأفغان الذين درسوا بالأزهر الشريف وتقلّدوا مناصب رفيعة بعد عودتهم لبلادهم، فالحكومة الأفغانية تقدّر كل من يدرس بالأزهر الشريف وتفضّله عن غيره وتضعه فى مكانة رفيعة تليق به وبما يحمل من علم كما أن الناس العادية يعشقون الأزهر فقد ألتقيت مرة بأحد التجار وأخبرنى أنه يجمع بعض الأموال ليحج لكن إن لم يتيسَّر له الحج فسوف يسافر إلى مصر كى يصلّى بالجامع الأزهر. 

تشابه الآداب

** بحكم دراستك المتخصّصة للغة الفارسية وآدابها، هل ثمَّة تشابه بين الأدب الفارسى والأدب العربى؟

** بالطبع هناك تشابه كبير بينهما ،فالأدب بمثابة الشجرة جذورها اللغة العربية والساق هو اللغة الفارسية وبقية الأفرع اللغات الإسلامية الأخرى مثل الأوردية والتركية وغير ذلك، فمثلا اللغة الفارسية قبل الإسلام كانت تُكتب بحروف غير عربية إنما بعد الإسلام كتبت بحروف عربية بالإضافة إلى أربعة أحرف فقط غير عربية.

فرنسية الشرق

*لكن ما حقيقة القول بأن الفارسية هى أقرب اللغات للغة الفرنسية؟

**حقيقة، يقال على الفارسية بأنها فرنسية الشرق نظرا لإنتشارها وليس لتشابهها مع اللغة الفرنسية إنما هى تشبه العربية لحد كبير.

*هناك من يتّهم الأدب الفارسى وخاصة الأفغانى بأنه يعكس التعصّب الدينى والتطرف، وهناك من يرى أنه أدب ظلامى، فما حقيقة ذلك؟

**هذا غير صحيح على الإطلاق فهو على العكس من ذلك تماما ,فهو أدب راق فى كل فروعه من شعر ونثر، فكل ما يحمله من أفكار راقية إلا إذا كان هناك شاعر هو نفسه متطرف ولا يمكن إطلاق الحكم على كل الأدب الفارسى من خلال عمل أدبى واحد ،فهذا ظلم بيّن لأدب لا يحمل إلا الخير ولا يرسّخ إلا للأفكار البنّاءة المستمدة من أدبنا الإسلامى.

اللغات الشرقية

* هل تُرجِعين ضعف الإقبال بالجامعات المصرية وبالأزهر على تعلّم اللغات الشرقية الى صعوبتها أم لعدم توافر فرص العمل؟

** بالطبع الأمر يتعلّق بصعوبة العمل وليس لصعوبة اللغة، لكن هناك توجّها محمودا من الدولة وهو الإنفتاح على أعمال الترجمة لكل اللغات وهذا سيخلق فرص عمل كبيرة للمتميزين.

**لكن ألا ترين تراجع مستوى طالبات الأزهر فى اللغات بشكل عام؟

**هذا لا يتعلق بجامعة الأزهر وحدها، إنما هو وضع عام فى كل الجامعات المصرية، فهناك بعض الأزهريات المتميزات فى اللغات وتفوق بعضهن على خريجات مدارس اللغات فى كثير من المسابقات، وذلك يرجع لتميّزهن فى اللغة العربية، فمن يريد إجادة أى لغة أجنبية عليه إجادة العربية أولا.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق