بقلم/خالد الشناوي

الصراع وتصاريف القدر
خالد الشناوي
خالد الشناوي

الصراع هو أحد قوانين هذا الكون العديدة، أو يمكن القول بأنه سنّة من سنن هذه الحياة، إذ بدون صراع لا تكون هناك حياة.. لأن الصراع هو ظاهرة طبيعية بين الخير والشر بين اليأس والرجاء بين الهزيمة والانتصار! يقال "ضع قليلاً من العقل على قلبك حتى يستقيم، وضع قليلا من العاطفة على عقلك حتى يلين" لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وما هي كمية "القليل" هذه؟ بين عقولنا وقلوبنا صراع ما أن يبدأ، لا ينتهي، تخرج منه أنت (بعقلك وقلبك ونفسك) خاسراً، بغض النظر عن المنتصر، فإما أن تخسر مبادئك ومنطقك وإما أن تخسر سعادتك وعاطفتك.



فالعقل هو سيد الموجودات في حياتنا، والمتحكم بأفعالنا وتصرفاتنا فيه نفكر ونقرر، ننجز ونبدع، نبني ونصنع، كما ندمر ونهدم، نكتب ونقرأ فهذا ما خلق من أجله، وهذا ما يجب أن يوظف له. أما القلب فهو سيد المشاعر والعواطف، وهو مستشارنا، به نحب ونكره، نغبط ونحسد، نحزن ونفرح، به نشعر وبه نحنوا ونقسوا، فهو المتحكم الأول والأخير في عالم أحاسيسنا، فهذا ما خلق من أجله، وهذا ما يجب أن يوظف له.

لكن عندما يريد العقل ما يرفضه القلب، أو يريد القلب ما يأبى العقل، عندها تبدأ حرباً ضروساً بين عقولنا وقلوبنا حرب تدور رحاها في نفوسنا وضمائرنا، حرب لا ينتصر بها أحداً. يتأذى قلبنا ويتعطل بعض عقلنا، تنهم نفسنا ويضطرب ضميرنا فتنطفئ روحنا ونغدو جثة متحركة كل شيء فينا ينزف. فما السبيل إذا؟ وكيف يتصالح العقل والقلب؟ فلا يصح أن تقودنا عقولنا بمعزل عن قلوبنا فنغدو جماداً مجردين من الإحساس، كما لا يصح أن تقودنا قلوبنا فنغدو كتلة من العاطفة تقذفنا مشاعرنا في كل واد.

فلا تستقيم حياتنا إلا بوضع كل منهما في مكانه الصحيح ليؤدي دوره الذي خلق من أجله، فيجب أن ندرب أنفسنا على التحكم بكليهما، فبالعقل وحده قد نستطيع السيطرة على كل شيء، لكن لن نرضى بشيء، وبالقلب وحده قد يستطيع أي شيء السيطرة علينا ولن نسعد بشيء! من الطبيعي أن تعيش في حياتك بعض الأشكال من الهزائم، ومن الطبيعي أن تتعرّض للعديد من الانكسارات المتلاحقة، ولكن من غير الطبيعي أن تستسلم لهذه الخسارات وأن تجعلها تؤثر على نفسيتك بشكل سلبي...... عندما تقسو عليك الحياة بمشاكلها وهمومها الكثيرة وتبدأ المشاعر السلبيّة بالتسلل إلى داخل أعماقك بقوةٍ، حينئذٍ فقط عليك أن تقتنع بفكرةٍ أساسيّة وهي أنّهُ لا يوجد شيء دائم في هذه الحياة وبأنّ هذه الصعاب عبارة عن حالةٍ مؤقتة سرعان ما ستنتهي. عليك أن تقتنع بأنّ التذمر والشكوى الدائمة لن تحل لك همومك واحزانك ولن تخلصك منها، لهذا عليك أن تتوكل على الله وأن تكتفي بالدعاء لهُ مع العمل الجاد لكي يُساعدك على تخطي كل أزماتك ومشاكلك. عليك أن تؤمن بفكرةٍ أساسيّة وهي أنّ كل مشكلة تعيشها في حياتك اليوميّة ستكون بمثابة الدرس الذي ستأخذ منه العبرة المناسبة لكي تستخدمها في حياتك للوصول إلى الأمام وإلى درب التفوق والنجاح. إياك أن تقف في مكانك أو أن تتراجع إلى الوراء متأثراً بقساوة الحياة وهمومها، بل عليك ألّا تتوقف عن المحاولة، وعن الاستمرار في تكرار المزيد من التجارب إلى أن تصل إلى درب النجاح والتفوق الذي طالما تمنيته.

كثيرةً هي المواقف التي تواجهنا في حياتنا وتتطلب منّا اتخاذ قرارات عاجلة وحاسمة وهذا ما يضعنا أمام عدة خيارات قد يكون للحكمة والمنطق والعقل رأياً حاسماً فيها، وقد تأخذنا العاطفة المستمدة من مشاعرنا وأحساسينا إلى اتخاذ قرارات أخرى مختلفة ولا نعلم أيهما قد يكون أكثر جدوى .. ليستمر بذلك الصراع لنرى حياتنا في رحلة العمر القصير ما بين أهوال الحياة وما تحمله الضمير فحياتنا رحلة في مهرجان إلهي مقام للبشر في كل مكان وفي كل أوان، فاستثمر قوتك وأنطلق، وتمتع بجماله ما دمت فيه، وتعاطف مع الأرواح القريبة من روحك، ولا تنس أن هذه الرحلة برمتها هي معبر لحياة خالدة، فالتمس السعادة في الدنيا والسعادة الأبدية في الآخرة....ولتكن على يقين أنه لن يتم شئ في كون الله إلا بمراد الله ...يقين العارف الواثق الموصول بربه الجابر لكسر قلبه المكلوم ..... قارب أمل تفوح منه روائح البحث عن الحقيقة ممزوجة بطمانينة روحية تبلغ حد التشبع لتبدأ معها رحلة إشباع العقل والروح مع قامات علمية وفكرية علمونا كيف نكون ، كيف نفكر ،كيف ننجح بلا غطرسة ،ونخفق بلا انكسار ،ونكبر بلا ضجيج ،ونعلو بلا نسيان للحظات ضعف وشوق وحنين لأيام الصبا والنشأة الأولى .

وأخيرا أكتب إليك أن تكون حليفاً لعقلك دائماً فالقلب قائدٌ أهوج ! وإن أردت شيئا فاطلق سراحه فإن أرادك رجع إليك ! إذا اكتشفت أن كل الأبواب مغلقة وأن الرجاء لا أمل فيه وأن من أحببت يوماً أغلق مفاتيح قلبه وألقاها في سراديب النسيان، هنا فقط كرامتك أهم كثيراً من قلبك الجريح حتى وإن غطت دماؤه سماء هذا الكون الفسيح فلن يفيدك أن تنادي حبيباً لا يسمعك، وأن تسكن بيتاً لم يعد يعرفك أحد فيه، وأن تعيش على ذكرى إنسان فرط فيك بلا سبب! واعلم أنّ الّلقاء لا يدوم، وأنّ القضاء والقدر هما سيّدا الموقف، وأنّه ليس بيدنا حيلة أمام تصاريف القدر، وتقلّباته





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق