هيرميس
الأمريكي "چون سورات الابن" وقصته التي انتهت في الإسكندرية ديسمبر ١٨٦٦م

تقرير تكتبه: د.يسرا محمد سلامة   

تبدأ القصة، بـ برقية أرسلها القنصل العام الأمريكي في مصر السيد تشارلز هيل Charles Hale من الإسكندرية في 2 ديسمبر عام 1866م، إلى وزير خارجيته وليام سيوارد William Seward في واشنطن، يُخبره فيها بـ أنه "تم القبض على چون سورات John Surratt jr المتهم الرئيس في قضية التآمر على الرئيس الأمريكي الراحل أبراهام لنكولن Abraham Lincoln  والضلوع في قتله (ت. 1865) (مؤكدًا على هويته وبأنه الشخص المطلوب)"، فمن هو سورات المقبوض عليه على أرضٍ مصرية؟!
 



    وُلد چون سورات الابن في 13 أبريل عام 1844م، في واشنطن، وكان أصغر أبناء چون هاريسون وماري إليزابيث سورات – كان لديهم اِثنان آخران - أراد أنْ يُصبح كاهنًا، إلا أنه التحق بكلية سانت تشارلز في مقاطعة ماريلاند أثناء اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861م، وفي أغسطس عام 1862م، تُوفي والده؛ فاضطر سورات إلى التخلي عن تعليمه الجامعي والعودة لـ بلدته سوراتسفيل Surrattsville؛ لكي يعمل هناك مديرًا لمكتب البريد في الأول من سبتمبر من نفس العام وحتى 17 نوفمبر عام 1863م، حينما تمّ استبداله بـ شخص يُدعى أندرو روبي Androw Ruby، وسرعان ما أصبح عميلاً سريًا كونفيدراليًا بحلول عام 1863م، فقد كان يحمل الرسائل إلى زوارق الكونفيدرالية على نهر بوتوماك Potomac River، ويُرسل الرسائل أيضًا حول تحركات قوات الاتحاد في منطقة واشنطن جنوب ريتشموند، واستخدم حينها جميع الحيل الممكنة من تخبئة هذه الرسائل إما في حذائه، أو في ألواح العربات التي تجرها الدواب.

    قدم الدكتور صمويل ألكسندر مود Samuel Alexander Mudd - الفيزيائي وخبير التبغ في جنوب ماريلاند، وأحد الذين حوكموا بتهمة التآمر على قتل لنكولن فيما بعد – چون ويلكس بوث John Wilkes Booth– قاتل لنكولن في مسرح فورد بواشنطن – إلى سورات في 23 ديسمبر 1864م؛ عندما سمع سورات بمؤامرة بوث لاغتيال لنكولن، وبعدها انضمّ بإرادته إلى مجموعة بوث من المتآمرين، وفي ليلة الأربعاء الموافق 15 مارس 1865م، قام بوث بتعريف سورات على بقية المجموعة المشاركة في محاولة اختطاف لنكولن وتمت المقابلة في مطعم غوتييه في شارع بنسلفانيا؛ لمناقشة كيفية حدوث هذا الأمر.

وفقًا لأقوال سورات، فإنه قد شارك بعد هذا الاجتماع بيومين – أي يوم 17 من نفس الشهر -  في محاولة فاشلة لاختطاف الرئيس لنكولن؛ لتسنح لهم الفرصة على التفاوض مع حكومة الاتحاد على شروط أفضل للجنوب، حيث أنه كان من المفترض مشاهدته (لنكولن) لعرض مسرحي في مستشفى كامبل بضاحية خارج واشنطن، إلا أنه قد ظل في المدينة ولم يذهب إلى هناك؛ لإلقاء خطاب أمام حشد من ولاية إنديانا، وقد علم بوث بهذا التغيير في جدول المواعيد، لذا باءت المحاولة بالفشل (ذكرت العديد من المصادر الخاصة باغتيال لنكولن، محاولة الاختطاف هذه، إلا أنه من المحتمل أنها لم تحدث من الأساس)، لكن حسب ما أفاده سورات فقد انقطعت صلته بمجموعة بوث بعد هذه المحاولة التي لم تنجح.

    وفي 14 أبريل 1865م، قام بوث باغتيال لنكولن على مسرح فورد، فقامت الصحف في أنحاء البلاد بنشر صورتي بوث وسورات كـ مطلوبين لـقتل الرئيس الأمريكي، تحت عنوان واحد فقط "القتلة"، ومما زاد الأمر سوءًا، أنه تم اتهامه هو فقط بطعن وليام سيوارد وزير الخارجية الأمريكي، في نفس ليلة اغتيال أبراهام، وقدمت السلطات 25 ألف دولار لمن يُدلي بمعلومات عنه.

 تمكنت الشرطة من قتل بوث بعد 12 يومًا من عملية الاغتيال عندما اشعلت النيران في حظيرة كان قد اختبأ بها في فيرچينيا، بعدها ألقت الشرطة القبض على ثمانية من عناصر مجموعته التي اشتركت في التآمر على قتل لنكولن، وكان من بينهم والدة سورات "ماري"، التي خبأت السلاح الذي قُتل به لنكولن في منزلها، وحوكموا جميعًا في محكمة عسكرية سريعة، نفذت فيهم حكم الإعدام، وفي والدته في 7 يوليو 1865م – كانت أول امرأة يصدر حكم الإعدام  في حقها.

 لكن لم يستطع أحد العثور على سورات الابن منذ ليلة الاغتيال، وقد قال هو نفسه بعد ذلك – أثناء محاكمته – أنه كان على بُعد 300 ميل في إلميرا (نيويورك) بعيدًا عن مسرح الأحداث في مهمة سرية؛ لمراقبة سجن كان يُحتجز به جنود الكونفيدرالية،  ثم فرّ إلى مونتريال كندا – حيث كانت معقلاً للنشاط الكونفيدرالي - بعد سماعه نبأ إطلاق الرصاص على لنكولن من قِبل بوث، قضى هناك أسبوعًا، وبعدها شق طريقه إلى الريف هربًا من المحققين الأمريكيين الذين كانوا يجوبون المدينة بحثُا عنه، ثم اختبأ في منزل أحد الكهنة في قرية سانت ليبوار، وقامت السلطات باعتقال ثلاثة رجال على قدر كبير من الشبه به.

    في رسالة بعثها نائب القنصل في ليفربول هنري ويلدنج  Henry Wildingإلى وزير خارجيته سيوارد، والمؤرخة بـ 27 سبتمبر 1865م، أبلغه فيها عن معلومات تُفيد بتوقع وصول سورات إلى المدينة الإنجليزية خلال يوم أو يومين، وأنّ الشخص الذي بلغه بذلك قد كتب إفادة خطية بما شاهده وكانت كالتالي "أنّ هذا الشخص من مونتريال، وأنه في الخامس عشر من شهر سبتمبر الحالي، وعلى متن الباخرة "مونتريال" التي كانت تُبحر من مونتريال إلى كيبيك، قابل أحد الرُكاب ويُدعي "مكارثي"، وخلال رحلتهم التي استغرقت ثلاثة أيام، دار حديث ودي بينهم أخبره فيه مكارثي هذا أنه قد واجه صعوبة في الهروب من الولايات المتحدة إلى كندا، وحكى له تفصيليًا بعد ذلك – أثناء رحلتهما على متن الباخرة إلى ليفربول - عن ما كان يقوم به في الولايات المتحدة وعن قصة اشتراكه في اختطاف لنكولن من قِبل بوث، لكنه لم يتحدث مُطلقًا عن اشتراكه في عملية الاغتيال، ثم أعطى مواصفات جسمانية لهذا الـ "مكارثي" بأنه شاب بين الخامسة والعشرين والثلاثين عامًا، يبلغ طوله حوالي 5 أقدام وثمانية بوصات، حاد جدًا ذو أنف رومانية وجبهة بارزة، وعيون غائرة صغيرة وشارب خفيف، وختم إفادته بالتوقيع بإسم چورچ ميلي في 26 سبتمبر.

 الغريب في الأمر، أنه على متن الباخرة (بيروڨيان) التي غادرت من كيبيك إلى ليفربول، قام سورات برواية تفاصيل أخرى عن ما كان يفعله في بلده الأم، لشخصٍ آخر لا يعرفه ويُدعى دكتور مكميلان Dr. McMillan، الذي شهد هو الآخر بأنه قد رآه وقدم أوصافه كاملة عند إدلائه بشهادته، لكنه تنكر في زي رجل أيرلندي يرتدي نظارة طبية، وقام بقص شعره الطويل الأشقر، وصبغه باللون البني الداكن، وقبل أن يتمكن أحد من القبض عليه في ليفربول، استطاع الهرب مرة أخرى إلى لندن، ومنها إلى باريس، ثمّ إلى روما التي عمل فيها في الجيش الباباوي، حيث مكث هناك عام تقريبًا!!.

    في 6 نوفمبر 1866م، بادرت السلطات الباباوية باعتقال سورات، إلا أنه اعترض رسالة اعتقاله وقام بالهروب، لكن في اليوم التالي استطاعت السلطات اعتقاله في بلدة فيرولي الواقعة على قمة جبل، وأُلقي به في السجن، وفي صباح اليوم التالي تمكن من الهرب من ستة من حراسه؛ بعد أنْ سمحوا له باستخدام الحمام.

شق طريقه إلى نابولي، ومنها إلى الإسكندرية – أي أنه في عام ونصف تقريبًا كان قد سافر في 3 قارات مختلفة – لكن يشاء القدر أنْ تكون الإسكندرية آخر محطة له في خطة هروبه طوال هذه المدة، فقد توفقت السفينة في مالطة حيث تفشى مرض الكوليرا، ووُضع ركابها جميعًا في الحجر الصحي بعد وصولهم إلى مصر، الأمر الذي أعطى السلطات الأمريكية الوقت الكافي للقبض عليه واللحاق به؛ لأنه لم يتمكن من تغيير الزي البابوي الذي هرب به، فكانت مهمة هيل من السهولة بمكان في التعرف عليه، والإيقاع به.

    بعد أنْ تمّ القبض عليه في الإسكندرية، بعث وليام سيوارد على قنصله العام في مصر تشارلز هيل، رسالة مؤرخة بـ 4 ديسمبر 1866م، يُخبره فيها أنّ وزير البحرية أصدر تعليماته للأدميرال جولدسبورو؛ بإرسال سفينة حربية مُسلحة مُناسبة إلى الإسكندرية؛ حتى يتم تسليم سورات لها، وبالفعل توجه قائد الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط كوماندور(نيكولسون چيڨر)Nicolson Jiffer  بالفرقاطة "سواتارة" Sawattara إلى الإسكندرية؛ لتسليم سورات الابن إلى واشنطن مباشرةً دون التوقف في أي ميناء، وترحيله بعدها إلى مقاطعة كولومبيا حيث ستتم محاكمته.

(صورة للفرقاطة سواتارة التي تم ترحيل سورات عليها)

(كوماندور وليام نيكولسون چيڨر)

    تلقى الرئيس الأمريكي أندرو چونسون Andrew Johnson (1865 – 1869م)، نبأ القبض على سورات بكثيرٍ من الترحيب، حتى أنه بعث برسالة إلى الخديوِ إسماعيل يشكره فيه على حُسن تعاون السلطات المصرية في القبض على الهارب، حتى تسليمه إلى القائد المعني بترحيله – كان هيل خائفًا من فكرة هروب سورات مرةً أخرى، حينها لن يستطيع أحد القبض عليه، إلا أنّ تشديد الحراسة عليه حال دون ذلك.

وفي مارس عام 1867م، وصلت الفرقاطة سواتارة إلى مقاطعة كولومبيا، حيث تم احتجاز چون لحين البدء في محاكمته في التُهم الموجهة إليه، بدأت أولى جلسات المحاكمة بعد ثلاثة أشهر من وصوله أي في يونيو، واستمرت المحاكمة حتى صيف عام 1868م، وكانت المفاجأة أنه قد أُطلق سراحه دون إثبات أي تُهمة عليه.

(الهيئة التي قامت بمحاكمة سورات)

 

عاش حياته بشكلٍ طبيعي بعدها، فقد اكتسب شهرة واسعة بسبب كل هذه الأحداث، التي جعلته يستغلها بعمل جولة في أرجاء الولايات المتحدة للحديث عن حياته تفصيليًا – حسب روايته بالطبع – حتى أنّ الصحف طاردته من أجل عمل أحاديث خاصة عن هذه التفاصيل المثيرة، وبعد الانتهاء من هذه الجولات، التحق بمهنة التدريس، واستقرّ في بالتيمور بعد زواجه وإنجابه لـ سبعة من الأبناء، وقد كانت وفاته في عام 1916م

(سورات في مرحلة عمرية مُتقدمة)

     





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق