• مصر
  • Loading...

رئيس مجلس الإدارة
إياد أبو الحجاج
رئيس التحرير
عبد النبى الشحات

الإزاحة
كانت عقارب الساعة قد اشارت الى الثالثة عصراً ... 


بقلم: دينا أبو الوفا

كانت عقارب الساعة قد اشارت الى الثالثة عصراً ... 
ولانه كان يوم الجمعة فقد كان ذلك وقت تناول الغداء المعتاد .... وقفت الام تنادى على زوجها وأولادها بصوت عال من داخل المطبخ معلنة انتهائها من تحضير الطعام .... 

لبى الجميع النداء بعد مرور ما يقرب من عشرة دقائق .... فقد كانت تلك طبيعتهم جميعاً .... 

الهدوء الشديد وردة الفعل المتأخرة ... لم تغضب الام فقد اعتادت على ذلك منذ زمن ولم تعد تعير للأمر اى انتباه .... وقفت تحضر لنفسها صحنها .... 

لم تضع سوى كميات صغيرة من الطعام ... 

فقد فقدت شهيتها منذ عدة أشهر ولم تعد أشهى الأطعمة تغريها أو تستهويها ... 

التف الجميع حولها وأنهالوا عليها بالقبلات والأحضان ، فقد قامت بطهى احب الأصناف الى قلبهم جميعاً ... فوجد كل منهم طبقه المفضل فى انتظاره ... 

لقد كان يوم الجمعة بمثابة اليوم الوحيد الذى تجد فيه الوقت لتقوم بدورها كأم وربة منزل ... 
اما باقى ايّام الأسبوع فهى غارقة فى عملها الشاق ..

الشئ الذى كان يشعرها بالذنب الكبير وجعلها تتساءل ما اذا كانت تستحق ان تكون أماً ... 
لم يكن ينصفها ويهون عليها ، سوى حب اولادها الجم لها وتأكيدهم المستمر لها على انها أفضل وأجمل واقوى ام خلقت على وجه الارض .... 

"ماما هناكل فين !؟"

"هاكل فى الجنينة" 

"جنينة ايه بس ... الجو حر اوى ... خلينا جوه " 

"انا هاكل بره ... عايزه براح ... عايزه اطلع فى الطل ... خليكوا براحتكم "

وتوجهت الى الحديقة عبر سلم المطبخ ، واتخذت مقعدها على الطاولة البامبو تحت المظلة الكبيرة 
ثم فوجئت بالجميع يتبعها واحداً تلو الاخر ...

"مش هنسيبك لوحدك ... انتى وحشانا ... حر حر مش مهم .. المهم نكون معاكى " 

فابتسمت ... فقد أسعدها قرارهم ... فلطالما كانت امرأة تأسرها الكلمة الطيبة والفعل الحنون ... 

جلست ابنتها الكبرى التى تشبهها الى حد كبير بجانبها والتفتت اليها قائلة " مامى عندى ليكى خبر هيفرحك "

"خير يا ستى .. قولى ... ياما نفسى اسمع حاجة تفرح فى وسط كل اللى انا فيه ده " 

أتت نبرة صوتها شاردة حزينة حتى كادت تفصح عن كل الزحام والصخب بداخلها 

"مش انا وضبت أوضتى اخيراً ... انا لاحظت حاجة غريبة يا مامى ... كل ما أكون مضطربة اوى ومتلخبطة... أقوم اوضب اوضتى .... تفتكرى ليه !؟"

ضحكت الام " انا هعرف منين !؟ "

"حضرتك بتعرفى كل حاجة ... عادى جدا ... اتعودت ان اى سؤال من اسئلتى له جواب عند حضرتك " 

قبلت الام رأس ابنتها وقالت " بصى انا حضر لذهنى حالاً نظرية من علم النفس كنت قريتها ودرستها فى الكلية ممكن تجاوب على سؤالك ده ، بس معرفش اذا كنت صح ولا ده مجرد اجتهاد شخصى منى " 

كانت نظريتها المتواضعة فى هذا الشأن،  ترتكز على حقيقة اننا جميعاً نمر بعراقيل كثيرة فى حياتنا ، ونواجه تحديات ومشاكل لا حصر لها .... منها ما نستطيع التعامل معها والتغلب عليها وتغيير مسارها بما يتواءم معنا ومنها ما لا نستطيع .... 

وتلك التى لا نملك تغييرها اًو البت فيها -حيث لا يقع أمرها بين يدينا ، ويخرج تماماً عن إرادتنا - تظل تؤرقنا وتستفزنا وتعكر صفو حياتنا 
فلا يبقى أمامنا سوى خيار - فى اغلب الظن - نتخذه ونفعله بعقلنا الباطن دون وعى اًو ادراك منا ، دون سبق اصرار او ترصد

هذا الخيار هو الإزاحة ... وهو آلية دفاعية غير واعية حيث يستبدل فيها العقل هدفًا جديدًا أو كائنًا جديدًا عن الأهداف التي يرى أن شكلها الأصلي غير مقبول.

ادركت الام سريعاً انها لو حاولت ان تشرح الامر بهذه الطريقة العلمية ، فعلى الارجح لن تفهم ابنتها شيئاً 
وعليه فقد حاولت الام ان تبسط تلك الفكرة فى كلمات بسيطة غير معقدة فاستطردت قائلة"  فى رأيى المتواضع يا حبيبتى اننا لما بنلاقى نفسنا مش قادرين نغير حاجة لصعوبة اًو استحالة تغييرها ، بندور على حاجات تانيه سهله وبسيطة حوالينا ، نقدر نغيرها بكامل ارادتنا ، لمجرد اننا نحس اننا قادرين على صنع التغيير فى اى شئ .... ده بيدينا ثقة اننا لا زلنا قادرين على التحكم فى حياتنا بكل ما فيها بشكل اًو اخر ... وده بيخلينا نحس براحة وطمأنينة وثقة ويهون علينا ضيقتنا من حاجات تانيه مش عارفين نغيرها ... وانتى الفترة دى متأرجحة ومتلخبطة ومستنيه حاجات معينه تتحسم فى حياتك ... وأنتى ملكيش اى سيطرة عليها ... بتدورى على حاجات تانيه تعوضك .. فهمتى حاجة !!"

"تصدقى فهمت ... وجهة نظر " وابتسمت الابنة 

اما الام فقد شردت بعيداً وأخذت تسترجع كل تلك المرات التى قامت بنفس الشئ كابنتها ولم تع حقاً الأسباب خلف العديد من تصرفاتها 
فكم من مرة ، راحت تقص شعرها وتغير هيأته ... كم من مرة غيرت لونه دون اى داع لذلك ... 

كم من مرة خرجت لتشترى ملابس ابعد ما تكون عن اسلوبها وذوقها المعتاد فى الملابس حتى فى ألوانها المفضلة ...

كم من مرة ، وقفت تبدل قطع الأثاث داخل المنزل ... هذا المقعد هنا وهذه الطاولة هناك ... 

وقطع الأثاث الجديدة التى اشترتها وهى تعلم ان المنزل لا يحتاج اليها ... 

كم من مرة وقفت تعيد ترتيب خزانة ملابسها ، بعد ان ألقت بكل محتوياتها على الارض دون اى داع !! 

كم من مرة ، أفرغت جميع محتويات مطبخها على الارض واعادت ترتيب الأشياء داخلها حتى وان قضت يوماً كاملاً فى ذلك ... 

كم من مرة قامت بشئ مجنون ، كمحاولة التدخين وهى لم تكن يوماً مدخنة .... 

كم من مرة سهرت طوال الليل عمداً بينما كانت عادتها ان تنام مبكراً .... 
وكم وكم وكم .... 

ادركت الان انها هى الاخرى كانت تحاول جاهدة تغيير ما يمكنها تغييره وتقبل ما لا تستطيع تغييره كانت تقاوم باستماتة دفاعاً عن صحتها النفسية ....





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق