بافتتاح متحف الحضارة الجديد وتطوير المنطقة:

الفسطاط..أقدم المدن الإسلامية.. تعود إلى دائرة الضوء والاهتمام
المتحف القومي للحضارة
المتحف القومي للحضارة

عادت مدينة الفسطاط إلى بؤرة الاهتمام والضوء بعد افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسي، يوم السبت الماضي، لمتحف الحضارة الجديد الكائن بمنطقة عين الصيرة، والذي شهد أكبر حدث فى القرن الحادي والعشرين، وذلك عندما استقبل المتحف الحضارة المصري 22 مومياء ملكية من العصر الفرعوني .



ومع افتتاح متحف الحضارة، من المتوقع أن يعود للمدينة العريقة مجدها وطابعها الإسلامي القديم، خاصة بعد أن أعلنت الدولة عن مخطط متكامل لمنطقة الفسطاط تحت مسمى "مدينة الفسطاط الجديدة " .

أقدم المدن

وتعد مدينة الفسطاط أقدم المدن الإسلامية في مصر، فقد أنشأها عمرو بن العاص- رضي الله عنه- بعد الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجري، وبناها وفق طراز معماري يوافق ذلك الزمن الذي بُنيت فيه.

ويرجع المؤرّخون العرب سبب تسمية "الفسطاط" بهذا الاسم إلى أن عمرو بن العاص عندما أراد التوجه لفتح الإسكندرية، أمر بنزع "فسطاطه" أي خيمته، فإذا بداخلها يمامة قد أفرخت، فلما عاد من الإسكندرية سألوه أين تنزل، فقال: "الفسطاط"، فعرفت تلك المدينة بهذا الاسم.

وعن المعايير التي توفرت في الموقع المختار يقول المؤرّخ د. أيمن فؤاد في كتابه "القاهرة- خططها وتطورها العمراني": هذا الموقع الذي أصبحت القاهرة امتدادا له بعد نحو ثلاثة قرون، توافرت له الشروط اللازمة لإقامة المدن وضمان استمرارها، وكان اختيارا موفقا من جميع الوجوه، ففضلا عن وقوعه عند رأس الدلتا مشرفا على الوجهين البحري والقبلي مما يجعل منه مركزا إداريا قادرا على السيطرة على البلاد، فإن وقوعه بالقرب من الأراضي الزراعية سهَّل وصول الأقوات والغذاء الضروري إليه، أضف إلى ذلك وقوعه على الضفة الشرقية للنيل وهو ما يجعل عاصمة الفتح أسهل اتصالا بمركز الخلافة في المدينة".

كما أنه جعل المدينة الجديدة في موقع حصين يسهّل الدفع عنه وحمايته فهي في مكان مرتفع لا يغمره النيل في زمن الفيضان، ويحدّها شرقا سلاسل تلال المقطّم الذي ينتهي في الشمال بالجبل الأحمر قرب العباسية الحالية، أما من الغرب فيحدّها النيل وهو المورد الذي يضمن تزويد المدينة بالماء من ناحية، ويجعل الوصول إليها غير ميسور إلا بعد عبور جسر أو قنطرة من ناحية أخرى، لتكون محمية من ثلاث جهات: بالتل شرقا والنيل غربا والتقاء التل مع النهر جنوبا ومفتوحة فقط من الشمال الأمر الذي وفَّر لها مكانا يطرد فيه اتساعها هو الذي قامت فيه بعد ذلك العسكر والقطائع والقاهرة وضواحيها الحالية .

الجامع العتيق

بدأ القائد عمرو بن العاص في تخطيط مدينته، بأن وضع أساس جامعه المعروف بـ"الجامع العتيق" و"تاج الجوامع"، واختطَّت القبائل العربية التي تألّف منها جيشه حول جامعه وداره، فاختير لكل جماعة "خطة" تنزل بها، وكان جملة سكان هذا المعسكر 15.500 هم عدد الجنود المشاركين في الفتح"، وعلى ذلك تأسّست مدينة الفسطاط، أول عواصم مصر الإسلامية.

ويعد "المسجد العتيق" أو "جامع عمرو الآن" هو أول مسجد أنشئ في مصر، وبلغت مساحته وقت بنائه 50 ذراعاً في 30 ذراعاً وغطيت أرضه بالحصى، وكان سقفه من الجريد محملاً على دعامات من جذوع النخل، وكان له ستة أبواب، وكان هذا هو البناء الأول للمسجد، ثم أعيد تخطيطه وبناؤه مرة أخرى، إلى أن وصل إلى شكله الحالي. ومن أهم التعديلات التي دخلت عليه ما قام به "قرة بن شريك"، والي مصر، في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك عام 93 هـ، فقد قام بهدمه وزاد مساحته، وأنشأ بداخله محراباً ومنبراً خشبياً ومقصورة، وأصبح له أربعة أبواب، في كل من الجهتين الشرقية والغربية، وثلاثة أبواب في الجهة البحرية، وأصبحت مساحته 112 متراً في 120 متراً، بعد ما أضاف إليه عبدالله بن طاهر- والي مصر في عهد الخليفة العباسي المأمون- الذي استكمل زخرفته، وفي عهد الخليفة المستنصر الفاطمي، تمت كسوته بالرخام، وزادت أعمدته إلى أربعمائة عمود رخامي، وغطي المحراب بألواح الرخام الأبيض، وكتبت عليه آيات من القرآن الكريم، بخطوط مختلفة .

كانت الفسطاط مركزاً اقتصادياً عظيماً، وسوقاً تجارياً كبيراً، وظلت محتفظة بمكانتها الاقتصادية، حتى بعد إنشاء مدينتي العسكر والقطائع، وذلك لكثرة مداخلها المتصلة بباقي مدن البلاد، ولقربها من النيل .

تعرّضت الفسطاط للحريق، حين جاء أموري ملك الصليبيين إلى مصر، وقام شاور بن مجير السعدي، بإحراق الفسطاط سنة 564م، وكما يقول المقريزي عن تلك الحادثة: "فقد أرسل شاور عشرين ألف قارورة نفط، وعشرة آلاف مشعل نار، فرق ذلك فيها، فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السماء، فصار منظراً مهولاً، واستمرت النار تأتي على مساكن مصر لتمام أربعة وخمسين يوماً ".

ولما رحل أموري عن مصر، أخذ الناس يعودون إلى الفسطاط ويصلحون ما تلف منها، خاصة الجزء الغربي، الذي يقع ما بين جامع عمرو بن العاص، وشاطئ النيل.

وكانت الفسطاط مقسَّمة إلى أماكن، خاصة بالقبائل التي كانت تسكنها، حيث أخذت كل قبيلة في بناء مساكنها، وكان لكل قبيلة مسجدها الذي تصلّي فيه الصلوات الخمس، أما جامع عمرو بن العاص، فكان مخصّصاً لصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، كما كان مقرّاً للوالي الذي يجتمع فيه مع قوّاده، وتقام فيه المحاكمات للفصل بين الرعية، كما كانت تقام فيه دروس العلم.

كانت مباني مدينة الفسطاط، في مرحلتها الأولى مبنية بالطين، وبنيت على طابق واحد، ثم أخذت العمارة تتطور وفقاً لتطور الزمن، فبنيت المباني من حجر الآجر «الطوب المحروق»، وطليت بالجير.

وتوسّع المصريون في البناء حيث كانت هذه الدور تضم أفنية واسعة تتوسطها فسقيات تصل إليها المياه، وتحيط بها أروقة وقاعات وغرف بعضها للسكنى وبعضها لاستقبال الضيوف وبجوارها أحواض للزهور، وتحيطها الأشجار من كل جانب .

ارتباط فرعوني

يبقى أن نذكر أن هناك ارتباطا بين مدينة الفسطاط والفراعنة رغم أن إنشاءها كان مع الفتح الإسلامي لمصر، وهو أن ملوك الفراعنة كانت لهم حامیة مقیمة في هذه المنطقة، حيث بني فيها "حصن بابلیون" الذي تعاقب الفرس والروم على السیطرة عليه قبل مجيئ العرب، وتضم منطقة الفسطاط التاريخية أهم المعالم الدينية الأخرى في مصر، فبجانب  جامع عمرو بن العاص- أقدم جوامع مصر- توجد الكنيسة المعلَّقة ومجمع الأدیان الذي يضم كنائس ومعابد وبقایا حصن بابلیون، بالإضافة إلى مساجد السیدة نفیسة والإمامین اللیث بن سعد والشافعي، وسور مجرى العیون الذي وضعت له خطة منفصلة ومتكاملة لإعادته إلى مكانته التاریخیة وإعادة المجرى المائي إلى شكله الوظیفي، لاسیما أن الغرض الرئیس من السور كان نقل المیاه العذبة إلى حكَّام مصر ساكني قلعة الجبل.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق