هيرميس
الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات

عمرها ٣٥٠ عام

أسرار وحكايات الامراء تكشف عنها مخطوطات القلامون القدماء.صور وفيديو

لقد حبى الله مصر بعدد غير قليل من الواحات التي ما زالت تحتفظ برونقها وطبيعتها الخاصة منذ قديم الأزل حتى مطلع القرن الواحد والعشرين ، بما تحوى من كنوز تراثية وشواهد تاريخية تضم آبار وينابيع ووديان على مساحات شاسعة ذات سحر وجمال تتخلل صحرائها الغربية ، أبرزها واحة الداخلة ، الأرض الخصبة بمعالمها المتفردة وآثارها الخالدة التي شهدت رواجاً تجاريا ونقلة حضارية رغم كونها منطقة طرد لعزلتها عبر عصور طويلة من الإزدهار بدأت على أنقاض عصر الديناصورات وتنامت على أيدى قدماء المصريين مروراً بحكم الفرس والبطالمة والرومان حتى بذوغ فجر الإسلام على مدار آلاف السنين المنقضية.



القلمون حصن القلامون أم قلعة لعبادة الإله آمون
أمراء وطبلخنات كبار العائلات بالقلمون تولو حكم الواحات فى عصر المماليك والأتراك
 أعظم الرحالة مروا بالقلمون لكتابة تاريخ الواحات هجريا

كشف اثري لوثائق تاريخية بمنزل عائلة الخطيب بالداخلة
عمرها ٣٤٠ عام تحوى مخطوطات ومصحف كتب بخط اليد وريشة من البوص
كتبت بنظام تفسير الجلايين والناسخ والمنسوخ على الهوامش
ابرز عادات وتقاليد مجتمع الواحات القديم 
كان يوجد بها عصارتين للزيتون وسقيفة للظل بين المنازل
مناشدة لحفظ الوثائق وتوثيق تراث الواحات بالمحافظة

ورغم بعد المسافات وتوسطها الصحراء الممتدة عبر تكوينات صخرية وكثبان رملية لا تعد ولا تحصى، تبقي واحة الداخلة واحدة من أكثر المناطق الطبيعية جمالاً وجاذبية ومظاهر حية تبعث نفحات من ذكريات عبق التاريخ بين الماضي والحاضر والمستقبل ، وخاصة عندما تتصفح مخطوطات القلامون القدماء عن المعاملات والأعراف وأبرز ملامح عصر الأمراء ، إلى جانب وريقات وضعت فى مجلدات جلدية تحوى كتب سماوية يفوح منها مسك الأختام الشرعية وتوقيعات الشهود من الأعيان والفقهاء والمشايخ وأصحاب المطالب ممن وهبوا حياتهم لكتابة وتوثيق تراث الأجداد بالواحات .


موعد مع كتابة تاريخ القلمون القديم منذ ٣٤٠ عام
الجمهورية أون لاين ، كانت على موعد مع كتابة التاريخ وكشف خبايا الزمن الجميل بما يحوى من أسرار وفنون وثقافات كتبت بأقلام جفت احبارها السوداء رغم مرور مئات الأعوام ، لتبقي صفحاتها علامة بارزة وشاهد على رقي المجتمع الواحاتى قديما فى شتى المجالات والمعاملات المختلفة داخل حاويات أثرية صنعت بايدى أمهر أبنائها تضم مطويات ووثائق تاريخية عن الأنساب وصكوك البيع والشراء والوقفيات الزراعية والأملاك ، ترجع إلى العصر المملوكى والعثمانى ، ومن مروا بها من الأمراء والطبلخنات ومشاهير العلامين والكشافين فى تلك الحقبة المندثرة قبل ٣٤٠ عاما وأكثر بمنزل أحد ورثة عائلة الخطيب بالقلمون مركز الداخلة.
القلمون حصن القلامون أم قلعة لعبادة الإله آمون
أكد الدكتور محمود صالح باحث أثري فى التاريخ المصري ، أن الأهمية التاريخية لمدينة القلمون بمركز الداخلة ، برزت من خلال تسميتها بالحصن أو القلعة لعبادة الإله آمون والتى كانت سائدة فى ذلك الوقت من الزمان ، وهناك روايات أخرى حول تفسير دلالة إسم القلمون ، والتى تعنى الفرشات وهى (أقلام) من البوص ينمو علي طول الطريق المؤدي للبلدة، أو المكان الذي فقد فيه الكهنة اقلامهم ، حيث اشتهرت عائلات القلمون باعتبارها مقرا للقضاء الشرعى فى الواحات مع بداية العصر الاسلامى ، وحتى عام 1883م ، أبرزها عائلة القطورى الحنفى ،
والتى كان منها أقضى قضاة الإسلام محمد أفندى الشهير بعبدالكريم القطورى الحنفى ، والقاضى عبد القادر إبن المرحوم القاضى عبداللطيف ، والقاضى إسماعيل إبن المرحوم حسام الدين.

أمراء وطبلخنات كبار العائلات بالقلمون تولو حكم الواحات فى عصر المماليك والأتراك
وتابع أن عائلة الكاشف التى كان يعين منها نائب شرع يسمى كاشفا فى عصر المماليك ، مختص بتحصيل الضرائب الأميرية ، وحفظ الأمن العام ، وكشف القتيل ، يليها عائلة الشاهد التى كانت تختص بتسجيل عقود وكشوف توزيع ملكية الآبار بجميع أنحاء واحة الداخلة ، مرورا بعائلات تركية الأصول منها عائلات طنبور ، والباشا ، وغيطاس ، وأخرى انحدرت منها عمودية القلمون في العصر المملوكي والتى كانت تخضع لسيطرة الحكومة المركزية بشهادة إبن دقماق 809ه / 1406م والذى أفاد بأنها كانت بيد اميرين طبلخانات هما: الجناب العلائي بن الطبلاوي وأمير فرج نائب الوجه البحري بالقاهرة .

 أعظم الرحالة مروا بالقلمون لكتابة تاريخ الواحات هجريا

وأوضح الباحث ، أن قرية "القلمون" تعد من أكثر القرى التي ورد ذكرها في العديد من المصادر التاريخية، منها " صورة الأرض لإبن حوقل بتاريخ (367 هـ) ، والبكري فى كتابه عن بلاد افريقيا والمغرب سنة (487 هـ) ، والذى وصفها بالحصن المتصل بالقصر ، كما أطلق عليها إبن مماتي فى " قوانين الدواوين" (٦٠٦هجريا) بحيز القلمون. وتطرق إليها الوطواط فى مدونته "مباهج الفكر والعبر" (٧١٨ه‍) ضمن توابع الحيز البحري لبلدة القصر الإسلامية ، بينما قال عنها بن دقماق فى مؤلفاته عام (809 هـ) أنها بلد كبير كلها كروم وبها كنيسة للنصارى ، وتناولها القلقشندي ( 811 هـ) من الناحية التاريخية وبقايا الشواهد المعمارية على الطراز الواحاتى القديم.

كشف اثري لوثائق تاريخية بمنزل عائلة الخطيب بالداخلة
وأشار إلى تبنيه عمليات البحث والتنقيب عن بعض جوانب مجتمع الواحات القديم ، منذ أواخر العصر المملوكى ونهاية الحكم العثمانى ، والتى غفلها التاريخ ولم تتطرق إليها مدونات الباحثين بشكل مستفيض ، وذلك من خلال اللقاءات الشخصية مع كبار المعمرين ومشايخ القرى ، بجانب الإطلاع على مجموعة من المخطوطات القديمة لبعض العائلات ذات الجذور والأنساب الممتدة إلى مئات السنين بقرى الداخلة ، أبرزها مخطوطات عائلة "الخطيب" بالقلمون ، ومطويات قدامى محاربى الصحراء بمركز بلاط ، لما لها من أهمية تاريخية تحكى تراث مجتمع الواحات ، وكيف كانت المعاملات والأعراف السائدة ، مروراً بمختلف تطورات الحياة فى تلك الحقبة الزمنية القديمة من اللحد إلى المجد حتى الوقت المعاصر.

عمرها ٣٤٠ عام تحوى مخطوطات ومصحف كتب بخط اليد وريشة من البوص
وقال عبدالستار سليمان حسن ٧٦ عاما ، أحد ورثة عائلة الخطيب القرشية بقرية القلمون التابعة لمركز الداخلة بمحافظة الوادى الجديد ، فى تصريح خاص ل الجمهورية ، أنه ورث عن جده الأكبر مجموعة من الوثائق التاريخية القديمة عن المعاملات الزراعية وشجرة العائلة ترجع إلى العصر المملوكى حتى نهاية العثمانى ، والتى استطاع أن يحافظ عليها داخل حاويات جلدية وأخرى حديدية ، مشيرا إلى أنه منذ أكثر من مائتي عامً ، قرر جده الأكبر كتابة القرآن الكريم كاملاً بخط يده فى 10 مجلدات عتيقة بنظام تفسير الجلالين والناسخ والمنسوخ على الهوامش ، بواسطة ريشة مدببة من البوص اليابس وخليط أحبار الأرض الأسود ،  مخلدا ذكراه فى ٣٠ جزءًا تحوى ٨٠٠ صفحة لكتاب الله الأعظم على طريقة القدماء من أئمة الصالحين والزهاد لتبقى إرثا نورارنيا وشاهدا على رحلة تأمل واعتكاف إستمرت قرابة عامين من الزمان.
كتبت بنظام تفسير الجلايين والناسخ والمنسوخ على الهوامش
أضاف سليمان ،  أن جميع مجلدات الكتاب المقدس جمعت بين الهوامش وتفسير الجلالين من الداخل ، وهو من أوسع التفاسير انتشاراً، إضافة إلى احتواؤه على علوم الإعراب، والحديث في الناسخ والمنسوخ ، مؤكدا أن اشهر المصاحف المطبوعة إن لم يكن جميعها مأخوذة من تفسير الجلالين ، وهو الأمر الذى يتطلب ضرورة إهتمام العلماء والباحثين بمراجعته وإسناده إلى الجهات المختصة لتعميم أوجه الإستفادة وحفظه للأجيال القادمة ، لافتاً إلى أن أقدم وثيقة تاريخية عمرها يتخطى ٣ قرون ونصف مابين معاملات وصكوك بيع وشراء وتوثيق لشجرة عائلته التى تمتد إلى نسب آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام .

ابرز عادات وتقاليد مجتمع الواحات القديم
وعن العادات والتقاليد التي اشتهر بها سكان مجتمع الواحات وكانت تميزه عن سائر المجتمعات الأخرى حتى فترة قريبة واوشكت على الإندثار ، أكد عبدالسلام باشا عمر شيخ قرية القلمون منذ ٢١ عاما حتى الآن ، أن الحياء والإحترام المتبادل والتعاون فى السراء والضراء والمناسبات بمختلف أنواعها جميعها سلوكيات وسمات ظلت لسنوات بعيدة تمارس بين مختلف أطياف المجتمع الواحاتى الأصيل ، مشيرا إلى أن الزراعة كانت بالأجر من المحصول لندرة المال ، ولم تكن خيرات المنازل حكرا لأصحابها فقط ، بل كانت وسيلة لتعزيز رباط المحبة والألفة بالمساعدة دون مقابل عند الشدائد والعوز ، ورغم الفقر الشديد وتردى أحوال المعيشة في ذلك الوقت من الزمان كان الرضا هى السمة الغالبة على وجوه أهالى الواحات وسط سعادة كبيرة بما وهبه الله من فيض خيرات الأرض أبرزها التمور والقمح والأرز .
وأشار "عمر" إلى أن قرية القلمون كان بها عصارتين للزيتون قديما ، وكان يتخلل مساكن الأهالى سقيفة من جذوع الأشجار على جدران مبنية من الطوب اللبن ينفرج منها طاقة صغيرة تصل المنازل ببعضها البعض ، لتبادل الأطعمة والمستلزمات من أجل تقديم واجب الضيافة لزوار المكان وذلك على مدار العام وخاصة في شهر رمضان المبارك ، مناشدا محافظ الوادى الجديد أهمية توثيق تراث الواحات بالداخلة وجمع الوثائق التاريخية القديمة لدى كبار العائلات بالقلمون فى كتاب أو موسوعة علمية لحفظها من الإندثار وتوعية الأجيال القادمة بقيمة وعراقة ما صنعه الأجداد من تاريخ وتضحيات تدرس في مناهج الجامعات وتستحق الدراسة والنشر على أيدى الباحثين.


مناشدة لحفظ الوثائق وتوثيق تراث الواحات بالمحافظة

ويرى يحيي شاهين أحد أبناء قرية القلمون بواحة الداخلة ، أن مصر لها الأسبقية والمكانة العالية فى الرقي والتقدم منذ قديم الأزل وحتى وقتنا هذا بين مختلف بلدان العالم والحضارات ، وأن الواحات الداخلة وبلاط والخارجة وغيرها تمتلك من المخزون الثقافي والمقومات الأقتصادية رغم البعد الجغرافى ما لا يقل أهمية عن سائر المجتمعات الأخرى في محافظات مصر من الصعيد إلى القاهرة مركز الحكم وإدارة شئون البلاد ، وهو الأمر الذى يتطلب توعية الشباب بإنجازات الدولة المتحققة على مدار السنوات الأخيرة ، شاكرا جهود الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية والقيادة التنفيذية والأمنية وجميع رؤساء المجالس المحلية وغيرهم على أرض المحافظة فى تأدية واجبهم لخدمة المواطنين وتوافر عنصر الأمان الذى تنعم به سائر فئات المجتمع دون غيرهم فى البلدان العربية أو القارات المجاورة.

وكشف المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة منتصف القرن الماضي عن وجود ١٦ أعتاب خشبية تعلو مداخل منازل السكان المحليين بالقلمون ، والتى كتبت بخط الثلث وكانت تتضمن إسم المنشئ وتاريخ الإنشاء ، وذلك أثناء تنفيذ إحدى البعثات العلمية لدراسة المنطقة والتعرف على طريقة البناء والفن المعماري الذى تميزت به منشآت القرية على الطراز الذى كان سائدا فى العصر الإسلامى وحتى نهايات العثماني ، حيث يرجع أقدم تاريخ مسجل علي أعتاب هذه المنازل إلى عام 1108 ه / 1697م ، وهو خاص بتجديد أحد المساكن ، وهو الأمر الذى يؤكد قدم الإنشاء وأهمية القلمون من الناحية التاريخية.

وتجدر الإشارة إلى أن مدينة القصر كانت مقرا لحكم الواحات منذ الفتح الإسلامي حتى نهاية حقبة المماليك ومنها إلي مدينة القلمون فى العصر العثماني يتبع مجلس الشرع الشريف ، حيث كان يعين بها نائبا للشرع برتبة (قاضي) ونائب عن المماليك يسمي كاشفاً والذى كان يتم إختياره من بين الامراء المماليك الذين ذهبوا الي القلمون واستقروا بها، لتحصيل الضرائب وحفظ الأمن العام للواحات تحت إمرة القلمون كعاصمة إدارية للمنطقة باسرها حتى نهاية العصر العثماني.





يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق