قصة قصيرة

الآداة

بقلم: أمل خليفة

هجرتني زمناً طويلاً، تركتني للملل يمزع صبري، كنتُ أرقبها في شغف، وكلما مرت بي أُمني نفسي بنظرة من عينيها، بلمسة من أناملها الدافئة، ولكنها دائماً تخذلني، ومع مرور الوقت تأكدت من أنقطاع الوصل، وإنها الآن لديها من يُغنيها عني ويستطيع أن يلبي رغباتها بأسلوب أفضل مني.



تعودتُ علي هجرها لي وسيطرتٌ علي حنيني إليها، ورغم ذلك مازلت متعلقاً بها، وهذا شعور خارج عن إرادتي فهى أول من منحني الدفء، كنت أشعر بأنفاسها الساخنة تجتاحني في أيام الشتاء القارس، وكثيراً ما بللتني ذرات عرقها الممتزجة بعطرها الرقيق. نعم أشتاق إلي ملامستها لي فهي أول وآخر شخص منحني أهتمامه.

أشتاق بشدة إلي هذا الاهتمام وأحن إلي رعايتها، كانت تودعني دائماً علي أمل ووعد بلقاء قريب متجدد وكانت توفي بوعدها، ثم تباعدت بيننا اللقاءات فكنت أعزي نفسي بمشاغلها الكثيرة، ثم كان الهجر الذي لن اغفره لها ماحييت.

كنت أحترق وأنا أراقبها وهي تمنح هذا الوارد الجديد نفس ما كانت تمنحه لي من أهتمام ورعاية، وكيف يضيء وجهها ويشع منه النور وهي تنظر إليه، كرهتها وكرهت أستغلالها لي. أتخذتُ قرار أن أنتزع حبها من قلبي، ولن أنتظرها بعد اليوم. سوف أستمتع بساعات الكسل والتراخي. سوف أقضي الوقت  في تأمل الأشياء من حولي. وعندما تحين الفرصة  سوف أنتقم منها بلا هوادة أو رحمة.

أنا أعرفها جيداً يسهل النيل منها، وإفقادها ثقتها في نفسها وفيما تفعله، فكم من ليالي أمضيناها سوياً لنختار بين كلمتين أو جملتين أو فقرتين، أنا أعرفها أكثر من نفسها، فهي لا تثق في أفكارها، فحبيبتي يعيبها التردد المبالغ فيه ويمكن اللعب علي هذا الوتر الحساس.والآن لأرتاح وأهدأ فكل ما علي فعله هو الأنتظار والترقب.

يا الله أستيقظت علي ترديدها لفظ الجلالة بحماس ووجل، تثاءبت وأنا أبحث عنها بعيني محاولاً أن أتبين ما يحدث، فوجدتها بالفعل تبدوا عليها علامات  مزيج من الفرح والحماس معاً، أقتربت مني قليلاً فلمحت سحابة تردد أو حيرة تمر علي وجهها، تتبعت مرمي عينيها فوجدتها تنظر إلي المكان الذي يحتله حبيبها الجديد ولكنه غير موجود، تخلي عنها هذا المدلل المرفه، شعرت بقدر من الشماتة وأنا أراقبها وهي علي هذه الحالة. بعد طول أنتظار قد حصلت علي قدر زهيد من التشفي. ولكن أين ذهب هذا الآخر؟

فركت عيني من الدهشة وأنا أراها تتجه نحوي وتقترب مني. يا الله لقد مر وقت طول منذ آخر تلامس بيننا. ولذلك لقد مرت علي هذه الثانية الفاصلة بين تلامسنا المرتقب وكأنها قرن من الزمان، ولم أصدق حواسي عندما ألتقطتني بأصابعها، لقد تغير ملمس أصابعها فأصبحت مقدمة أناملها أكثر قسوة بسبب أدمانها التربيت علي "لوحة مفاتيح" حبيبها الجديد، وأين ذهب الجلد الزائد بين أصابعها من أثر أستخدامها لي؟

لن أفرط في التفكير فيما طرأ علي أصابعها من تغيير، فها أنا ذا بين يديها، عدتُ مرة أخري إلي محراب أناملها، وسوف نظل معاً ساعات أو أيام أو أكثر من ذلك وفق ما تنتوي أن تكتب!

ساورني الشك وراودتني الأفكار المزعجة فسألت نفسي هل عدتُ أحتل مكانتي لديها مرة أخري، قلمها الأثير، يا لرومانسيتي الساذجة! بالطبع لا ، فأنا بالنسبة لها مجرد آداة تذكرتني فقط عندما واتتها فكرة ملحة خشيت أن تهرب منها فلجأت إلي بسبب تعطل حاسوبها الخاص!

شعرت بالحنق عليها وصممت علي الأنتقام منها فسألتها في صمت عميق ليصل لها سؤالي عبر الوحي الذي يصل بيننا. هل تنتوي أن تكتبي شيء  يستحق معاناتي وهرولتي فوق السطور لملاحقة أفكارك المجنونة ؟ هل ستكتبي مالم يكتبه بشر من قبل؟ هل حقاً لديك ما تكتبينه ويستحق أن يلطخ هذه الوريقات البيضاء النقية؟ أم سنخوض نفس التجربة القاسية  وأهدار الوقت في تمزيق الوريقات وألغاء وجودها.

لم أتخيل أن أنال منها بهذه الكلمات، ولم أتخيل أن تعير صمتي أدني أهتمام  أو تشعر حتي بعودتها إلي، ولكن يبدو إنها تأثرت بكلامي بطريقة ما، فلقد دثرتني بغطائي ووضعتني فوق الأوراق علي مكتبها وتراجعت بكرسيها للخلف وهي تنظر لي وكأن لسان حالها يقول أنا لن أعود إليك!

-------------------

كاتبة روائية وصحفية - عضو نقابة الصحفيين - عضو نقابة إتحاد كتاب مصر - محاضر منتدب في قسم الإعلام بجامعة عين شمس

 





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق