مع اقتراب الشهر الفضيل:

الفانوس يسيطر على شوارع المحروسة
فانوس رمضان
فانوس رمضان

في الرابع من شهر رمضان عام 358 هـ، كان الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي على أبواب القاهرة ولأن الوقت كان ليلاً خرج المصريون في ذلك الوقت بفوانيسهم من المنازل لاستقباله بوصفه الخليفة الذي فتح الفاطيون مصر في عهده، وبهذا تأصَّلت عادة الفانوس وأصبحت رمزا رمضانيا، ثم انتقلت هذه العادة من مصر إلى معظم الدول العربية وبذلك أصبح فانوس رمضان جزءا أصيلا من تقاليد شهر رمضان.



ورغم تعدد روايات ظهور واستخدام الفوانيس وارتباطها بشهر رمضان المبارك تبقى المعلومة الصحيحة ان استخدام الفوانيس الملوّنة بدأ من هنا- القاهرة- لينتشر بعد ذلك في العديد من البلدان الإسلامية وأصبح معلما أساسيا من معالم شهر رمضان المبارك ومنذ عصر الدولة الفاطمية وحتى كتابة هذه السطور تطورت صناعة الفوانيس لكن بقي شارع المعز لدين الله الفاطمي في القاهرة الفاطمية أحد أهم الشوارع التي تقدم هذا الفانوس حتى بعد دخول الصينيين على خط إنتاجه.

لهذا كان يجب ونحن نستقبل الشهر الفضيل أن نرصد استعدادات هذا الشارع الشهير له وكانت هذه الجولة قبل أيام قليلة من ظهور الهلال المبارك.

البداية كانت من الغورية حيث ينعطف القادم من العتبة في اتجاه الأزهر يميناً ليجد نفسه في قلب التاريخ، فالمباني القديمة مازالت تحتفظ بعَبَق التاريخ وتقف شاهدة على عصور تلتها عصور، والمار في هذا الشارع اليوم سيجده قد تحول إلى مظاهرة من الألوان الرمضانية التقليدية بين فوانيس بمختلف الأشكال والأحكام وبين القماش الملوّن المعروف باسم الخيامية والذي استحدث صنّاعه المصريون في السنوات الأخيرة الكثير من الأنماط والأشكال فتجد منه مفارش الموائد والجلسات العربية التقليدية وحتى ستائر الحوائط وغيرها.

توقفنا عند أحد باعة الفوانيس ويدعى طارق ربيع والذي أكد أن هناك إقبالا شديدا على أقمشة الخيامية بألوانها وزخارفها التقليدية بمختلف أنواعها ولعل هذا من أسباب تسمية الشارع باسم شارع الخيامية بالإضافة إلى الفانوس الذي مازال يحتل مكانة خاصة في نفوس الصغار والكبار على حد سواء.

وحول أسعار الفانوس هذا العام قال ربيع، أنه لم يتغير كثيراً عن العام الماضي، كما أن هناك أسعارا تناسب كافة الاوساط سواء البسيطة منها أو المتوسطة أو غيرها، فيبدأ الفانوس الصغير الذي يناسب الأطفال من سعر ثلاثين جنيها ويتدرج حتى يصل إلى الخمسين جنيها، ويختلف السعر باختلاف حجم الفانوس وشكله وإمكانيات الإضاءة بداخله لكن بشكل عام فإن كل من يقصد الشارع يجد ما يناسبه من ناحية قدراته المالية ومن ناحية الذوق، مضيفاً أن الإقبال هذا العام أكثر من الماضي الذي شهد انخفاضاً في نسب المبيعات بسبب خوف الناس من الخروج بعد انتشار فيروس كورونا والمخاوف الكثيرة التي رافقته أما هذا العام فالناس تعودت بشكل كبير على الأمر وأصبحوا يأخذون حِذْرَهم ونزلوا يتسوقون فانوس رمضان وغيره من بضائعنا وهم يستخدمون الكمامات والمعقّمات.

الفانوس الصيني

ظللنا سائرين في الشارع حتى وصلنا باب زويلة الذي يذكره الجميع بتعليق رؤوس رسل التتار عند حضورهم لمصر في عهد السلطان المظفر قطز، كما تم تعليق رأس طومان باي آخر حكام مصر في العهد المملوكي بعد أن نجحت قوات السلطان العثماني سليم الأول في القبض عليه بعد أن كبدهم خسائر كبيرة خلال تزعّمه للمقاومة المصرية في مواجهة العثمانيين، وعندما تعبر باب زويلة الضخم وتلتفت يميناً يبدأ شارع باب الخلق أو ما يُعرف باسم حي الربع الذي يأخذك في نهايته إلى  مديرية أمن القاهرة، وعلى طول هذا الشارع المتعرّج انتشرت عشرات المحال والخيام التي لا تبيع سوى مستلزمات زينة شهر رمضان بداية من الفوانيس والعربات الصغيرة الملونة وأقمشة الخيامية، وتوقفنا عند أحد الشوادر الذي يعرض فوانيس مختلفة الأحجام حيث لم يختلف السعر عن سابقه لكننا وجدنا الكثير من العربات التي تمثّل مدفع رمضان مغطّى بقماش الخيامية، إضافة إلى عربات تمثل بائع الفول والمسحراتي بطبلته التقليدية وعربة حمص الشام والهلال المكسو بقماش الخيامية، وغيرها من العربات الملونة وعندما سألنا أحد العاملين في الشادر ويدعى أحمد حامد حول الأسعار قال: أنها تتراوح بين المائة والمائة وثمانين جنيهاً، وتختلف وفقاً للحجم، مشيراً أن الإقبال زاد هذا العام على تلك العربات، إضافة إلى الفوانيس الكبيرة التي تعوّد الناس على تعليقها في نوافذ وبلكونات منازلهم لتعطيهم إحساسا بأجواء الشهر الفضيل.

وأضاف حامد: الفوانيس المصرية التقليدية المصنوعة من الخشب المطعم بالنحاس نجحت في كبح جماح الفانوس الصيني بعد سنوات من محاولة مستوردي الفانوس الصيني للقضاء على الصناعة المصرية التقليدية ولهذا اختفت تماما من السوق الفوانيس الصينية خاصة في ظل قرار الدولة بمنع استيرادها في محاولة للحفاظ على التراث المصري الأصيل في هذا الشأن.

ورش الصناعة

داخل الشارع وجدنا أكثر من مكان لصناعة الفوانيس وعندما سألنا أحد صناعها ويدعى عبدالرحيم حسن، عن الخامات المستخدمة قال: بالنسبة للفوانيس الخاصة بالأطفال مصنوعة من الخشب المطعَّم بالزجاج وبعض النحاس، موضحا أن المادة الخشبية، المستخدَمة، في صناعة الفانوس الخشبي، تكون من خلال أخشاب "الأبلكاش" أى "الأبلكاج"، أو الفيبر، إلا إن خشب "الآرو" القريب الجودة، من خشب البلّوط، يكون هو الأفضل في الصناعة وهو المستخدم دائماً.

وأشار حسن إلى أن صناعة الفانوس الخشبي تأخذ مقدار ساعة من العمل المتواصل، وهي تُباع طبقاً لجودتها وطبقاً لأحجامها ما بين فانوس صغير أو متوسط أو فانوس كبير، مضيفاً، أنه تعلّم هذه الصناعة، منذ أن كان صغيراً، حيث كان أول فانوس يصنعه هو الفانوس الذي يحتفظ به في منزله حتي الآن، قبل أن تتحوّل صناعة الفوانيس لمهنة يقوم بصناعتها وإتقانها خلال أيام شهر رمضان المبارك، مضيفاً أن ورش تصنيع الفوانيس لا تكتفي بتزويد محال بيع الفوانيس في محلات القاهرة وغيرها من المحافظات المصرية بل هم يصدِّرونها إلى العديد من الدول العربية: لبنان والإمارات والكويت، وتتصدر السعودية الشقيقة قائمة الدول المستوردة.

خلال جولتنا في الشارع وجدنا أكثر من شادر تخصص في الأحبال الضوئية والتي تُستخدم كزينة خلال الشهر الفضيل بالإضافة إلى أحبال الزينة التقليدية المصنوعة من البلاستيك أحيانا والأوراق المقوّاة أحياناً أخرى شراشيب مطبوع عليها رسومات شرقية وأحبال وستائر إضاءة وبانرات تزين المنازل وعلى واجهة العمارات والبلكونات وفي الشوارع وتبدأ أسعارها من 100 - 700 جنيه.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق